السيّد "فَصَلَ فيينا عن الترسيم"... إيران لم تفصل

السيّد "فَصَلَ فيينا عن الترسيم"... إيران لم تفصل

فلاح الحسن - الأحد 21 آب 2022

قد يكون الأمين العامّ لحزب الله السيّد حسن نصر الله صادقاً في ما قاله في خطابه الأخير عن الفصل بين ملفّ مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، ومفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة "4+1".

لكن كيف يستقيم هذا الصدق، مع إصرار قيادة الحرس الثوري الإيراني والنظام الإيراني على تأكيد البعد الإيراني في استراتيجيات حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية؟

الأمين العام لحزب الله صادق في "الفصل" بدافع من سعيه إلى تكريس دوره في الداخل اللبناني، وتثبيت مواقعه داخل المعادلة السياسية، من دون أن نغفل توزيع الأدوار بين الحزب في لبنان وقوات الحرس الثوري في إيران، بالتعامل مع الملفّات والتحدّيات الإسرائيلية.

لنا أن نستحضر هنا كلام قائد قوات الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي، الذي قال أمس بالحرف: "حزب الله" يمكنه إدارة معركة بريّة كاملة وتحقيق النصر فيها، والضفة الغربية تتسلّح حالياً".

حرب الغاز أو تلويح حزب الله بالتصعيد الذي قد يوصل إليها، قد ينتهي إلى إجبار تل أبيب على التريّث أو تعليق عمليات الاستخراج وضخّ ما تنتجه من غاز في الأسواق العالمية

الجديد في كلامه حديثه عن "مئات آلاف الصواريخ تصطفّ مقابل الكيان الصهيوني، وهؤلاء في مقدورهم أن يوجّهوا الضربات من الغرب، أي من قطاع غزّة، ويقدر حزب الله أن يوجّه ضرباته أيضاً من الشّمال لتشمل نقاط الكيان الصهيوني كلها، ويحدث التقاء للنيران لا يحدّه حدّ معيّن".

 

"التقاء النيران" الإيرانية

"التقاء النيران" هذا، والحديث عن "إدارة معركة بريّة"، يتعارض مع كلام نصر الله عن "فصل الملفات". فربط صواريخ غزّة بصواريخ الحزب في لبنان، تحت إمرة الحرس الثوري، هو النقيض الكامل لنظرية "فصل" ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عن مفاوضات فيينا.

يصبّ هذا في إطار الرسائل المتبادلة بين طهران وتل أبيب في ما يتعلّق بالمعادلات الإقليمية قيد الدرس وفي محاولات تعديل قواعد الإشتباك "الشغّالة" منذ سنوات بين الطرفين. وهو يؤكّد استعداد طهران وحلفائها للذهاب إلى خيارات عسكرية مفتوحة في حال قامت إسرائيل بتوجيه أيّ ضربة لإيران ومنشآتها أو سعت إلى عرقلة الاتفاق النووي وجهود تطبيع علاقة طهران مع المجتمع الدولي وترتيب دورها ونفوذها في الإقليم.

من هنا فإنّ الجزم بصدق قول الأمين العام للحزب إنّ أزمة ترسيم الحدود البحرية لا علاقة لها بما يجري من تطوّرات على مسار الاتفاق النووي والتوقيع عليه من عدمه، لا يلغي أنّ المستفيد الأكبر، إلى جانب لبنان، من التصعيد الذي يمارسه الحزب بوجه إسرائيل في البحر وحقول الغاز، ليس سوى الطرف الإيراني.

