ليبيا: رباعي العرب وتركيا.. يرث أوروبا وأميركا

ليبيا: رباعي العرب وتركيا.. يرث أوروبا وأميركا

د. سمير صالحة - الخميس 25 آب 2022

في ليبيا لم نعُد نتحدّث كثيراً اليوم عن ثقل وإمكانيّات مجموعات "فاغنر" الروسيّة وقدرتها على قلب المعادلات، ولا عن تشكيلة مجموعة "إيريني" الأوروبية بقيادة فرنسية لمواجهة التمدّد والانتشار التركيَّين أمام السواحل الليبية تحت ذريعة منع دخول السلاح إلى ليبيا، ولا عن الدخول اليوناني على خطّ الأزمة عبر اللاعبَيْن الفرنسي والإيطالي لقطع الطريق على التقارب بين أنقرة وطرابلس الذي تجسّد في وصول الأخيرين إلى عقد اتفاقية لترسيم الحدود البحرية أغضبت أثينا ودفعتها إلى محاولة بناء اصطفاف مواجه لأنقرة.

ربّما ما زلنا في منتصف الطريق، لكنّ القناعة الليبية الوطنية التي برزت في الأشهر الأخيرة، مصحوبة بتوافقات إقليمية تقول بالحياد الإيجابي، هي التي أزاحت خيار الحسم العسكري واستبدلته بدفع الأطراف المحليّة نحو طاولة الحوار وإلزامها بالبقاء حولها مع تحميلها مسؤوليّة عرقلة تنفيذ التفاهمات والاتفاقيات المعتمدة دستوريّاً وسياسيّاً وأمنيّاً.

تراجعت فرص اللاعب الأوروبي ما إن بدأ الحوار التركي مع كلّ من مصر والإمارات والسعودية في الأشهر الأخيرة، ولم يعد بيده من أوراق كثيرة يلعبها في ليبيا سوى الرهان على أن تعطيه الإدارة الأميركية الجديدة ما يريده

ربّما هذا هو الإنجاز الأكبر والأهمّ باتجاه تفعيل الهدنة واعتماد خيار التفاوض على الرغم من التصلّب والتعنّت اللذين لا يتجاوزان تسجيل بعض المواقف لانتزاع بعض التنازلات المحدودة.

اللافت اليوم هو تراجع الدور الأوروبي لصالح أطراف إقليمية قادرة على التأثير أكثر. اللاعبان العربي والتركي يمثّلان الفرصة الأهمّ، بعدما تراجع حلم العواصم الغربية بتنظيم مؤتمر ليبي جديد يعيد لباريس وروما وبرلين ما فقدته من بريق وثقل، في محاولة مستميتة لضبط حركة المرور في شمال إفريقيا وحشد واشنطن والأمم المتحدة من ورائها لمواجهة بروز سيناريو يتقدّم بهذا الاتجاه.

تراجعت فرص اللاعب الأوروبي ما إن بدأ الحوار التركي مع كلّ من مصر والإمارات والسعودية في الأشهر الأخيرة، ولم يعد بيده من أوراق كثيرة يلعبها في ليبيا سوى الرهان على أن تعطيه الإدارة الأميركية الجديدة ما يريده على الرغم من أنّ موقف البيت الأبيض يميل أكثر اليوم لصالح دعم التفاهمات التي يقودها الرباعيّ الجديد بشكل مباشر وغير مباشر. وعلى الرغم من وجود قناعة لدى هذه العواصم الأربع بتداخل الملفّات وارتباطها بقضايا إقليمية وحرب نفوذ تتجاوز شرق المتوسّط والشرق الأوسط إلى العمق الإفريقي وخطوط الطاقة والتجارة والاستثمار الاستراتيجي البعيد المدى.

