العالم ليس جاهزاً لحكاية "الهولوكست الفلسطيني"

العالم ليس جاهزاً لحكاية "الهولوكست الفلسطيني"

محمد قواص* - الأربعاء 24 آب 2022

نجح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في توضيح لبس ظهر في كلامه في مقارنة المجازر ضدّ الفلسطينيين بالهولوكوست ضدّ اليهود. إذ قال عباس خلال مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني في برلين: "إسرائيل ارتكبت منذ عام 1947 وحتى اليوم 50 مجزرة في 50 بلدة فلسطينية من دير ياسين لقبية للطنطورة وكفر قاسم وغيرها، 50 مذبحة، 50 هولوكوست وإلى الآن، كلّ يوم هناك قتلى على يد الجيش الإسرائيلي".

إذا ما برع الفلسطينيون في أدبيّاتهم السياسية في تحاشي التورّط في التشكيك في "البديهيّات" الدولية، فإنّ الانزلاق نحو استعادة سرديّة الهولوكوست، التي أحرجت المستشار الألماني أولاف شولتس فسارع هلعاً إلى المبالغة في رفضها واستنكارها، لا يحمل أيّ عنصر جديد داعم للفلسطينيين، لا بل يجرّ ماء كثيراً إلى طواحين إسرائيل التي ما فتئت تنهل من المحرقة اليهودية زاداً ووقوداً لا يبرّر فقط حاجتها إلى الاحتلال، بل يشرّع للعالم حتميّات الوجود الإسرائيلي بصفته غاية بحدّ ذاتها تبرّر أيّ وسيلة.

احتلال فلسطين جريمة مرفوضة أيّاً كان النقاش القديم الجديد حول وجود الهولوكوست من عدمه. ردّ فعل ألمانيا نزق رتيب مفرط وصل إلى حدود "التنمّر"، وفق بيان جامعة الدول العربية التي رفضت ردّة الفعل الألمانية. ما يتعرّض له الفلسطينيون يوميّاً هي عذابات حيّة لا تقوى على تحميلها وزر عذابات أجداد الجلّادين. لكنّ لهذا العالم حساباته وأجنداته ومصالحه التي يجب قراءة الدفاع عن فلسطين وفقها. تعرف العواصم مقاصد الرئيس الفلسطيني جيّداً، لكنّها غير جاهزة لتفهّم ما رمى إليه في برلين.

مشكلة فلسطين الكبرى، وعلى خلاف تجارب الاحتلالات الأخرى في التاريخ، تكمن في هويّة المحتلّ وخصوصيّته وحكايته والأساطير التي تدور حول وجوديّته

فاتورة دفعها الفلسطينيون

يذهب الأمر أكثر من ذلك. تعتبر السرديّة الرسمية العامّة أنّ المحرقة هي "أمّ العذابات" التي لا يمكن أن تقارَن بأيّ عذابات أخرى. بمعنى آخر، فإنّ كلّ الكوارث التي عرفتها شعوب الأرض، من احتلال وحروب وجرائم إنسانية ترقى إلى مستوى الإبادة من أرمينيا إلى رواندا مروراً بكوارث أخرى، لا يمكن أن تُقارن بالهولوكوست. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانية عقود على المحرقة، فإنّ مجردّ المسّ بمقدّسها أو اعتبارها "تفصيلاً" في التاريخ، كما وصفها جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرّف في فرنسا، هو رجس تكافحه القوانين وتتصدّى له منظومات الثقافة والإعلام والسياسة والأمن.

يعرف الفلسطينيون ذلك جيّداً. ولطالما كان خطابهم حذراً واعياً مفرِّقاً بين الصهيونية واليهودية، معترفاً من دون تحفّظ بوجوديّة الهولوكوست، مستنتجاً مآلاتها الموجعة. والموجع في مآلاتها هو ما دفعته فلسطين وحدها وما تكبّده الفلسطينيون وحدهم من أثمان بسبب تبرير العالم، منذ وعد بلفور، للاحتلال والاستيلاء على بلدهم والذهاب بعيداً في الاعتقال والقتل وارتكاب المجازر تحت أعين المجتمع الدولي راعي الرواية حول الهولوكوست. وحين يزور الرئيس الفلسطيني برلين دفاعاً عن فلسطينه يُسأل هناك: وماذا عن "ميونيخ"؟

أن يجري نقاش أمر الرواية الفلسطينية في فضاءات فلسطين ومن على منابرها بالنهل من الذاكرة القديمة والحديثة فذلك تمرين شرعيّ مقاوم. لكنّ التمرين يحتاج إلى عُدّة أخرى للدفاع عن حاضر ومستقبل فلسطين لدى الحاضرات الكبرى ومن على منابرها. وقرار التخاطب مع العالم، وهو قرار فلسطيني عتيق، على الأقلّ منذ أن اعتلى ياسر عرفات منبر الأمم المتحدة في تشرين الثاني من عام 1974، يُفترض أن يأخذ بعين الاعتبار والحرص والدقّة، المفرداتِ والصيغَ الواجب استخدامها للدفاع عن قضيّة فلسطين.

