الإمام المغيّب (2): فحوص DNA وروايات متناقضة... ما علاقة إيران؟

الإمام المغيّب (2): فحوص DNA وروايات متناقضة... ما علاقة إيران؟

نهلا ناصر الدين - الخميس 01 أيلول 2022

ما يزيد الشكوك في التعامل المريب مع قضية إخفاء الإمام موسى الصدر بعدد أربعةٍ وأربعين عاماً، هو الغموض الذي يتراكم. مصدر الإلتباسات الكثيرة لا يقتصر على مابداه نظام معمر القذافي، بل يشمل سوريا وإيران، ذلك أن النظامين في كل من البلدين كان على علاقة تحالف مع النظام الليبي.

النظامان الإيراني والسوري زعما على الدوام التمسك بكشف مصير الإمام ورفقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. إلا أنهما لم يقدما جديداً على إمتداد العقود السابقة. ولم يطرأ جديد غير روايات متناسلة من بعضها أو على النقيض تماماً. ولا جديد غير اعتقال هنيبعل القذافي منذ العام 2015 من دون تقديمه إلى المحاكمة، واعتباره "مصدراً للمعلومات"، علماً أن الأخير وحين تغييب الإمام الصدر كان له من العمر سنتان.

على الضفة اللبنانية جرت أحداث كثيرة مع ليبيا بعد مقتل القذافي وجميعها كان يتسم بكثرة الوعود من دون أن يتحقق شيء عملياً. وبقي إحياء الذكرى ينتقل من عام إلى آخر كل 31 آب. ومع السؤال الذي ما يزال يتكرر بغزارة سياسية وعاطفية عن مصير الإمام ورفيقيه، يحضر في الأذهان تصريح رجل الدين الشهير جلال الدين فارسي، مستشار المرشد الإيراني السابق الإمام الخميني في شباط 2018 خلال مقابلة مع وكالة أنباء "فارس" قال خلاله إنّ الإمام موسى الصدر كان "يجب أن يُقتل" بسبب تصريحات له حول توحّد الأديان والمذاهب، وأوضح أنّه كانت للصدر روابط قويّة بشاه إيران، وهي العلاقة نفسها التي يتحدّث عنها كتاب "سقوط السماء.. البهلويّون والأيّام الأخيرة للإمبراطورية" للكاتب أندرو سكوت كوبر، أحد الخبراء المتخصّصين في شؤون الشرق الأوسط.

النظامان الإيراني والسوري زعما على الدوام التمسك بكشف مصير الإمام ورفقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. إلا أنهما لم يقدما جديداً على إمتداد العقود السابقة

التعاون الليبي المُعلق على الوعود

يبرّر أمين سرّ اللجنة الوطنية لمتابعة قضية الإمام الصدر، القاضي حسن الشامي، المماطلة الحاصلة في التحقيق مع هنيبعل القذافي بالروايات المتناقضة التي يقدّمها الطرف الليبي، والتي لم تسمح بالوصول إلى نتيجة، "فمنذ العام 2011 ومع بدء زياراتنا كلجنة رسمية إلى ليبيا، كنا نتلقى الوعود من المسؤولين بعد الثورة بدءاً بالرئيس مصطفى عبدالجليل وجميع الحكومات المتعاقبة، وللأسف لم ينفّذوا منها إلا القليل، وفي العام 2013 عقدنا مذكّرة تفاهم معهم تتعلّق فقط بقضية الإمام ولم ينفّذوا منها شيئاً، وآخر زيارة لنا إلى ليبيا كانت في العام 2016، وأيضاً كان هناك وعداً بمزيد من التعاون، ودائماً كنّا نعاني من الوعود وعدم التنفيذ".

ويشير القاضي الشامي إلى أنّ المحقّق العدلي أدعى على 13 شخصاً في قضية الإمام الصدر، بينهم 12 غيابياً وهنيبعل حضورياً. ويعزو التأخر إلى الإجراءات التبليغ "ولا سيّما أنّها خارج لبنان، فالخطأ ليس من المحقّق العدلي، وليس هناك مماطلة في التحقيق، بل كلّ القصة أنّ هناك إجراءات لا بدّ منها حتى يستطيع أن يختم التحقيق ويُصدر قراره الظنّي".