رباعي شرقي بدل الخماسي الغربي

هناك طبعاً بعض الأصوات المحليّة الليبية التي تهدّد بين الحين والآخر بالعودة إلى لغة السلاح. وهناك فئات خرجت من المشهد السياسي تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض لكن هناك حقائق أخرى تقول إنّ التقارب التركي الخليجي وتمسُّك أنقرة بالتواصل مع القاهرة، كما أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أخيراً، والاتصالات واللقاءات التي بدأت تأخذ مساراً سياسياً جديداً في عملية التموضع الليبي الداخلي، وتحرُّك القيادات الوطنية في غرب وشرق ليبيا على خط "الرباعي" الجديد: القاهرة - أنقرة - أبو ظبي - الرياض، هي الفرصة الأهمّ والأقوى في صناعة خارطة طريق سياسية ودستورية تقرّب الطروحات ومسوّدات النقاش بعضها إلى بعض، وغير ذلك يعني إرجاء التسويات وتمديد عمر الخلافات وإبقاء الأمور فوق صفيح ساخن قابل للانفجار في كلّ لحظة.

نجحت جهود "الرباعي" حتّى الآن من خلال التنسيق مع الشخصيات الليبية البارزة في الحؤول دون رغبة البعض بالعودة إلى العنف المُهدِّد للانتقال السلمي وانتهاك وقف إطلاق النار

في مواجهة التكتّل الخماسي الغربي الفرنسي، الإيطالي، الألماني، البريطاني والأميركي، هناك تكتّل رباعي (القاهرة - أنقرة - أبو ظبي – الرياض) من هذا النوع بدأ يظهر إلى العلن يقبل به الشارع السياسي والحزبي الليبي أكثر بعد عقد على فشل الجهود الدولية والأممية لمعالجة الأزمة. خارطة الأولويّات ستشمل تسريع دعم خطط التسويات التي تمّ الاتفاق عليها، وفي مقدَّمها الانتقال السياسي بالسلطة وتسهيل تسليمها إلى أصحابها تمهيداً لاستكمال ما اتّفق عليه سياسياً ودستورياً وإخراج ليبيا من أزماتها.

نجحت جهود "الرباعي" حتّى الآن من خلال التنسيق مع الشخصيات الليبية البارزة في الحؤول دون رغبة البعض بالعودة إلى العنف المُهدِّد للانتقال السلمي وانتهاك وقف إطلاق النار. وتمكّنت من إنجاز توافقات عبر لقاءات مكّوكيّة بشكل ثنائي أو متعدّد الأطراف، تسهّل المضيّ في دعم المسار البديل وتوحيد السلطة والتمسّك بقرارات مجلس الأمن الدولي. وهي الخطوات العمليّة الممكنة اليوم التي ستساعد أكثر في إيصال الأمور إلى برّ الأمان من محاولات منصّات وآليّات سابقة، مستغلّة الأجواء الإقليمية وبروز قناعات جديدة مغايرة لِما أُعلن وقيل قبل سنوات.

نجحت العواصم الأربع المعنيّة في تحقيق هذا الاختراق بعدما أقنعت اللاعب المحلّي بأنّه سيكون الخاسر الأوّل في هذه الفترة الحرجة من تاريخ ليبيا، وألزمت "المحليين" بالاحتكام إلى الحوار والتفاهم وإلى المحكمة الدستورية لحلّ الخلافات السياسية، وقبول ما يصدر عنها من قرارات للمحافظة على اللحمة الوطنية ووحدة البلاد.

حكومة وطنية جامعة

على الرغم من الضبابيّة القائمة والتخوّف من فراغ سياسي والتلويح بالعودة إلى لغة السلاح، فإنّ خارطة الطريق الرباعية هي التي ستحسم الأمور، كما يبدو، لصالح إنجاز التفاهمات السياسية والحزبية وتأمين استكمال المراحل التمهيدية بإجراء الانتخابات التي يريدها أكثر من طرف، وتكليف حكومة وطنية جامعة ببسط سيطرتها في أنحاء ليبيا وإنهاء حلم البعض بتكوين آليّات موازية أو محاولة السيطرة على السلطة بالقوّة.

صحيح أنّ الحلول السياسية المطروحة لحلّ الأزمة لم تكتمل بعد، وأنّ النقاشات والمفاوضات لم تسفر عن انبعاث الدخان الأبيض، إلا أنّ خيار العودة إلى تأزيم الأمور هو المرفوض من قبل الدول الأربع اليوم. فالتوازنات القائمة في المنطقة وملفّات التصعيد الدولي وارتدادات ما قد يحصل وصعوبة لملمته بعد ذلك، هي التي ستحول دون إعطاء البعض ما يريده من توتّر وفرص لإشعال الجبهات من جديد.

