فرنسا - الجزائر: كتابة التاريخ من جديد

فرنسا - الجزائر: كتابة التاريخ من جديد

محمد قواص* - الثلاثاء 30 آب 2022

قد تكون عُدّة انتخابية أملت على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخريف الماضي تقصّد التفوّه بأفكار تنال من الجزائر وتشكّك في حقيقة تاريخها قبل أن تستعمرها فرنسا. لا شيء غير ذلك كان يدفع رئيساً ذكيّاً لامعاً كماكرون إلى "الاعتداء" على الجزائر وذاكرتها، وهو ما استنفر كلّ الأجهزة الدبلوماسية الفرنسية لتدوير الزوايا واجتراح الأعذار وابتكار المخارج، واضطرّ الرئيس الفرنسي نفسه إلى تقديم الاعتذار في تشرين الأوّل الماضي، قبل الحرب الأوكرانية الروسية.

ماكرون هو أوّل رئيس فرنسي يولد بعد حرب الجزائر. في أوائل تشرين الأول 2021 نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقتطفات من كلمته أمام مجموعة من الشباب من ثنائيّي الجنسية أو الفرنسيين من أصول جزائرية. وقد ورد في ما سُرّب كلامٌ عن "كراهية فرنسا" في خطاب النظام الجزائري، ونقد لـ"الريع التذكاري"، وسؤال: "هل كانت هناك أمّة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟".

وفّر الحدث مناسبة ثمينة للجزائر لإخراج بيارقها وسحب سفيرها وإغلاق أجوائها أمام الطائرات العسكرية الفرنسية المتوجّهة إلى منطقة الصحراء. وأهدى الحدث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مادّة تجييش لدى الرأي العامّ الداخلي بعد مرحلة من القلاقل والتظاهرات الشعبية والاقتراع الذي أتى به رئيساً للبلاد. أعادت مواقف ماكرون إنعاش ذاكرة دراماتيكية لتاريخ مقيت ما زالت الجزائر تعيش على أطلاله.

خطت باريس خطوة مهمّة في عهد ماكرون. اعترفت أنّ هناك "خطباً" وسوء قراءة مشتركة للمرحلة التاريخية نفسها

شكّك الرئيس الفرنسي في وجود الجزائر قبل الحقبة الفرنسية التي بدأت عام 1830 ودامت 132 عاماً. فتح ذلك الموقف شهيّة تيارات فرنسية واسعة، ولا سيّما لدى الشعوبيّين المتطرّفين، لإخراج أدبيّاتهم العتيقة حول "الجزائر الفرنسية". حتى إنّ أحد مرشّحي ذلك التيار، إيريك زمور، المثير للجدل، أثنى، وهو المنافس الشرس لماكرون، على تصريحات الأخير مردّداً أنّ "الجزائر هي اختراع فرنسي".

لا تعتذر فرنسا حتى الآن عن تاريخها الاستعماري وما ارتكبته في الجزائر وضدّ الجزائريين. فعلت إيطاليا ذلك وقدّم رئيس وزرائها سلفيو برلسكوني آنذاك في آب 2008 اعتذاراً لليبيا متعهّداً بدفع 5 مليارات تعويضات على شكل استثمارات على مدى 25 عاماً. 

 

الخوف من "الأبواب المغلقة"

لا تعتذر فرنسا لأنّ الحقبة الجزائرية تفتح ملفّ كلّ الحقبة الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا، ولأنّ في فرنسا مدارس سياسية حيّة ومدارس فكرية متوارثة لا ترى في الحقبة الاستعمارية عاراً، بل رسالة حملتها لنقل الحداثة إلى "مناطق لا أمم فيها"، تماماً كما أوحت تصريحات ماكرون.

خطت باريس خطوة مهمّة في عهد ماكرون. اعترفت أنّ هناك "خطباً" وسوء قراءة مشتركة للمرحلة التاريخية نفسها. كلّفت المؤرّخ الفرنسي بنجامين ستورا بإعداد تقرير، ففعل وأنهى تقريره بمجموعة من التوصيات. اكتفت فرنسا بنسخة ستورا من التاريخ، فلم تقبل الجزائر أن يلخّص مؤرّخ فرنسي (يهودي من أصل جزائري) وحده تاريخ الجزائر ووجهة نظرها في ذاكرة البلد.

