الانتخابات: الحلقة المفقودة في السلسلة الفلسطينيّة

الانتخابات: الحلقة المفقودة في السلسلة الفلسطينيّة

نبيل عمرو - السبت 20 آب 2022

كلّ الذي يُعمل فلسطينيّاً في مجال العلاقة مع أميركا والعلاقات مع أوروبا، وحتى مع إسرائيل، كلّ ذلك على أهميّته وضرورته في إبقاء القضية الفلسطينية قيد التداول، إلا أنّه يظلّ كبناء على رمال إن لم يُعزّز بوحدة داخلية فلسطينية تخاطب العالم بلغة واحدة وتجمع شتات الفلسطينيّين في مؤسّسة وطنية واحدة.

الأزمة الداخلية الفلسطينية التي تجسّد مفاعلاً نشطاً لإنتاج أزمات من كلّ نوع، ما تزال متروكة لتفاعلاتها التلقائية من دون أيّ محاولة لمعالجتها. والمحيِّر في الأمر أنّ المقوّمات الفعليّة للمعالجة متوافرة، إلا أنّها مهملة تماماً بفعل الاقتتال الشرس على النفوذ والاستحواذ، وكأنّ اللاعبين على الساحة الداخلية ارتضوا لأنفسهم ما تحت أيديهم من سلطات وامتيازات تبدو أمام التغوّل الإسرائيلي أقلّ من فتات مائدة لا تسمن ولا تغني من جوع.

كان الفلسطينيون في أيار من العام الماضي قد وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح للخروج من المأزق، حين أجمع الكلّ على إجراء الانتخابات العامّة للمجلس التشريعي

غابت عن النقاش، وبالتأكيد هي غائبة عن الاهتمام على أيّ مستوى، حكاية المصالحة التي استهلكت من حياة الفلسطينيين سنوات طويلة وبدّدت ما جمعوه من إنجازات على مدى رحلتهم الطويلة. هذه المصالحة تتنقّل من فشل إلى آخر حتى يئس المتدخّلون ورفعوا أيديهم بعدما أعيتهم المحاولات، وأنهكهم الوقوف على رمال الفصائل الفلسطينية المتحرّكة، حتى الجزائر استغرقت أكثر من سنة وهي تحاول الإمساك بأوّل الخيط من دون جدوى.

غياب المصالحة أو الوحدة الوطنية بحدودها الدنيا يعني تلقائياً أن يحلّ محلّها حضور دائم للأزمات التي تجعل التقدّم نحو الأهداف أمراً مستحيلاً، إلّا إذا اعتبرنا ما نحن فيه انتصارات ما بعدها انتصارات، ذلك أنّ للمتصارعين على الحلبة الداخلية مقاييس خاصّة بهم للانتصارات والهزائم، فما داموا هم من يقرّرون فكلّ ما يجري انتصار لهم وهزيمة لخصمهم، وفي السجال الداخلي لا ذكر لإسرائيل في النقاش.

تجربة منظمة التحرير

المخارج المضمونة من هذه الأزمة الدائمة واضحة، بل وفي متناول اليد إذا ما أُريد حقّاً اعتمادها والإفادة منها، والأمر ليس خياليّاً ولا افتراضيّاً ولا اكتشافاً جديداً. ولتوضيح الفكرة لا بدّ من العودة إلى الوراء، وتحديداً إلى ذلك الزمن الذي صمدت فيه الوحدة الوطنية الفلسطينية على الرغم من وجود الحالة في المنفى، وعلى الرغم من تضافر قوىً فعّالة للنيل منها، بل وتقاسم مكوّناتها، وعلى الرغم من العديد من الانشقاقات من كلّ لون. إذ كانت غالباً إمّا أن يُقضى عليها وهي في مهدها أو تأخذ شوطاً طويلاً لتصبح من الماضي، لكن صمدت بفعل حقيقة سياسية نتذكّرها بشوق في هذا الزمن وهي وجود منظمة التحرير بنظامها السياسي القويّ والمتين والمتماسك.

ذلك النظام الذي احتوى ولاء الشعب الفلسطيني كلّه أينما وجد، وخاصة في المناطق المحتلّة. ومَن منّا ينسى كيف قهر هذا النظام محاولات إسرائيل لشقّه والقضاء عليه حين اخترعت هياكل بديلة مثل روابط القرى البائدة، وحين قدّرت أنّ السماح بإجراء الانتخابات المحلّية قد يُضعف من نفوذ المنظمة لدى قاعدتها الأساسية، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، وإذا بالفلسطينيين يثبتون بإجماع منقطع النظير أنّ المجالس المحليّة أضحت امتداداً للمنظمة وقاعدة سياسية يقف عليها هرمها المتين؟!

حين عاد القوم على أجنحة اتفاق أوسلو الملتبسة إلى الوطن وانتقل الزخم القيادي من المنفى إلى الداخل، كان الخطأ الأوّل والأساسي هو عدم المواءمة بين النظام الذي كان قوياً وعنوانه منظّمة التحرير والنظام المستجدّ الذي حمل عنوان السلطة الوطنية. كانت الانتخابات العامّة مستحيلة خلال زمن المنفى وصارت ممكنة خلال زمن العودة الجزئية إلى الوطن، إلا أنّ سوء الإدارة والغرق في مهامّ السلطة وأزماتها ومتطلّباتها وقيودها أبعد فكرة المواءمة القائمة على أخذ مزايا القديم والإفادة منها في دعم الجديد، فضاعت المنظمة وفقدت السلطة ظهيرها الأقوى الذي اعترف العالم به ممثّلاً لكلّ الفلسطينيين أينما وجدوا، ولم تكن السلطة في هذه المعادلة إلا جزءاً من مكوّناتها وليست كما تكرّس بفعل الخطأ المتمادي بديلاً عمليّاً عنها.

الإيجابيّ حتى الآن أنّ الفرصة لم تفُت بعد على تدارك الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الطبقة السياسية الفلسطينية. وللحقّ كان الفلسطينيون في أيار من العام الماضي قد وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح للخروج من المأزق، حين أجمع الكلّ على إجراء الانتخابات العامّة للمجلس التشريعي ثمّ للرئاسة ثمّ للمجلس الوطني حيثما أمكن.

إقرأ أيضاً: الفلسطينيون في "طنجرة الضغط" الإسرائيلية

أُلغيت الانتخابات العامّة واستُبدلت بانتخابات محليّة فتكرّر الخطأ للمرّة الثانية وفي وقت وظرف أدقّ وأخطر.

الحلقة المفقودة في السلسلة الفلسطينية هي هذه، وإن لم يجرِ تداركها بذات الصيغة التي تمّ التوصل إليها في العام الماضي "أي الاننتخابات" فستظلّ السلسلة مقطوعة، وسيظلّ الإناء المثقوب يهرِّب إنجازات الماضي ويمنع جمع أيّ شيء للحاضر والمستقبل، فهل يثوب القوم إلى رشدهم؟ أم يظلّ الإهمال والتغاضي سيّد الموقف لتظلّ السلسلة مقطوعة وبلا جدوى؟