أنقرة – دمشق: استدارة بطعم "الزنزلخت"؟

أنقرة – دمشق: استدارة بطعم "الزنزلخت"؟

د. سمير صالحة - الخميس 01 أيلول 2022

لماذا غيّرت تركيا موقفها من النظام السوري؟ ولماذا بعد 11 عاماً قرّر الرئيس رجب طيب أردوغان أن يمدّ اليد إلى بشار الأسد؟ هل الحسابات الداخلية تتقدّم مع تقدّم أرقام المعارضة التركية في الاستطلاعات؟ هل بات اللاجئون السوريون عبئاً سياسياً في الداخلي عليه؟ أم أنّ التحوّلات في المنطقة تفرض عليه أن يتجه إلى دمشق ضمن سياق تصفير الأعداء في المنطقة والعالم؟

رفعت قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لسنوات طويلة شعار "لكي تأخذ ما تريده على الطاولة فعليك أن تفرض نفسك على الأرض أوّلاً". تبنّت أنقرة هذه المعادلة وطبّقتها في سياستها الخارجية، ومن خلالها وصلت إلى الكثير من أهدافها في ملفّات إقليمية ذات طابع استراتيجي حسّاس بعيداً عن دائرة النفوذ التركي الجغرافي الأولى في آسيا وإفريقيا مثلاً.

فلماذا تقرّر اليوم مراجعة سياستها السورية التي بنتها انطلاقاً من هذا النهج والأسلوب منذ عقد وبعد 4 عمليات عسكرية في شمال سوريا، على الرغم من كلّ تشابكات الملفّ وتعقيداته الأمنيّة والسياسية والاقتصادية؟

ولماذا تعلن الدائرة السياسية والحزبية الأولى المحيطة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان أنّها جاهزة لمحاورة بشّار الأسد عدوّها لسنوات في الميدان وبعد كلّ ما قيل وجرى وفي البقعة الجغرافية الأقرب إليها التي تحرّكت للتدخّل في شؤونها لمنع الأخطار والتهديدات عند حدودها الجنوبية وارتدادات ما يدور على أمنها واستقرارها كما ردّدت دائماً؟

تدرك أنقرة أنّ نظام الأسد لا يمثّل نفسه في سوريا، وليس هو من يتّخذ القرارات في القضايا المصيرية المتعلّقة بمستقبل بلاده حيث تتقاسم موسكو وطهران النفوذ والهيمنة

اعتمدت تركيا أيضاً سياسة الردّ الاستباقي في قراراتها الخارجية لمواجهة حرب النفوذ وحماية المصالح في معاركها المزمنة مع اليونان وأرمينيا وإيران وعواصم أوروبية وعربية. وصلت في الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى محصّلة "العزلة الثمينة" التي دفعتها إلى مراجعة جذرية لسياستها الإقليمية. فلمَ لا تقوم بالانعطافة السورية عبر تفاهمات أوسع مع اللاعب الروسي المؤثّر على قرارات دمشق بعد خيبة الأمل في الرهان على الشريك والحليف الأميركي في شرق الفرات؟

تدرك أنقرة أنّ نظام الأسد لا يمثّل نفسه في سوريا، وليس هو من يتّخذ القرارات في القضايا المصيرية المتعلّقة بمستقبل بلاده حيث تتقاسم موسكو وطهران النفوذ والهيمنة. فما الذي ستجنيه من استدارة نحو بشار الأسد؟ إمّا أنّها تحاول إرضاء الداخل التركي في مسألة تتعقّد وتتشابك، وإمّا أنّها تحاول التعامل بإيجابية مع المقترحات والتصوّرات الروسية التي تتعلّق بالملفّ، وإمّا أنّها تريد الخروج من ورطة الملفّ عبر مناورة داخل الدائرة السورية تقلب مسار الأزمة وتدفع الأمور نحو حلحلة وتسويات تنهي حالة الانسداد الحاصلة.

