أنقرة - دمشق: الواجهات وما خلفها!

أنقرة - دمشق: الواجهات وما خلفها!

محمد قواص* - الثلاثاء 16 آب 2022

أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل أيام أنّه التقى نظيره السوري فيصل المقداد قبل فترة. الخبر على أهمّيته ليس هنا، بل في أنّ الاجتماع جرى على هامش مؤتمر دول عدم الانحياز الأخير في بلغراد. والخبر ليس هنا أيضاً، بل في أنّ هذا المؤتمر انعقد في تشرين الأول من العام الماضي، أي منذ أكثر من تسعة أشهر.

كان على الوزير التركي أن ينتظر موعداً سياسياً ليعلن خبراً بائتاً ويجعله طازجاً يستحقّ الضجيج الذي أحدثه لدى السوريين كما لدى المعنيّين والمهتمّين بالشأن السوري. لم يلتقِ الوزيران في ذلك الوقت صدفة أو لباقة، بل بناء على ترتيبات بين الوزارتين ربّما تكون موسكو قد ساهمت في تشجيعها. ومع ذلك لم يكن هذا اللقاء شكلاً ومضموناً بالمستوى الذي يدفع للجهر به في ذلك الوقت.

سبق للوزير التركي في 27 تموز أن تولّى إطلاق خبر آخر حين أعرب عن استعداد بلاده لتقديم الدعم السياسي للنظام السوري في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والتنظيمات الكردية المسلّحة في مناطق شمال شوريا. أتى هذا "الودّ" الطارئ في سياق موقف تركيا من الجماعات الكردية في شمال وشرق سوريا التي تعتبرها تركيا إرهابيّة، وأنّها الذراع السورية لحزب العمّال الكردستاني.

تلميحات جاويش أوغلو، بما في ذلك حديثه عن مصالحة بين معارضة ونظام، قد تعني أنّ التطبيع بات قراراً استراتيجياً تركيّاً

أيّاً كانت المناسبات ومهما تعدّدت السياقات فإنّ أنقرة تتقصّد بعث رسائل ملتبسة هدفها تهيئة الرأي العالم لانعطافة في شأن سوريا وتحوّلات في العلاقة مع دمشق، بما في ذلك احتمال رفع مستوى التواصل من مستواه الأمني المخابراتي، الجاري حالياً، إلى سياسي قد يصل إلى مستوى الرئيسين في البلدين.

قد لا يبتعد الموقف التركي المحتمل الجديد، على صعوبته، من التحوّلات الدراماتيكية التي طرأت على كلّ السياسة الخارجية التركية مع دول الإقليم في الأشهر الأخيرة. وقد لا يكون تسويق التقارب مع دمشق أكثر صعوبة من تمارين التسويق لدى الرأي العام التركي كما لدى لدى فضاءات النفوذ داخل العالم العربي بما في ذلك جماعات الإسلام السياسي، لعملية التطبيع التي تمّت في علاقات تركيا مع السعودية والإمارات أو لمرحلة التبريد والحوار الجارية حالياً مع مصر.

إذا ما أزال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الطابع الأيديولوجي عن سياسات بلاده الخارجية في محاولة لتصفير النزاعات في عدد من ملفّات تركيا الخارجية، وإذا ما انتهج لذلك عقلانية براغماتية خدمة لمصالح بلاده ومصالحه السياسية على رأس البلاد، فإنّ "الورشة" السورية لن تخرج أبداً عن هذا الإطار ولن يكون مستغرباً، وفق ذاك، أن تتطوّر علاقات أنقرة ودمشق باتجاهات محسوبة دقيقة.



تضارب مصالح تركيا وإيران

تذكّر جاويش أوغلو موعداً جمعه مع المقداد في الخريف الماضي بعد أسابيع على قمّة جمعت الرئيس التركي بنظيرَيْه الروسي والإيراني في طهران في 20 تموز وبعد أيام على قمّة جمعت إردوغان بنظيره الروسي في سوتشي في 5 آب. ولئن حظي الرئيس التركي في المناسبتين بـ "تفهّم" الشركاء لهواجس تركيا الأمنيّة والوعد برعاية ترتيبات تُطمئن أنقرة، إلا أنّ ما أُعلن من مواقف كان رادعاً للمضيّ قدماً بعملية عسكرية كبرى شمال سوريا كان قد توعّد بها قبل أشهر.

شاركت الولايات المتحدة في قطع الطريق على خطط إردوغان العسكرية أيضاً. فبدأت أنقرة تستنتج إمكانية نيل مكاسب من خلال التوافق مع طهران وموسكو أكبر من إمكانية أن تحظى بمنجز ما في الملف الأمنيّ المتعلّق بالتعامل مع "قسد" من خلال الولايات المتحدة. صحيح أنّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وقيادات عسكرية غربية زارت المنطقة واجتمعت مع قيادات كردية لتسويق تسوية ما، لكنّ الموقف الكردي كشف إخفاق واشنطن وربّما غياب سياسة أميركية في هذا الصدد.

يستقوي الطرف الكردي بتحالف مع إيران لمنع تمدّد تركي في شمال البلاد. ويستقوي أيضاً، إضافة إلى الموقف الأميركي الداعم، بحسابات روسيّة لا تريد لتركيا القيام بما يمكن أن يهدّد هيمنة موسكو على مسارات سوريا ويقوّض خططها لتسويق "الحلّ السوريّ". وإذا ما تقدّمت قوات دمشق وأصبحت تطلّ رافعة الأعلام من مواقع ميدانية محسوبة على "قسد"، فإنّ ذلك المشهد يسهّل على الرئيس فلاديمير بوتين خطّته الجديدة القديمة لتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق الذي سيعيد الاعتبار لاتفاق أضنة لعام 1998 الذي ينظّم الحركة العسكرية التركية على الحدود بين البلدين.

إقرأ أيضاً: إردوغان العائد من سوتشي: هل يتواصل مع الأسد؟

تلميحات جاويش أوغلو، بما في ذلك حديثه عن مصالحة بين معارضة ونظام، قد تعني أنّ التطبيع بات قراراً استراتيجياً تركيّاً، وأنّ واجهاته قد تكون فورية صاعقة. لكنّ تلك التلميحات قد لا تعدو كونها مناورة دبلوماسية تهدف إلى مجاراة ضغوط بوتين، وإلى شراء الوقت بانتظار تغيّرات جيوستراتيجية تكون أكثر وضوحاً، خصوصاً أنّ ما أُنجز في قمّة سوتشي بين إردوغان وبوتين قد يضع اللبنات الأولى لتحوّل استراتيجي كبير في علاقات البلدين الاقتصادية، بما ينعش اقتصاد تركيا ويجعل البلد متنفّساً استراتيجيّاً لاقتصاد روسيا إلى درجة الالتفاف الكامل على العقوبات الغربية. هنا فقط نفهم رسائل أنقرة إلى الغرب من بوّابة دمشق.