الناتو: ذئب عجوز.. يحمي أوروبا المريضة

الناتو: ذئب عجوز.. يحمي أوروبا المريضة

د. محيي الدين الشحيمي* - الإثنين 15 آب 2022

تبدو أوروبا عجوزة كما لم تكن من قبل، أمام الهجوم الروسي على أوكرانيا. حتّى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يبدو ذئباً عجوزاً، يراقب الحرب، جالساً في البستان الأوروبي المريض، المدمن على الغاز الروسي، والذي يشعر باقتراب "أجله" الاقتصادي كلّما مرّ يوم صيفي إضافي، واقترب "وحش الشتاء"، "الجنرال برد"، الذي لطالما ساعد الروسي على الفوز بحروبهم والقضاء على أعدائهم.

شكّلت القمّة الأخيرة للناتو في مدريد تحوُّلاً تاريخياً في استراتيجية الحلف، ولحظة حاسمة في محاولة اتّباع الناتو مفهوماً استراتيجياً جديداً، بالتزامن مع التغييرات الدراماتيكية التي أثّرت على المشهد الجيوسياسي والجيواقتصادي العالمي

بدأت المشكلة حين أخطأت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي بتقدير مدى استعداد روسيا لشنّ الحرب على أوكرانيا. وحين تحرّكت قوات فلاديمير بوتين على رقعة الشطرنج الأوروبية، بدا واضحاً أنّ الأميركي والأوروبي نفضا أيديهم، وقرّروا إرسال المال والسلاح فقط.

ارتكبت الولايات المتحدة سلسلة أخطاء في ظلّ الإدارات المتعاقبة في آخر خمس عشرة سنة، من خلال التركيز على تقاسم الأعباء بدلاً من تطوير مزيج فعّال ومتناغم وبذل جهود متماسكة لتصحيح العديد من أوجه القصور في القوات الأوروبية والأميركية. على الرغم من قيام الولايات المتحدة ببعض التحسينات الانتقائية في قواتها المنتشرة في أوروبا وإقدام الدول الأوروبية المنضمّة إلى حلف الناتو على إجراء تحسينات محدودة. ومن الواضح الملموس أنّ الحلف الأطلسي لا يبذل أيّ جهد جادّ في العالم الحقيقي لتحسين قدراته.

كذلك أخفقت الولايات المتحدة في ممارسة القيادة الفعّالة على المستوى الرئاسي من أجل بناء قدرات الناتو بعد الغزو الروسي الأوّل لشرق أوكرانيا والاستيلاء على شبه جزيرة القرم في 2014. فشلت حتّى في استعراض القوة بشكل فعّال. والأسوأ من ذلك كان أنّها أهدرت فرص انتهاج السياسة المنتجة طوال 10 سنوات، وحوّلت العلاقة إلى شكل سخيف من التعاطي، من خلال التركيز على حصص الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء وحساب هذا الإنفاق على أساس نسبة مئوية من الناتج القومي الإجمالي لكلّ منها، عوضاً عن معالجة خلافاتهم العديدة. ترافق هذا مع تجاهل الحاجة إلى قوات عسكرية وطنية فعّالة وقابلة للتشغيل بشكل جديّ، وقصور رئيسي بكل معنى الكلمة في معظم قوات الدول الأعضاء من حيث التحديث وقابلية التشغيل البيني.



حاجات الناتو

توضح لنا الأزمة الحالية في أوكرانيا أمرين:

- الأول هو حاجة الولايات المتحدة والحلف الأطلسي إلى اتباع نهج مختلف تماماً ومزيد من الشفافية في تحليل قدرات الناتو في العالم الحقيقي وإجراء حسابات دقيقة لحقيقة التوازن بين الناتو والقوات الروسية، وبينها وبين أيّ تهديد آخر.

- الثاني هو إنشاء استراتيجية فعّالة وهيكلة جديدة لمفهوم الشراكة الثنائية، وبناء نموذج مختلف لقوات الناتو وتحديثها حتى على مستوى كلّ دولة على حدة. بغضّ النظر عن كيفية الضغط الروسي على أوكرانيا والنزاع الدائر هناك. إلى جانب عدم التغافل عن إشكالية مهمّة ومعضلة في السياسة الواقعية، وهي أنّ "روسيا ستظلّ العدوّ الأيديولوجي الأول لأوروبا، ولا إمكانية لتحقيق سلام أوروبي من دونها".

لذا شكّلت القمّة الأخيرة للناتو في مدريد تحوُّلاً تاريخياً في استراتيجية الحلف، ولحظة حاسمة في محاولة اتّباع الناتو مفهوماً استراتيجياً جديداً، بالتزامن مع التغييرات الدراماتيكية التي أثّرت على المشهد الجيوسياسي والجيواقتصادي العالمي. فالمسلّمات الحالية التي تمّ تبنّيها والاتّفاق عليها في اجتماع الناتو في العاصمة البرتغالية لشبونة عام 2010، هي التي أوصلت إلى حدّ كبير الحلف إلى أن يكون منظّمة غير فعّالة، وأن تكون مقرّراته حبراً على ورق، وكأنّ الشراكة بائدة و"عفا عليها الزمن".

إقرأ أيضاً: "الغارة" على منزل ترامب: هل تقرّبه من الرئاسة؟

يضاف الغزو الروسي لأوكرانيا إلى لائحة طويلة من الأحداث، بدءاً من ظهور الصين كلاعب عالمي، إلى التهديدات الجديدة للإرهاب والهجمات الإلكترونية والتقنيات التخريبية والتأثير الأمني لتغير المناخ. لذا لا مجال أبداً للتخلّي عن سياسة "الباب المفتوح"، لكن مع الاتفاق على تعديلها لمنع فوضى الانتشار والتوسّع الأوروبي الشكلي، والاتحادي الهزيل. ولا إمكانية للتوقّف عن قبول أعضاء جدد، لكن بالأسلوب المفيد لأصحاب المصلحة القومية الأوروبية. ولا بديل من تعزيز البعد العالمي للحلف وتناغمه القومي ثمّ الأيديولوجي.

كلّها أولويّات أساسية ومسلّمات يجب الامتثال لها في عالم تبتعد فيه أوروبا عن المسرح الدولي والملعب الرئيسي التقريري ويتفاقم مرضها، وقد كشف الدبّ الروسي هزالة الذئب الأوروبي المريض.