 

انتخابات أردوغان.. وتراجع حزبه

يرصد حزب العدالة حتماً ما تعلنه بعض شركات استطلاعات الرأي عن استمرار تراجع شعبيّته في الداخل التركي، واندفاع حزب الشعب الجمهوري المعارض الأوّل إلى الإعلان أنّه للمرّة الأولى يتمكّن من التقدّم على نسب أصوات حزب إردوغان الذي كان يتقدّم على بقيّة الأحزاب مجتمعةً ومتفرّقةً، من دون الحديث طبعاً عن اتّساع الفارق بين تكتّل الحكم وداعميه وجناح المعارضة السداسي. تطوّرات سياسية حزبية من هذا النوع كافية لدفع الحزب الحاكم إلى تغيير سياسته السورية ما دامت ارتداداتها وتكلفتها على تركيا والحزب في شؤون اللجوء والتجنيس والأعباء المادّية ستكون حاضرة بقوّة خلال الحملات الانتخابية التي ستنطلق قريباً.

أعلنت وزارة الخارجية التركية تمسّكها بمواقفها وسياستها السورية التي تقوم على دعم الحلّ السياسي الذي يراعي مطالب الشعب السوري، وأنّ تركيا ستبقى متضامنة مع الشعب السوري وتعطي الأولويّة لتنفيذ القرارات الأممية وفي مقدَّمها القرار رقم 2254. لن يكفي ذلك حتماً لطمأنة قوى المعارضة السورية في الداخل والخارج، فأسباب وأهداف التموضع التركي الجديد المحتمل في سياسة تركيا السورية كثيرة لا تعدّ ولا تُحصى، وبينها:

- تركيا هي بين الأطراف الأكثر تضرّراً في المشهد السوري القائم اليوم بعد 11 عاماً على الأزمة، وهو ما دفعها إلى الإعلان عن ضرورة مصالحة المعارضة السورية والنظام لتأسيس سلام واستقرار في سوريا.

- تراجع خطة إنشاء منطقة آمنة يتمّ نقل السوريين إليها بموافقة دولية، وهي التي كانت ستقوّي فرص وحظوظ حزب العدالة في الداخل بمواجهة قوى المعارضة التركية، وتحمي مصالح تركيا ونفوذها في الشمال بالتنسيق مع حليفها المحلّي هناك، وتقطع الطريق على مشروع الإدارة الذاتية الكردية المنفتح على الحكم الفدرالي أو الكونفدرالي في سوريا.

- تطهير الشريط الحدودي من نفوذ "قسد" وعناصر حزب العمّال الكردستاني، وتسهيل بدء عودة اللاجئين باتجاه المدن السورية وعلى رأسها دمشق وحمص وحلب.

- دفع العملية السياسية والدستورية الجديدة في سوريا بالتنسيق مع موسكو، وإعداد دستور يرضي الغالبية ويفتح الطريق أمام إجراء انتخابات حرّة، والإفراج الفوريّ عن الآلاف من السجناء السياسيين وفق موازين القوى المحلّية والإقليمية، وتحريك حالة الجمود القائمة المكلفة لتركيا.

موقف المعارضة السورية

صمد نظام الأسد في سوريا في مواجهة الشعب الثائر لمدّة 11 عاماً بالحديد والنار والدعم الروسي والإيراني، وبفضل تفكّك قوى المعارضة السورية وتذبذب المواقف الإقليمية والدولية. تتمسّك تركيا بعمليّتها العسكرية الخامسة في شرق سوريا ضدّ قوات "قسد" و"مسد" ووحدات الحماية، لكنّ اللاعبين الإقليميين المؤثّرين في الملفّ يعارضون الطلب التركي.

المحيّر أكثر هو أنّه خلال الحديث عن تحوّل مرتقب في مواقف أنقرة ودمشق في الملفّ السوري ستكون مجموعات "قسد" الضحيّة الأولى له. يتحرّك صالح مسلم، القيادي الكردي في الشمال، ليطالب النظام في دمشق بعدم توقيع اتفاقية أضنة جديدة مع أنقرة وإلغاء القديمة لأنّها "وثيقة استسلام" جاءت وسط ظروف كانت سوريا فيها ضعيفة بعكس ما هو الوضع اليوم، فـ"سوريا اليوم، كدولة وليس كنظام فحسب، في وضع أفضل. لديها من يهتمّ بها، ودخلت المعادلة الدولية".

من جهته، نفى سالم المسلط، رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ما تداولته وسائل إعلام إيرانية عن طلب أنقرة من الائتلاف وقف نشاطاته السياسية فوق الأراضي التركية والبحث لنفسه عن بلد مضيف آخر.

