"المقاومات" ومدنها الكئيبة

"المقاومات" ومدنها الكئيبة

فاروق يوسف* - الإثنين 22 آب 2022

قبل ثلاث سنوات دُعيت من قبل منظّمة "مجاهدي خلق" الإيرانية إلى زيارة تيرانا من أجل حضور مؤتمرها السنوي.

كان المؤتمر مملّاً كالعادة، فهو عبارة عن خطابات استغرقت أكثر من عشر ساعات من غير توقف. كان ذلك أكبر من طاقتي على التحمّل، غير أنّه كانت هناك زيارة قصيرة لمدينة "أشرف" التي يقيم فيها المجاهدون، وهي خلاصة ما رأيته في تيرانا.

كان رجال المقاومة الإيرانية يعيشون داخل قفص في واحدة من ضواحي تيرانا. يومها لم أرَ سوى النساء. نساء هنّ الأكثر كآبة في العالم. يرتدين زيّاً موحّداً يُذكِّر بالأزياء القتالية الرجالية مع غطاء على الرأس. ولكنّ التجهّم هو ما أثار انتباهي. كان هناك بؤس كثير. حينها تأكّد لي أنّ تنظيماً دينيّاً لا يمكن إلّا أن يكون كئيباً. السعادة ليست هنا.

أعادتني تلك الزيارة إلى ذكرى لقائي الأول بلقمان سليم في حارة حريك. يومها زرت الضاحية الجنوبية للمرّة الأولى. كان الحزن هو الانطباع الأوّل. لافتات سوداء ومبانٍ رثّة وشوارع يشعر المرء وهو يجتازها أنّه مراقب.

المقاومون خائفون وأياديهم على الزناد. ماذا عن حقّ الآخرين في العيش؟ ولكن ليس هناك آخرون من وجهة نظر المقاومين والمجاهدين. يتناقض تنظيم "مجاهدي خلق" وحزب الله في الهدف. الأوّل يريد إسقاط النظام الإيراني، والثاني يضع مقاتليه في خدمة إطالة عمر ذلك النظام. لكنّهما يتشابهان في كلّ شيء آخر. الحياة الكئيبة المنذورة للموت والنساء المتجهّمات باعتبارهنّ أرامل جاهزات.

الظاهر أنّ المقاومين الذين يعرفون أنّهم يقفون خارج التاريخ البشري لم تعُد تخيفهم سوى لغة القوّة، ولذلك قرّروا أن يقيموا مدناً للقبح يقيم فيها رهائنهم

ولكنّ فكرة الكفاح المسلّح التي تُبنى عليها العمارة الإنسانية في كلتا التجربتين تبدو الآن مضحكة وليس في الإمكان التفاعل معها إيجابياً بحيث يمكن النظر إلى نساء مدينة أشرف المسيّجة بالأسلاك الشائكة في ضواحي تيرانا كما لو أنّهن استعادة للألوية الحمراء أو بادر مايتهوف، وذلك ما يمكن قوله عن مقاتلي حزب الله الذين احتلّوا بيروت عام 2008 بعد هزيمتهم التي دمّرت جزءاً عظيماً من البنية التحتية للمدينة عام 2006. ما رأيته بعيداً عن إيران رأيته في قلب بيروت. ما يزال المشهد ممكناً حتى اليوم. فالقناعة لا علاقة لها بالواقع، بل بما تفكّر فيه المنظّمات (الثورية) في ما يتعلّق بجدوى وجودها وتجميل ما فعلته بالبشر الذين صاروا رهائنها.

وإذا ما أضفنا النموذج الرثّ الذي تقدّمه حركة حماس من خلال غزّة، فإنّنا سنرى المدينة البائسة التي كلّما أُعيد إعمار جزء ممّا خرّبته الحرب السابقة فيها تشتعل نيران حرب جديدة في سياق الكفاح المسلّح الذي نذرت حماس له أهل غزّة الذين لن يُكتب لهم العيش كما البشر العاديّين. تقع غزّة خلف سياج غير مرئي تعاونت إسرائيل ومقاوموها على إقامته، وقد باتت مدينة للتعاسة العالمية التي لن يصدّق أحد أنّها ستكون مدينة صالحة للعيش يوماً ما. فالمقاومة كما تعرضها حماس هي بضاعة منتهية الصلاحية. وهو ما يصلح قوله على "مجاهدي خلق" وحزب الله أيضاً.

المشكلة في تلك التنظيمات المسلّحة أنّها تضخّمت بشريّاً على النقيض من الحقيقة، وفي ذلك يكمن سرّ عدائها للتاريخ الذي عادةً ما يميل إلى حقّ البشر في حياة كريمة. من المؤكّد أنّ هناك من يشعر أنّ حياته صارت تُهدر عبثاً، وأنّ التنظيمات المسلّحة صارت تعرض تلك الحياة في مزاد عالمي من أجل أن تزيد من أرباحها، غير أنّه لن يمسك بالخيط الذي يوصله إلى الحريّة إلّا إذا غادر مدينته متمرّداً على الكذبة التي دمّرت الجزء الأكبر من حياته وجعلته يرى العالم قبيحاً.

إقرأ أيضاً: بغداد اختفت.. فلا تبحث عن مجانينها

لماذا يكره المقاومون الجمال في حين أنّ الجمال هو نوع من مقاومة الواقع؟ لأنّ تلك المقاومة دينية فهي تتشدّق بقيم، ميزانها الوحيد حياة ما بعد الموت. لذلك لا تكترث بحياة البشر الذين هم حطب لنيران حروبها. والظاهر أنّ المقاومين الذين يعرفون أنّهم يقفون خارج التاريخ البشري لم تعُد تخيفهم سوى لغة القوّة، ولذلك قرّروا أن يقيموا مدناً للقبح يقيم فيها رهائنهم. كانت حربهم على الجمال مقصودة من أجل أن لا يتيحوا فرصة تعرّف رهائنهم على الحياة في الدنيا. لقد هالني فعلاً أن يكون تنظيم "مجاهدي خلق" تنظيماً دينياً متشدّداً. ما معنى هذه المقاومة؟ لن تكون الضاحية الجنوبية بكلّ قبحها أساساً لبناء لبنان جديد، ولن تعطي غزّة صورة مشرقة عن فلسطين إذا ما انبعثت دولتها من الغيب بعدما صارت المقاومة مرضاً يبشّر بالقبح.