المُستقبل "رهين" ولادات الأفارقة

المُستقبل "رهين" ولادات الأفارقة

محمد السماك - الأربعاء 17 آب 2022

يؤكّد علماء الإنسانيّات والأنتروبولوجيا أنّ أوّل هجرة في التاريخ كانت الهجرة الإفريقيّة. فالإنسان الأوّل كان إفريقيّاً. من إفريقيا توجّهت الموجة الأولى عبر الشرق الأوسط إلى آسيا، حيث انتقلت من شمال هذا القارة إلى أميركا. أما الموجة الثانية فقد توجهت إلى أوروبا.

تؤكّد اليوم الدراسات الإحصائية التي أجرتها هيئات مختصّة تابعة للأمم المتحدة في الآونة الأخيرة  أنّه في عام 1950 كان عدد سكّان جنوب الصحراء الإفريقية لا يزيد على 180 مليوناً. وهو رقم كان يعادل حوالي ثلث سكان أوروبا في ذلك الوقت. أمّا عدد سكّان هذه المنطقة من إفريقيا في عام 2050 فيُقدَّر أن يصل إلى 2.2 مليار إنسان، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف عدد سكّان دول أوروبا مجتمعة. وتتوقّع الأمم المتحدة أن يصل عدد سكّان جنوب الصحراء إلى أربعة مليارات في عام 2100.

ماذا تعني هذه الأرقام؟

في عام 1798 نشر عالم الإنسانيات توماس مالثوس دراسة حذّر فيها من أنّ سكّان الكرة الأرضية يتزايدون بوتيرة أسرع من إنتاج الموادّ الغذائية. وحذّر من أنّ هذه الظاهرة سوف تؤدّي إلى كارثة.

استطاعت آسيا أن تتجنّب هذه الكارثة. لقد كانت تعاني حتى مطلع السبعينيّات من القرن الماضي من تضخّم في عدد السكّان (وخاصّة في الهند والصين)، وكانت تعاني من تضاؤل في الإنتاج. كان معدّل الإنجاب لدى المرأة الآسيوية يزيد على خمسة أطفال. أمّا الآن فقد انخفض هذا المعدّل إلى ثلاثة فقط. واحتاجت آسيا إلى عشرين عاماً (من عام 1972 حتى عام 1992) من الجهد التنظيمي الأسري والاجتماعي حتى حقّقت ذلك.

أمّا إفريقيا فإنّها تحتاج إلى وقت أطول لتصل إلى مثل هذه النتيجة. ويقدّر العلماء أنّها تحتاج إلى أكثر من أربعين عاماً، ذلك لأنّ نسبة عالية من الأفارقة يدخلون بيت الزوجيّة في سنّ مبكرة جدّاً، وهذا يؤدّي ليس فقط إلى المزيد من الإنجاب، بل إلى المزيد من الأميّة، وبالتالي إلى المزيد من البطالة، وتبعاً لذلك إلى المزيد من الهجرة إلى الخارج.

يؤكّد علماء الإنسانيّات والأنتروبولوجيا أنّ أوّل هجرة في التاريخ كانت الهجرة الإفريقيّة. فالإنسان الأوّل كان إفريقيّاً

مشكلة ارتفاع معدل ولادات الأفارقة

ولذلك سوف تبقى القضية الإفريقية قضيّة عالمية أو القضية الرئيسية التي تشغل بال المجتمعات الإنسانية في القرن الواحد والعشرين. لقد كانت نسبة المواليد في جنوب الصحراء في عام 1990 تبلغ 16 في المئة فقط من نسبة المواليد في العالم. الآن ارتفعت هذه النسبة إلى 27 في المئة، أي أكثر من عشرة في المئة. ومن المتوقّع أن تواصل ارتفاعها حتى تصل في عام 2050 إلى 37 في المئة، أي أنّ عدد المواليد في جنوب الصحراء الإفريقية سوف يزيد على عدد المواليد في كلّ القارّة الآسيوية بما في ذلك الصين والهند.

إنّ الترجمة العمليّة لهذه الأرقام الرسمية لا تشير فقط إلى احتمال ارتفاع معدّلات الفقر في إفريقيا، إنّما تدلّ على احتمال انفجار معدّلات الهجرة منها أيضاً. وتتوجّه هذه الهجرة حتى الآن إلى أوروبا بالدرجة الأولى، ليس فقط لقصر المسافة بين القارّتين (عبر البحر المتوسط)، إنّما لإدراك الأفارقة حقيقة أخرى معاكسة لِما يجري في دولهم، وهي التناقص الحادّ في عدد الأوروبيّين وارتفاع نسبة كبار السنّ منهم، وبالتالي ازدياد الحاجة إلى اليد العاملة (في المصانع والحقول).

من هنا لا يوجد أفق لنهاية الهجرة الإفريقيّة إلى أوروبا، بل إنّ كلّ المؤشّرات تؤكّد استمرارها، وحتى تصاعدها.

تواجه أوروبا هذا الواقع المتفاقم بمبادرتين: الأولى شرعية والثانية غير شرعية.

المبادرة الأولى استباقية للهجرة تقوم على تشجيع المجتمعات الإفريقية على تخفيض خفض نسبة المواليد، ومساعدتها على النموّ الداخلي لاستيعاب الأيدي العاملة من الشباب. ولكن هذه المبادرة لم تؤتِ ثمارها المرجوّة بعد.

إقرأ أيضاً: الخوف من الإسلام: كراهية... وجهل

أمّا المبادرة الثانية غير الشرعية فإنّها تتّسم بالعنصرية من حيث إنّها ترفض الهجرة شكلاً ومضموناً ، وذلك على خلفيّة اللون أو الدين. وهي مبادرة تحمل في طيّاتها ثقافات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث قامت المنظّمات الفاشيّة والنازيّة، ومهّدت الطريق إلى الحرب العالمية الثانية.

وفي الحالتين بدأ استمرار ارتفاع معدّل الولادات في إفريقيا يُساهم في تشكُل وتُساهم في بلورة المستقبل فيما الهجرات الأولى غيرت التاريخ.

هكذا يبدو المستقبل رهين إرتفاع معدلات الولادة عند الأفارقة.