تقارب الأسد وأردوغان: ماذا عن المعارضة السورية؟

تقارب الأسد وأردوغان: ماذا عن المعارضة السورية؟

د. سمير صالحة - الخميس 18 آب 2022

ارتفعت الحواجب في الهواء بعد التصريحات والمواقف التركية السريعة والمتلاحقة المتّصلة باحتمالات التحوُّل في مواقف أنقرة السياسية من الملف السوري، وإزاء سيناريوهات اقتراب موعد التطبيع التركي مع النظام في دمشق.

ليس مستغرباً أن تقرّر القيادة السياسية التركية الانفتاح على النظام في دمشق لأكثر من سبب داخلي وإقليمي، بل المستغرب هو سرعة الخطوات باتّجاه صناعة مشهد سياسي تركي جديد في التعامل مع الملفّ السوري.

فقد كرّر وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو مرّة أخرى، وخلال أقلّ من أسبوع، أنّ الحلّ الدائم في سوريا ينبغي أن يكون  حلّاً سياسياً، وأنّ قوى المعارضة السورية بحاجة إلى التفاهم على حلّ وسط مع النظام في دمشق.

من ناحيته، أعلن نائب رئيس "حزب العدالة والتنمية"، حياتي يازجي، أنّ من الممكن فتح قناة تواصل مع نظام الأسد، وأن يتقدّم الحوار والعلاقات الثنائية بين أنقرة ودمشق بشكل مباشر. وردّاً على سؤال: هل يمكن أن يكون هناك لقاء على مستوى القيادات العليا في البلدين؟ قال يازجي إنّه "ليس في وضع يسمح له بالقول إنّ هذا لن يحدث أبداً، فهذا الشيء يبدأ من مكان ما ويمكن أن يرتفع المستوى كما آمل".

ذهبت التطوّرات في تركيا أبعد من ذلك، فهناك استعدادات ليتوجّه وفد برئاسة رئيس حزب "الوطن" دوغو برينشاك اليساري القديم، الداعم للحزب الحاكم في سياساته من خارج "ائتلاف الجمهور"، والداعي إلى تغيير سياسة الحكم اتّجاه سوريا منذ سنوات، إلى العاصمة السورية دمشق والاجتماع ببشار الأسد وسط حديث عن رسائل تهدئة قد ينقلها.

ستجد أنقرة حتماً صعوبة بالغة في لعب دور الوسيط بين قوى المعارضة والنظام حتى لو اكتمل التطبيع التركي مع دمشق

في هذه الأثناء ووسط لغة الانفتاح التركي السوري تعرّض المسار الجديد لامتحانه الأوّل حين توتّرت الأوضاع الأمنيّة على الحدود بين البلدين بشكل مفاجىء وسقط العديد من القتلى والجرحى في صفوف القوات التركية التي سارعت إلى الردّ وقصف مصادر النيران، كما أعلنت، "الأمر الذي أسفر عن تحييد 13 إرهابيّاً، والعمليّة مستمرّة"، حسب بيان وزارة الدفاع التركية. قالت دمشق إنّ بين القتلى جنوداً سوريّين، فيما قالت أنقرة إنّها استهدفت عناصر "قسد". واكب هذا التصعيد  الكثيرُ من الشبهات في ما جرى ومَن كان يتحصّن في الموقع المستهدف؟ وهل كان مركزاً عسكرياً مشتركاً بين قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية؟ ومن هي الجهة المستفيدة من توتير العلاقات بين أنقرة ودمشق وتفجيرها قبل أن تبدأ؟

 

ما هي أسباب أردوغان؟

هل ما نناقشه اليوم من أسباب الاندفاعة التركية الجديدة نحو دمشق يتعلّق بنتائج قمّة طهران الثلاثية التركية الروسية الإيرانية في 19 تموز المنصرم، أم بنتائج قمّة سوتشي الثنائية التركية الروسية في 5 آب الماضي؟ ولماذا يعرّض حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا علاقته بأكثر من لاعب محلّي وإقليمي للخطر وهو ذاهب إلى انتخابات مصيرية بعد عام من خلال الإعلان السريع والمفاجىء عن استعداده لمراجعة سياسته السورية وعلاقته بنظام بشار الأسد؟

يقول وزير الخارجية شاووش أوغلو إنّ أنقرة لن تتخلّى عن حلفائها في المعارضة السورية مهما كانت التطوّرات، لكنّ قوى المعارضة والشارع السوري في المناطق المحرّرة متمسّكان برفض ما يدور، خصوصاً الشقّ المتعلّق بتحوُّل تركيا من حليف إلى وسيط في ملفّ الأزمة السورية. تريد أنقرة أن تكون وسيطاً وعلى مسافة واحدة من الجانبين في النزاع السوري بعد 11 عاماً من الانحياز الكامل إلى الفصائل المعارضة ودعمها وتمويلها، وعليها أن تنجح في إقناع هذا الحليف بلعب مثل هذا الدور قبل أن تقنع النظام في دمشق بالجلوس إلى طاولة غريبة عجيبة من هذا النوع.

ستجد أنقرة حتماً صعوبة بالغة في لعب دور الوسيط بين قوى المعارضة والنظام حتى لو اكتمل التطبيع التركي مع دمشق، وحتى لو قرّرت قيادات "العدالة" التخلّي عن دور الحليف والداعم لأهمّ جناح في المعارضة السورية موجود فوق أراضيها أو تحت رعايتها في شمال سوريا.