يجب ألا نغفل هنا أنّ القوانين الدولية تُجرِّم أيّ جهد بحثي أكاديمي لـ "مراجعة" الرواية النهائية لـ "الهولوكوست" في واجهاتها وإحصاءاتها وأدلّتها. السبب هو الدفاع عن المبرّر الشرعي لقيام تحالف عابر للحدود والجغرافيا والثقافات انتهى عام 1945 إلى هزيمة إمبراطورية أدولف هتلر وما كانت ستحمله من أخطار على الكرة الأرضيّة. ويهدف استخدام الدفوع القانونية أيضاً إلى منع إنعاش الفكر النازيّ وإعادة الاعتبار له من خلال نفي حكاية المحرقة وتبرئة المتورّطين بها.

 

التجربة الفلسطينية

جرّب الفلسطينيون نماذج متعدّدة لمقاومة الاحتلال في بلادهم. استلهموا تجاربهم من تجارب كثيرة في التاريخ، سواء من خلال الإضراب والتظاهر والعصيان، أو من خلال الاعتصامات والتجمّعات الشعبية، وصولاً إلى تجارب الحرب الشعبيّة والكفاح المسلّح. تجادلوا في ما هو أصحّ وأنجع، واختلفوا حول تقييم الأولويّات، واجتهدوا في إنتاج أدبيّاتهم في سبل تحرير بلادهم. انتهوا جميعاً إلى مخاطبة المجتمع الدولي، ولو بإيقاعات ومستويات متفاوتة.

احتلال فلسطين جريمة مرفوضة أيّاً كان النقاش القديم الجديد حول وجود الهولوكوست من عدمه

مشكلة فلسطين الكبرى، وعلى خلاف تجارب الاحتلالات الأخرى في التاريخ، تكمن في هويّة المحتلّ وخصوصيّته وحكايته والأساطير التي تدور حول وجوديّته. والواضح أنّ المقاومات ضدّ المحتلّ البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي أو السوفياتي، إلخ.. كانت، على قسوتها، بسيطة المفردات واضحة الوجهات، فيما حظي الاحتلال الإسرائيلي بتفهّم ورعاية دوليَّين وفق ديباجات فصاميّة من قبل معسكرات الشرق والغرب على السواء.

بالمقابل فإنّ القضية الفلسطينية نفسها، وعلى خلاف قضايا الاحتلالات في العالم أو مسائل الشعوب الباحثة عن استقلالها وكينوناتها الخاصّة في التاريخ الحديث، حظيت بإيقاع لافت من الاهتمام والجدل والبحث والسجال منذ قيام دولة إسرائيل، على نحو لم تحظَ به قضايا كبرى. وإذا ما بقي الدعم الدولي ملتبساً خجولاً مربكاً للفلسطينيّين، حتى من قبل بلدان مثل الصين وروسيا ودول العالم الثالث، وواضحاً حاسماً حاضناً في دعم إسرائيل والدفاع عن "أمنها"، فذلك يعود أيضاً إلى طبيعة هذا المحتلّ وهويّته.

إقرأ أيضاً: الانتخابات: الحلقة المفقودة في السلسلة الفلسطينيّة

قام عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية على أنقاض اندثار النازيّة في ألمانيا. دعّم المنتصرون شرعيّاتهم على جثث أيديولوجيّات عنصرية متطرّفة وجدت في الفاشية والنازية ميادين اشتغال لإثبات تفوّهم الأخلاقي وأسطورة انتصار الخير على الشرّ. حتى روسيا الحاليّة سوّقت حملتها ضدّ أوكرانيا تحت مسوّغ الحقّ الأخلاقي في القضاء على نازيّة جديدة مزعومة هناك. وإذا ما تطوّرت سرديّة المحرقة اليهودية إلى اعتبارها حقيقة كاملة ويقين مطلق، فذلك لأنّها مادّة نظام دولي لم تنقسم بشأنها المعسكرات الدولية حتى في عزّ الحرب الباردة وتطاحن الأفكار والأيديولوجيّات.

 

* كاتب لبناني مقيم في لندن