خطوط إيران اللبنانية

تخضع العلاقة الإيرانية بالملفّ اللبناني لعدّة مستويات من التعامل والتعاطي، لكن خطوطها العريضة حالياً هي التالية: 

1- من ناحية ترى طهران أنّ أزمة الترسيم شأن لبناني يرتبط بموازين القوى والمعادلات الداخلية بين الأفرقاء اللبنانيين، فضلاً عن كونها تعبّر عن مستوى من مستويات الصراع بين الحزب وإسرائيل في معركة الوجود والنفوذ وحرب الإرادات. وبالتالي يمتلك الحزب هامشاً واسعاً للمناورة في هذا المسار، حتى لو أدّى ذلك للذهاب إلى "أيّام قتالية" يمكن التحكّم بنقطة بدايتها ونقطة نهايتها، على أن يبقى الحليف اللبناني محكوماً بسقف المصلحة الإقليمية التي تحدّدها طهران، بحيث لا تؤدّي أيّ معركة أو حرب إلى تغيير جذري في المعادلات الإقليمية، أو تؤثّر سلباً على موقع إيران فيها.

2- حرب الغاز أو تلويح حزب الله بالتصعيد الذي قد يوصل إليها، قد ينتهي إلى إجبار تل أبيب على التريّث أو تعليق عمليات الاستخراج وضخّ ما تنتجه من غاز في الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية التي باتت ترتجف من البرد تحسّباً لنقص في الإمدادات قبل دخول فصل الشتاء. ليس من الصعب أن تجد هذه الحرب مدخلاً لتكون جزءاً من المعركة الإيرانية – الأميركية، والتوقيتات المرتبطة بآليّات إعادة تفعيل الاتفاق النووي. خاصّة إذا ما صحّت التسريبات عن الشروط والمطالب الإيرانية في هذا السياق، والتي تتحدّث في بند منها عن مطلب إيراني ببيع نحو 50 مليون برميل من النفط في الأشهر الأربعة الأولى من إعادة التفعيل، في حين أنّ الطرفين أغفلا في هذه البنود عن عمد الجانب المتعلّق بتصدير الغاز الإيراني وما يمكن أن يقدّمه من مساعدة في حلّ الحاجة الأوروبية.

3- وانطلاقاً من الحاجة الأوروبية، وما يمكن أن تضخّه إيران من غاز عبر ناقلاتها أو باستخدام الأنبوب الواصل إلى تركيا والذي يزوّد هذه الأخيرة بحاجاتها من هذه المادّة، وسهولة رفع الكميّات التي ينقلها هذا الأنبوب لتفوق الحاجة التركية وتحويلها باتجاه أوروبا، فإنّ تعطيل الطموحات الإسرائيلية إلى أن تكون المصدر الذي يلبّي هذه الحاجات قبل دخول الشتاء وعودة البرد، يخدم المصلحة الإيرانية.

4- على المستوى نفسه يتمسّك حزب الله بتزامن استخراج النفط الإسرائيلي مع بدء عمليات التنقيب في الجهة اللبنانية من الحدود البحرية بعد ترسيمها، لأنّ دخول الغاز الإسرائيلي السوق الأوروبية قد يؤثّر، وسيؤثّر، سلباً على قدرة إيران على استغلال هذه الحاجة وأن تكون أحد المصادر الأساسية لتعويض الغاز الروسي في هذه الأسواق.

إقرأ أيضاً: إيران فكّكت القرار 1701... ومعه فكّكت لبنان

5- إلى جانب ما يشكّله الدخول الإسرائيلي إلى أسواق الغاز، فإنّ مخاوف إيران ممّا قد تقوم به تركيا في إعاقة الطموحات الإيرانية لا تقلّ حماوةً. خاصّة بعد قرار تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب. وقد يكون السبب في تسريعه ما تتعرّض له تركيا من ضغوط على الساحة السورية، سواء في دفعها إلى تعليق عمليّتها العسكرية في الشمال السوري، أو في الحديث عن حوار سياسي بدأته مع دمشق والرئيس السوري بشار الأسد. فضلاً عمّا يمكن أن تقوم به من دور في تفكيك ما تبقّى من تشكيلات لفصائل المعارضة السورية، خاصة في محافظة إدلب، مقابل تعديل في مضمون اتفاق أضنة الموقَّع بين دمشق وأنقره عام 1998، والحصول على ضمانات ترتبط بالتشكيلات العسكرية الكردية.