قد يقبل النظام في دمشق بحياديّة أنقرة من أجل محاولة تحييدها وإضعاف دورها لصالح موسكو وطهران، لكنّ قوى المعارضة لن تقبل بالعروض والنصائح التركية المقدَّمة إذا لم تواكبها ضمانات كافية تتعلّق بخارطة طريق واضحة ومحدّدة ومتّفق عليها تقود نحو مرحلة انتقالية سياسية ودستورية في سوريا. وقد تقلق قيادات "العدالة والتنمية" بسبب الانتقادات التي تُوجَّه إليها من هنا وهناك نتيجة التحوّل المحتمل في سياستها السورية، لكنّ الذي يقلقها أيضاً هو موقف الداخل وارتدادات هذه السياسة الجديدة على الناخب التركي وإمكان أن يبدّل مواقفه وقراراته المنتقدة لسياسة الحكم السورية، خصوصاً أنّ غالبيّة استطلاعات الرأي ما تزال ترجّح تقدُّم تكتّل المعارضة وفوزه في أيّ انتخابات تجري في هذه الآونة.

خطوط الطاقة مع روسيا

من الممكن أن يكون لقاء القمّة التركي الروسي الأخير في سوتشي قد ناقش مسائل حسم الوضع في شمال سوريا بشقّيْه الشرقي والغربي، وإنهاء ملفّ "داعش" الذي تتمسّك مجموعات "قسد" بضرورة إنهائه، وتفعيل خطّة المرحلة الانتقالية السياسية في سوريا. لكنّ ما تفاهم إردوغان وبوتين عليه هو قضايا إقليمية أوسع وأهمّ، بينها دور البلدين في رسم خرائط نقل الطاقة من شرق المتوسط إلى أوروبا ومعالم طرق التجارة ومشاريع الاستثمار الإقليمي في العقد المقبل في ضوء انطلاق عمليات استخراج الغاز والتسويق له ونقله إلى خارج المنطقة. هذا إلى جانب احتمال قبول موسكو بالعودة إلى طاولة الحوار الدبلوماسي في ملفّ الأزمة الأوكرانية التي تتوسّع رقعة الوساطة فيها من تركيّة إلى شراكة تركيّة أمميّة، كما كان متوقّعاً.

التحوُّل في سياسة تركيا السورية هو استراتيجي لا تكتيكي، وبعيد عن معادلة أيّهما يسبق: التطبيع بين أنقرة ودمشق؟ أم المصالحة بين النظام وقوى المعارضة السورية؟ لن تضغط قيادات "العدالة والتنمية" على حليفها السوري لتغيير مواقفه وثوابته، ولن تهرول نحو دمشق بهذه السرعة. هي رسائل تركيّة إلى الطرفين وحسب، وتعني موسكو وواشنطن وعواصم عربية تنتظر هذا التحوّل في سياسة تركيا السورية الهادفة إلى بناء سياسة إقليمية جديدة تعزّز فرصها الاقتصادية والاستثمارية في الإقليم، وإقناع الناخب التركي بأهميّة ما يجري لتغيير أرقام ونسب استطلاعات الرأي التي تريد حبس حزب العدالة في "خانة اليك" حتى حزيران المقبل.

إذن تبقى الحلحلة التركية الروسية في ملفّ الأزمة السورية جزئيّة ضمن حوار ثنائي أوسع متعدّد الجوانب والأهداف، والاحتمال الأقرب هو أنّ ما يجري يتمّ في إطار رسم خارطة طريق إقليمية تركية روسية جديدة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة البلدين في ملفّات استراتيجية اقتصادية وسياسية وأمنيّة وحركة التموضع الجديد التي لا بدّ منها.

 

خسارة إيران

تراجع مخطّط الربيع العربي ومشروع الشرق الأوسط الكبير والإسلام المعتدل الواعد والموعود، وهناك سيناريوهات سياسية وأمنيّة مرتقبة قد تعصف بالإقليم، وأنقرة وموسكو تبحثان عن بدائل أكثر عمليّة وواقعية وسريعة المردود لحماية التحاصص والنفوذ. ستكون المقايضة بين تركيا وروسيا، كما يبدو، أكثر ممّا قد تكون بين أنقرة ودمشق. قد تخرج إيران ضعيفة من المشهد بسبب التصعيد الأميركي ضدّها في أكثر من مكان وورطتها في الملفّ النووي. وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن هي التي عرقلت مشروع الطاقة اليوناني الفرنسي في شرق المتوسط، وهي التي جمّدت نشاطات منصّة التنسيق في ملفّ الغاز السباعية لأنّها شعرت أنّها ستكون على حسابها وحساب تركيا وتخدم موسكو والصين أكثر. هل من المعقول أن تقدّم واشنطن كلّ هذه الخدمات بالمجان لأنقرة كي تنفتح أكثر فأكثر على موسكو ودمشق؟

إقرأ أيضاَ: إردوغان العائد من سوتشي: هل يتواصل مع الأسد؟

الموقف الأميركي المتعلّق بسياسة واشنطن السورية في غاية الأهمية الآن. كيف ستتصرّف إدارة بايدن؟ هل ستتمسّك بلعب ورقة حليفها الكردي في شرق الفرات تحت ذريعة محاربته لتنظيم داعش وفلوله في البادية السورية؟ أم ستقرّر العودة عسكرياً وسياسياً إلى المشهد السوري ما دام التنسيق التركي الروسي ذا طابع استراتيجي إقليمي متعدّد الجوانب والأهداف ولا يأخذ بعين الاعتبار مصالح أميركا وحصّتها في ملفّات المنطقة؟