الحراك السياسي الليبي الذي حصل في الأسابيع الأخيرة على مستوى الداخل والخارج هدفه صناعة مشهد سياسي توافقي جديد قبل أن يكون كسب المزيد من الدعم الإقليمي للتصلّب والتشدّد أكثر كما كانت الأمور تسير قبل أعوام. وما يجري لا يمكن فصله عن نتائج التقارب الحاصل بين أنقرة وهذه العواصم الإقليمية المؤثّرة في الملفّ الليبي، وعن التطوّرات الإقليمية والدولية المحيطة. يشمل التحوُّل في مواقف الرباعي الإقليمي اليوم انتهاج مقاربة مغايرة شاملة بعيدة عن التمسّك بدعم طرف ليبي على حساب طرف آخر، وهو أقرب إلى دعم تسهيل الاستقرار والتوافق السياسي بين أطراف النزاع وإقامة حوار بنّاء والجلوس إلى طاولة المحادثات بذهنيّة وإرادة مختلفتين تماماً هذه المرّة.

تطوّرات الأشهر الماضية أفرزت مساراً سياسياً داخلياً وخارجياً يُبعد خيارات التصعيد والحسم العسكري لصالح تفاهمات سياسية وحزبية وتقريب فرص الحلول والتسويات

نهاية محاولات الحسم العسكري

سعى كلّ طرف إقليمي مؤثّر في الملف الليبي مع اندلاع الأزمة قبل نحو 11 عاماً إلى بناء تحالفات مع لاعبين محليّين عوّل عليهم في منحه ما يريد من نفوذ وثقل عسكري وسياسي واقتصادي يُجلسه إلى طاولة الصفقات في التسويات الكبرى.

كان هناك محاولات للحسم العسكري على الجبهات، لكنّ التوازنات الإقليمية لم تسمح بأكثر من محاولات الكرّ والفرّ وتسجيل اختراقات محدودة لا تغيّر كثيراً في المشهد الأمني والسياسي الداخلي بقدر ما فتحت الطريق أمام إيصال البلاد إلى ما هي عليه اليوم من مشاكل وتناحرات قابلة للتصعيد في كلّ لحظة.

تقدَّم العديد من المؤتمرات وطاولات الحوار الدولية في طريق مسدود أيضاً ليس بسبب خلافات الليبيّين فيما بينهم، بل نتيجة تمسّك العديد من العواصم الفاعلة في ليبيا بمواقفها وأولويّاتها وهي تبحث عن دعم مصالح الليبيّين، أو مصالحها على حساب الليبيين. 

أفرزت تطوّرات الأشهر الماضية أفرزت مساراً سياسياً داخلياً وخارجياً يُبعد خيارات التصعيد والحسم العسكري لصالح تفاهمات سياسية وحزبية وتقريب فرص الحلول والتسويات. وغالبيّة القوى السياسية والحزبية الليبية بدأت تقبل خطورة ما يجري بعد عقد من التناحر، إلا أنّ أهمّ المؤشّرات الإيجابية التي تتقدّم اليوم هو نجاح القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثّرة في الملف في الابتعاد عن عقدة الفعل وردّة الفعل واستبدالها بآليّة تفاهم على تحرّك جديد حيال الأزمة فيها الكثير من الواقعية والبراغماتية والمرونة. وهو ما يفسّر تصاعد النشاط الدبلوماسي والمساعي الحثيثة التي بدأت تعطي ثمارها على الرغم من الترقّب الحذر وعدم المبالغة في التفاؤل.

إقرأ أيضاً: تقارب الأسد وأردوغان: ماذا عن المعارضة السورية؟

فتحت التطوّرات الأخيرة في ليبيا الأبواب أمام فرص ثمينة بعد انتقال السجال من الخنادق إلى غرف الاجتماعات، وانطلاق قناعات داخلية وخارجية جديدة إثر العودة المصرية القويّة على خطّ الأزمة مدعومةً من قبل العديد من العواصم العربية، وتراجع النفوذين الروسيّ والفرنسيّ بقرار ليبي وطني نقل الحوار إلى ساحات أخرى، وتبدّل واضح في سياسات أنقرة التي انفتحت على دول عربية، وتحديداً دول الخليج والقاهرة.