إيران تبيع فلسطين... الأوهام فقط

إيران تبيع فلسطين... الأوهام فقط

د. فادي الأحمر - السبت 13 آب 2022

خلال دراستي الجيوسياسة في فرنسا كان لي زميل فلسطيني اختار جيوسياسة رام الله موضوعاً لأطروحته. كان موضوعه أكثر من بحث علميّ. إنّه قضيّة. تلك كانت المرّة الأولى التي أتابع فيها القضيّة الفلسطينيّة من منظار فلسطينيّ.

لم أخفِ على زميلي أنّني لست مع القضية الفلسطينيّة بين عامَيْ 1969 (تاريخ توقيع اتّفاق القاهرة وإطلاق العمل الفلسطيني المسلّح)، و1982 (تاريخ خروج منظّمة التحرير الفلسطينية من بيروت). فوجئ!

أخبرته عن صورتين مطبوعتين في ذاكرة طفولتي. الأولى لوالدي يحمل السلاح ليلاً ويضع على صدره جنزير خرطوش. كان عمري أربع سنوات. علمت فيما بعد أنّ والدي قضى الليل ساهراً على سطح المنزل لحمايتنا من المسلحين الفلسطينيين الذي قرّر توسيع مخيّم تل الزعتر في رأس الدكوانة المشرفة على ساحل المتنين الشمالي والجنوبي وعلى جزء من بيروت وضواحيها الشماليّة، عِلماً أنّ والدي ليس عسكريّاً ولا حزبيّاً. الصورة الثانية لمُعتصم، الشابّ الفلسطيني المدجّج دائماً بالسلاح، مطلقاً الرصاص من أمام منزلنا ليعترض طائرة إسرائيليّة اخترقت جدار الصوت في سماء لبنان!

الحرب كانت ذات توقيت إسرائيلي. فقد اعتاد المرشّحون الإسرائيليون قتل الشعب الفلسطيني في حملاتهم الانتخابيّة، أو اغتيال بعض قادة فصائله العسكريّة

وأضفت، في حديثي مع زميلي في الجامعة، أنّني مع القضيّة الفلسطينيّة، قبل 1969 وبعد 1982، لأنّه ما من شعب في التاريخ المعاصر تعرّض لِما تعرّض ويتعرّض له الشعب الفلسطيني من عدوّه ومن مسؤوليه. ليس الإسرائيلي هو وحده المجرم بحقّ فلسطين والفلسطينيّين، بل والمسؤولون عن القضيّة الفلسطينيّة أيضاً. فهؤلاء قتلوها بصراعاتهم على السلطة، خاصّة أنّ تلك الصراعات لم تبقَ على مستوى المنافسة السياسيّة، إنّما وصلت إلى حدّ الصراعات العسكريّة. والمخيّمات الفلسطينيّة، التي شهدت قسماً منها، شاهدة عليها. وهي صراعات تزيد مأساة على مآسي الشعب الفلسطيني الذي يعيش في تلك المخيّمات ظروفاً غير إنسانيّة. وقتل المسؤولون الفلسطينيون القضيّة الفلسطينيّة بخياراتهم السياسيّة الإقليميّة الفاشلة.

 

ما مناسبة هذا الكلام؟

إنّها حرب غزّة الأخيرة ونتائجها.

الحرب كانت ذات توقيت إسرائيلي. فقد اعتاد المرشّحون الإسرائيليون قتل الشعب الفلسطيني في حملاتهم الانتخابيّة، أو اغتيال بعض قادة فصائله العسكريّة. أن يقوم الإسرائيليون بهذه الأعمال فهذا أمر مفهوم ولا نقول إنّه مبرّر. فإسرائيل دولة محتلّة. ولكن أن تستمرّ بعض التنظيمات الفلسطينيّة بتقديم الشعب الفلسطيني أضحية للإسرائيليين يذبحونها في مناسباتهم الانتخابيّة واستحقاقاتهم الإقليميّة، من دون أن يُحرز الشعب الفلسطيني بنضالاته وتضحياته أيّ تقدّم في قضيّته، فهذا ليس مفهوماً! والسبب أنّ بعض التنظيمات الفلسطينيّة خرجت من بيئتها العربيّة الداعمة تاريخيّاً لها، وارتمت في أحضان إيران.