طبعاً هي ترويجات إيرانية وحسب لزيادة الشرخ بين حزب العدالة وحليفه المحلّي السوري. لكن لا ضمانات أنّ الأمور لن تتقدّم بهذا الاتجاه في حال وصول أحزاب المعارضة التركية إلى السلطة بعد انتخابات حزيران المقبل.

ستأخذ قوى المعارضة السورية بعين الاعتبار عزم أنقرة تحسين علاقاتها بدمشق وضرورة الاستعداد لمرحلة جديدة إذا لم تكن تريد التكيّف مع هذا الواقع الجديد. تذكّرنا وضعية قوى المعارضة السورية بما حلّ بـ"الإخوان المسلمين" قبل أشهر عندما بدأت أنقرة تراجع سياستها المصرية. وهناك من حذّر المعارضة السورية من احتمال الوقوف أمام سيناريو من هذا النوع أو مواجهة خيارين أحلاهما مرّ:

- إمّا القبول بانفتاح إردوغان وحزبه على النظام في دمشق في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة السورية.

- أو قبول حالة التريّث والانتظار لمعرفة ما سيحلّ بها بعد 10 أشهر في ضوء قرار الصناديق في تركيا.

- أو البحث عن حليف إقليمي جديد.

فرصتها الأقرب هي بقاء حزب العدالة في مكانه وعدم المبالغة في التصعيد ضدّه وتركه يتعامل مع الملفّ السوري على طريقته نيابة عن نفسه وعنها، إلا إذا قرّرت الذهاب وراء استراتيجية تحوّل جذري تقوم على تحرّك سياسي ميداني ينقلها إلى الداخل السوري وإنهاء حالة ائتمان الآخرين على سلّة بيضها.

 

ما هي الاحتمالات؟

ليس التحوّل في الموقف التركي محبّةً بالأسد. ولا لأنّ الأسد قرّر مراجعة سياسته التركية. حتى لو تمكّن النظام السوري من تسجيل اختراقات سياسية وعسكرية تؤثّر على القرار التركي وتدفع أنقرة إلى مراجعة جذرية لمواقفها: ما الذي يمكن أن يقدّمه النظام الذي تهمّه إزاحة حزب العدالة والتنمية عن الحكم في تركيا، في تسوية من هذا النوع؟ حيث تعلن قوى المعارضة التركية منذ سنوات أنّها جاهزة للتفاوض معه وإعطائه الكثير ممّا يريد.

يعود التحوّل في سياسات حزب العدالة اتجاه الأسد إلى أسباب داخلية وخارجية. ولن يتقدّم بمثل هذه السرعة. بل سيتمّ التغيير الكبير بالتزامن مع التحوّلات في مواقف الدول العربية والغربية حيال الملفّ، وبانتظار استكمال شبكة تحالفات أنقرة الإقليمية الجديدة، والتطبيع مع إسرائيل، واستغلال فرصة الانفتاح المتزايد على روسيا، ومحاصرة واشنطن بضرورة إعطاء تركيا ما تريد، والضغط الغربي على إيران المنشغلة بالاتفاق النووي.

سنشهد قمّة تركية سورية، لكن ليس قبل الانتهاء من الانتخابات التركية. حتى لو كان هناك الكثير من الأسباب والدوافع التي تبرّر لحزب العدالة تسريع اللقاء مع النظام في دمشق. فكلفة خطوة من هذا النوع سياسياً وشعبياً قد تكون أعلى من عائدات الأرباح والغنائم. ومن الأفضل البقاء على موقف مفاده أنّنا لا نعرف بعد من سيجلس إلى طاولة مفاوضة الأسد: قيادات حزب العدالة؟ أم المعارضة التركية؟

إقرأ أيضاً: تقارب الأسد وأردوغان: ماذا عن المعارضة السورية؟

لا يمكن الالتفاف على التباعد العميق في المواقف والسياسات بين حزب العدالة ونظام الأسد بمثل هذه البساطة. وهذا يحتاج إلى الكثير من جلسات الحوار والتفاوض إذا كانت النوايا صادقة.

فما لم يقدّمه النظام قبل عقد لأنقرة على طريق مراجعة سياساته ومواقفه... لماذا يفعله اليوم فيما الجانب التركي هو من يعلن أنّه يريد العودة إلى طاولة التفاوض؟