رواية تحليل الحمض النووي (دي أن آي)

في إطار الإجابة عن سؤال يتصدّر المشهد مع اقتراب الذكرى في كلّ سنة: "هل تمّ التوصّل إلى حقيقة لا تريد حركة أمل الإعلان عنها؟"، يكشف الشامي لـ"أساس" رواية متعلّقة بفحوص الحمض النووي تُنشر للمرّة الأولى، ويؤكّد أنّ اللجنة لم تتردّد للحظة في ملاحقة أيّ دليل، "بل قمنا بإجراء فحوص الـ DNA في عدّة دول ولعدّة جثامين تبيّن أنّها غير مطابقة، لا بل تعود لشخصيات ليبية أخرى كانت في السجون السرّية".

ومن بين هذه التجارب ما جرى خلال مشاركة وزير الخارجية اللبناني حينذاك عدنان منصور في لقاء القمّة العربية في بغداد في 1 و2 نيسان 2012، حيث سلّمه وزير الخارجية الليبي عاشور بن خيال رسالة للرئيس نبيه برّي من الرئيس الليبي مصطفى عبدالجليل ورئيس مجلس النواب الليبي، وتتضمن الآتي: "عثرنا على جثّة موسى الصدر، وحرّاس السجن أكّدوا أنّها كانت في برّاد خاص قبل دفنها، ومطلوب من الجانب اللبناني أن يحضر إجراءات النبش والفحوص اللازمة"على ما يقول الشامي.

في 4 نيسان ذهب القاضي الشامي إلى ليبيا مع وفد كبير كان من بين أعضائه رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب خبير الـDNA  العالمي، لافتاً إلى أنه كان "معنا بروفايل عائلة الإمام للمطابقة. حضرنا النبش في موقع كان بمنزلة قبر جماعي، وكانت جثّة في كيس لونه برتقالي مغاير لباقي أكياس الجثث. قالوا لنا هذه هي جثّة الإمام. أخذنا الجثّة إلى المشرحة، ومن أمام مستشفى الزاوية في ليبيا سألنا الطرف الليبي عن المكان الذي يفضّل أن ننفّذ فيه الفحص، فاختار سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك، وواجهتنا مشكلة الحصول على فيزا بادئ الأمر، لعدم وجود سفارة للبنان هناك، وعاد الطرف الليبي إلى المماطلة حتى 12 تموز 2012 حين أرسل الرئيس برّي رسالة خطيّة لمصطفى عبد الجليل أوصلها إليه القائم بأعمال سفارة لبنان في ليبيا آنذاك السفير حسن صالح سفيرنا الحالي في السويد، وقال الرئيس برّي في الرسالة التي كانت مؤلّفة من صفحتين: تفضّل بإرسال الوفد الليبي ليلاقي وفدنا في سراييفو لإنهاء هذا الموضوع".

بعد 44 سنة، يبدو أنّ الحقيقة ستبقى مغيّبة، تماماً كإمامها، لكن يبقى الثابت الوحيد أنّ إزاحة الشخصيات المعتدلة كانت ضرورة للأنظمة القمعية القديمة أو المستحدثة

أجهزة استخبارات تعاونت في قضية الصدر

في 16 تموز من العام نفسه ذهب الشامي برفقة أيوب والوفد الليبي إلى مركز عالمي متخصّص بفحوص الحمض النووي في سراييفو، تابع للأمم المتحدة، ويسمّى ICMP،  (International centre for missing people)، وكانت نتيجة الفحوصات غير مطابقة، بل جاءت مطابقة لحمض منصور الكيخيا وزير خارجية سابق معارض لمعمّر القذافي. ويضيف الشامي "هناك أجهزة مخابرات عربية تابعة لعدّة دول كانوا وسطاء في القضية وواجهونا بجثث وثياب وأغراض قالوا إنّها تعود للإمام، وأجرينا عليها الفحوص اللازمة، وجميعها كانت غير مطابقة. نحن لا نتخفّى خلف إصبعنا، بل نحن وصلنا إلى مرحلة نطلب فيها رواية متكاملة فقط من الجانب الليبي".