في معركة غزّة الأخيرة، بدا واضحاً تراجع الدعم العربيّ السياسيّ والدبلوماسيّ والإعلاميّ للفلسطينيين. فالضحايا الذين سقطوا سُمّوا "قتلى" في الإعلام العربيّ. والدول العربيّة لم تدعُ لا إلى قمّة طارئة ولا إلى اجتماع وزاري طارئ، مع عِلمنا المُسبق أنّ تلك الاجتماعات لن تجدي نفعاً. ولم يتحرّك سفراؤها في المحافل الدوليّة. اقتصر التحرّك العربيّ على المبادرة المصريّة، وكان هدفها وقف إطلاق النار. نجحت في تحقيق هذا الهدف أقلّه حتى الساعة.

المسؤول عن تراجع الدعم العربي للشعب الفلسطينيّ هي التنظيمات الفلسطينيّة نفسها، أو بعضها. وفي مقدَّم هذه التنظيمات حركتا حماس والجهاد الإسلاميّ. فالدول العربيّة قدّمت لقضيّة فلسطين ما لم تقدّمه دول في العالم لقضيّة في إقليمها. فعلى مدى عقود دعمت الدول العربيّة سياسياً ودبلوماسياً وماليّاً وعسكرياً الفلسطينيين، وهو ما جعل القضيّة الفلسطينيّة قضيّة عالميّة، وأنتج قرارات دوليّة لصالح القضيّة الفلسطينيّة، وأصبح لمنظمة التحرير الفلسطينيّة مكاتب دبلوماسية في العديد من دول العالم. وجلس الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين برعاية الأميركيين. لا شكّ أنّ نضال الفلسطينيين وشخصيّة عرفات كانا أساسيّين. لكنّ الدعم العربيّ كان الرافعة الأساسيّة للقضيّة.

 

إيران تبيع الأوهام لفلسطين

في المقابل ماذا قدّم الدعم الإيرانيّ للقضيّة الفلسطينيّة منذ بداية القرن؟ ردّ إيران وأذرعها في المنطقة على معركة غزّة خير جواب. صرّح قائد الحرس الثوريّ الإيرانيّ حسين سلامي بأنّ "تحرير فلسطين هو أكثر من أمنية، بل هو استراتيجية حتمية للشعب الإيراني"، وأنّ "تحرير القدس بات وشيكاً"، وقوّة إسرائيل "تتراجع" و"نحو الزوال والانهيار"!

قال السيّد حسن نصرالله في إحدى خطبه العاشورائيّة: "نعتقد أنّ يد المقاومة ستكون هي العليا". ولم يُدِن الاعتداء فقط، إنّما كلّ من لم يُدِن الاعتداء. حركة حماس، التي تكلّم زعيمها إسماعيل هنيّة عن "وحدة ساحات وجبهات المقاومة"، وقفت على الحياد وتركت "الجهاد الإسلامي" وحدها في ساحة المعركة.

شخصيّاً، لم أكن أتوقّع من إيران والحزب أبعد من هذه المواقف. فالطائرات الإسرائيلية، منذ سنوات، تُغير وتقصف وتقتل عناصر وقادة للحرس الثوري ولحزب الله. وأجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة تغتال خبراء الطاقة الإيرانيين في قلب إيران. وما من ردّ لا من قبل الحرس الثوري ولا من قبل حزب الله.

مصيبة الشعب الفلسطينيّ في غزة على الأقل، كما الشعب اللبنانيّ، أنّ التنظيمات التي تسيطر عليه بقوّة السلاح عزلته عن بيئته الجيوسياسيّة الطبيعيّة ورمته في أحضان دولة تخوض منذ سنوات صراعاً جيوسياسياً ضدّ الدول العربيّة وتزعزع أنظمتها، وتقود مشروعاً دمّر الدول التي سيطرت عليها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأفقر شعوبها ورماها فريسة الجوع والبطالة والتخلّف.

إقرأ أيضاً: إيران تريد القنبلة النووية لا المفاوضات

الصواريخ وحدها لا تربح حرباً.

منذ أن عدت إلى لبنان فقدت الاتّصال بزميل الدراسة الفلسطيني. لا أعلم اليوم ما إذا كانت فلسطين لا تزال قضيّته بعد كلّ ما أصاب القضيّة!