بعد استقلال الجزائر عام 1962 بقي "حزب فرنسا"، وهو خليط من أصحاب المصالح والنفوذ والسياسة والثقافة والأمن، قويّاً داخل النسيج السياسي الحاكم في البلاد. ولطالما نُسبت بعض التحليلات "العشرية السوداء" الدموية في الجزائر (1991-2002) في التسعينيّات إلى ذلك الصراع العلني والمضمر من داخل وخارج النظام ضدّ "حزب فرنسا". وعلى الرغم من الخطاب الاشتراكي العروبي العالمثالثيّ الذي ضُخّ بكثافة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، بقيت البلاد منذ الاستقلال على علاقة حميمة سوريالية مع فرنسا، التي يحجّها المهاجرون ويقصدها الحاكمون.

شيء لافت أن تنفي باريس أن تكون أهداف زيارة ماكرون الجزائر لثلاثة أيّام متعلّقة بغاز الجزائر

تغيّر الزمن. لم تعُد فرنسا الدولة العظمى التي كانت عليها قبل عقود بالنسبة إلى الجزائريين. لم يعُد "حزب فرنسا" يحظى بالمساحة والنفوذ في الجزائر. ولم تعُد باريس وحدها صاحبة الإطلالة الأساسية في الاقتصاد والسياسة والثقافة في الجزائر. استنتجت باريس بسهولة أنّ التمدّد الأميركي الصيني الروسي الأوروبي في إفريقيا قد انساب برحابة داخل الجزائر. بات التنافس شرساً مستفيداً من أحقاد جزائرية-إفريقية تنامت ضدّ فرنسا ظهرت واجهاتها الشرسة في مالي إلى حدّ دفع باريس إلى سحب قوّاتها والتخلّي عن "عملية برخان" هناك.

 

ماكرون وتاريخ "المستقبل"

شيء لافت أن تنفي باريس أن تكون أهداف زيارة ماكرون الجزائر لثلاثة أيّام متعلّقة بغاز الجزائر. وكأنّ في النفي ما يؤكّد حاجة فرنسا إلى زيارة رئيسها لتدوير زوايا العلاقة مع الجزائر في عزّ أزمة الطاقة وقرار أوروبا الاستغناء عن تلك الواردة من روسيا. تمتلك الجزائر غازاً بديلاً يسيل له لعاب عواصم أوروبا التي تدقّ أبواب الجزائر. وعلى الرغم من محطّات الزيارة في مدينتَيْ الجزائر ووهران المشتغلة على الحوار مع الشباب وتطوير العلاقات الاقتصادية في كلّ القطاعات والمضيّ قدماً في معالجة شوائب الحاضر، فإنّ للغاز مكانةً وحيّزاً كبيرين في مباحثات ماكرون-تبون وما سيتداعى عنها.

وجد ماكرون في وهران ودّاً ومحبّةً من حشود شعبية قلّما يجدهما في فرنسا. لم يعد تقرير ستورا مرجعاً وحيداً للبلدين لقراءة تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر. أخذ الأمن حيّزاً واسعاً في لقاءات الزيارة لمناقشة قضايا عالقة تسمّم علاقات البلدين، فيما لم تُعلَن أيّ اتفاقات لافتة يحملها ماكرون إلى بلاده. تغيّرت الجزائر، إذ بات لها شركاء جدد في الاقتصاد ودور جيوسياسي تدركه باريس. وبات على فرنسا أن تتغيّر وتغيِّر رتابة مقارباتها المتقادمة، وأولاها مسألة الذاكرة.

إقرأ أيضاً: ماكرون.. تشومسكي.. كيسنجر: كيف ننقذ "القيصر"؟

اتّفق الرئيسان على تشكيل لجنة مشتركة من المؤرّخين سيصعب على ماكرون تسويقها في فرنسا. بمعنى آخر، ستولد يوماً ما نسخةٌ جديدة، غير تلك الجزائرية وتلك الفرنسية، وستدخل فيها التحديثات المتّسقة مع مصالح البلدين الراهنة. على هذا ستخرج المهمّة من إطارها العلمي فقط، وستأخذ جيّداً بعين الاعتبار حسابات السياسة وأجندات أصحاب الشأن. وعلى ذلك ستتطلّب المهمّة أن يُوفَّر للتاريخ مسوّغات الخضوع لقواعد الحاضر وإملاءاته بغضّ النظر عمّا يقوله المؤرّخون وما تخرج به شهادات ذلك الزمن.

 

*كاتب لبناني مقيم في لندن