ويستذكر الشامي رواية أحمد رمضان الأصبيعي أمين سرّ معمر القذافي الذي اعتُقل بسجن التِكِت في مصراتة خلال الثورة "والذي قال ثلاث روايات متناقضة" واعترف لاحقاً أنّه تقصّد ذلك من أجل الضغط وكشف مصير عديله الذي كان طيّاراً من آل اليازجي. وتعتقد العائلة أنّ القذافي لغّم طائرته، ويتساءل الشامي "مع حجم هذه الأكاذيب والروايات المتناقضة.. كيف نصل إلى نتيجة؟!".

في هذا السياق، يرى الصحافي والمحلّل السياسي علي الأمين في حديثه لـ"أساس" أنّ التعامل مع هذه القضية خضع بوضوح لحسابات سياسية واعتبارات داخلية لبنانية أكثر ممّا كان الهدف منه الكشف عن الحقيقة، "فكلّ عاقل اليوم يتساءل لماذا لم نصل إلى نتيجة حتى اليوم، بعد 44 سنة، فكلّ المؤشّرات تقول إنّ الإمام الصدر فُقِد في ليبيا، ونحن نتحدّث عن قضية تخصّ الشيعة عمومأً وتخص حركة أمل وحزب الله والمجلس الشيعي خصوصاً، وعندما نأتي على ذكر هذا المثلّث فهذا يعني أنّنا نتحدّث عن إيران وسوريا، وهما دولتان كانتا قادرتين على كشف هذا الموضوع وإنهائه، سواء من خلال دورهما كدول مؤثّرة أو عبر علاقتهما التحالفيّة مع هذا المثلّث. وبتقديري كمراقب، لو كان هناك عمل جدّي ونيّة صادقة للوصول إلى نتيجة ، لكنّا وصلنا إلى نتيجة".

 

الشكوك حول دوري إيران وسوريا

ويرى الأمين أنّ "ما يزيد الشكوك في التعامل المريب مع القضية من قبل هذه الدول والقوى اللبنانية، أنّه حتى بعد موت القذافي بقينا مكاننا وكأنّ المقصود أن تبقى هذه القضية غامضة وعرضة للاستثمار السياسي والحزبي، أو كأنّ هناك رغبة في إبقاء فكرة الإمام الغائب، التي تحاكي فكرة الإمام المهدي الغائب، وقد شُغل عليها ليس بشكل عفوي بل بشكل مدروس".

وما يحمّل المسؤولية بشكل أكبر لهذه الدول هي العلاقة الجيّدة التي كانت تجمعها بنظام القذافي، "فالقذافي أعلن دعمه للثورة الإيرانية، وعلاقتهما الجيّدة لم تكن سرّاً بل كانت معلنة، ولذلك كان يجب أن تلعب هذه الدول دوراً محورياً وأساسياً في كشف هذه القضية التي تهمّ الشيعة كلّ الشيعة في لبنان". ويسأل الأمين: "هل بذلت إيران الجهد المطلوب منها؟ هل عرفت الحقيقة وسكتت عنها أم عرفت الحقيقة وأخبرت بها الجانب اللبناني والأخير تكتّم عنها؟ كلّها أسئلة مشروعة".

إقرأ أيضاً: الإمام الصدر قضيّة وطنيّة والقذّافي بالسجن بلا محاكمة

عليه، وبعد 44 سنة، يبدو أنّ الحقيقة ستبقى مغيّبة، تماماً كإمامها، لكن يبقى الثابت الوحيد أنّ إزاحة الشخصيات المعتدلة كانت ضرورة للأنظمة القمعية القديمة أو المستحدثة، وكان من بين هذه الشخصيات موسى الصدر، بالإضافة إلى كمال جنبلاط، وحسن خالد، الذين لو كانوا معنا لربّما غيّروا مسار التاريخ. يوافق الأمين هذا الرأي ويقول إنّه "غالباً ما يحاول أيّ مشروع التخلّص من شخصيّات كهؤلاء لأنّ لهم جذورهم الممتدّة في التاريخ ويشكّلون عائقاً أمام أيّ مشروع إلغائي أيديولوجي"، ولا يمكن أن نقول إنّ إزاحتهم تباعاً كانت بالصدفة، بل حقيقة مرّة أرادوا تغييبها.