الترسيم والرئاسة وإحلال الميليشيات محلّ الدول

الترسيم والرئاسة وإحلال الميليشيات محلّ الدول

إيلي القصيفي - الخميس 11 آب 2022

تحيلنا تطوّرات ملفّ ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل إلى عموم المشهد في المنطقة من حيث حلول الميليشيات محلّ الدول، وبالتحديد في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتّى في فلسطين المحتلّة وإن كان الوضع هناك ذا خصوصيّة مختلفة.

استدرج كلّ من إسرائيل وحزب الله واحدهما الآخر إلى التفاوض حول الحدود البحريّة، لكنّ أميركا أيضاً كانت راعية لهذا الاستدراج المتبادل ومحفّزة عليه. بهذا المعنى فإنّ المسيَّرات الثلاث التي أطلقها الحزب باتّجاه منصّة كاريش مطلع تمّوز الفائت كانت إعلاناً مباشراً من قبله بأنّه دخل مباشرة ساحة التفاوض غير المباشر مع إسرائيل وما عاد يريد التلطّي وراء الدولة.

المنطقة تدخل بأسرها مرحلة جديدة قوامها تثبيت "ستاتيكو الفوضى"، بمعنى أنّ هدف اللاعبين الدوليين، وفي مقدَّمهم أميركا، ليس إخراج المنطقة من الفوضى وإعادة إنتاج دولها وفق قواعد ديمقراطية، وإنمّا تنظيم هذه الفوضى

في المقابل فإنّ إسرائيل فضلاً عن أميركا وإن كانا يفاوضان الدولة اللبنانية فهما يريدان الاتفاق مع حزب الله عبر هذه الدولة. صحيح أنّه في ملفٍّ بأهمّيّة ملفّ ترسيم الحدود مع إسرائيل فإنّ الدولة والحزب في لبنان واحدٌ لأنّ الحزب لا يقبل غير ذلك، وبالتالي فإنّ أيّ اتفاق إسرائيلي - أميركي مع لبنان في هذا الشأن هو اتفاق مع الحزب، لكن ظهر أنّ الجانبين، أي إسرائيل وأميركا من جهة، وحزب الله وإيران من جهة ثانية، يفضلّان اللعب وجهاً لوجه لأنّ ذلك يجعل الاتفاق أقوى ويحقّق مكاسب استراتيجيّة لكلا الجانبين وإن تنازل بعضهما للبعض الآخر. وهناك معلومات تقول إنّ موفداً من حزب الله كان في غرفة جانبية في قصر بعبدا، خلال اجتماع الرؤساء الثلاثة مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين الأسبوع الماضي.

الترسيم وأمن شمال إسرائيل

من السذاجة الظنّ أنّ إسرائيل ما كانت مُدركة أنّ الحزب لا يمكنه إلّا أن يتدخّل مباشرة في هذا الملفّ في التوقيتين الإقليمي والدولي المناسبين، بل إنّ إسرائيل كانت تستدعي هذا التدخّل وتنتظره لتباشر جدّيّاً وبدعم أميركي التفاوض مع الحزب ومن ورائه إيران عبر السلطات اللبنانية الخاضعة للحزب. فاتّفاق قويّ حول الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يتجاوز في مفاعيله الموضوع الاقتصادي النفطي، إذ يُدخل الجنوب في مرحلة جديدة، لخّصها الرئيس نبيه برّي إثر استقباله هوكستين في 14 حزيران الماضي، بمعادلة "الغاز مقابل السلام في الجنوب"، أي أنّ ترسيم الحدود البحرية جنوباً والبدء باستخراج الغاز سيعزّزان الاستقرار في المنطقة. ولذلك فإنّ توصّل الأميركيين إلى إبرام اتفاق بين لبنان وإسرائيل هو بمنزلة رسالة تطمين وهديّة أميركية لتل أبيب في لحظة الاقتراب أكثر نحو توقيع "اتفاق فيينا"، بمعنى أنّ واشنطن برعايتها اتفاق الترسيم ضمنت أمن شمال إسرائيل، أو أقلّه خلقت واقعاً أمنيّاً مناسباً أكثر لإسرائيل في هذه المنطقة.  

يدفع هذا الواقع إلى الاستنتاج أنّ الميليشيات في المنطقة، وبالتحديد تلك الموالية لإيران، بعدما أخضعت بشتّى الوسائل البنى السياسيّة والاجتماعية داخل دول المنطقة، فهي تستحصل على اعتراف دولي بأدوارها وإن بقي هذا الاعتراف موارباً ومن ضمن ديناميّات صراعيّة، لكنّها صراعات منظّمة وخاضعة لمعادلات إقليمية ودولية محكومة بشكل أساسيّ بمسار العلاقات الأميركية - الإيرانية، تفاوضاً أو مواجهةً، والذي أصبح منذ غزو العراق وتدميره في العام 2003 المسار الرئيسي في المنطقة.

لا يشكّل اعتراف أميركا بشكل أو بآخر بأدوار الميليشيات في المنطقة مفاجأةً لأحد، لأنّ هذا الاعترف هو نتيجة المسار الأميركي الإيراني في المنطقة، وهو ما أكّده الاتفاق بين واشنطن وطهران في العام 2015

ربّ قائل إنّ هذا الاعتراف الدولي يحصل بحكم الأمر الواقع بعدما سيطرت هذه الميليشيات على دول المنطقة وأصبحت اللاعب الرئيسي فيها. لكنّ هذا الاستنتاج يسقط من حساباته أنّ توسّع هذه الميليشيات حصل تحت سقف الأولويّة الأميركية للاتفاق مع إيران، فضلاً عن أولويّتها القديمة والثابتة في حماية أمن إسرائيل وليس تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة. بالتالي لا يمكن القول إنّ واشنطن بعدما عجزت عن نشر الديمقراطية في المنطقة لأسباب تتعلّق بعدم جاهزيّة شعوبها لها، فهي اضطرّت إلى التعامل مع الأمر الواقع الذي فرضته الميليشيات المعادية للديمقراطية أو التي تُخضعها لشروطها. لقد كان الشعار الأميركي لنشر الديمقراطية غطاءً أيديولوجيّاً للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، ولم يكن في الأساس أولويّة مبدئية أميركية، لكي يُقال لاحقاً إنّ أميركا عندما فشلت في نشر الديمقراطية اضطرّت إلى التعامل مع الأمر الواقع. وأصلاً فقد انفضح شعار نشر الديمقراطية منذ حديث وزيرة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الإبن كوندوليزا رايس عن سعي بلادها إلى تغيير "سلوك" النظام السوري.

لذلك لا يشكّل اعتراف أميركا بشكل أو بآخر بأدوار الميليشيات في المنطقة مفاجأةً لأحد، لأنّ هذا الاعترف هو نتيجة المسار الأميركي الإيراني في المنطقة، وهو ما أكّده الاتفاق بين واشنطن وطهران في العام 2015، إذ أطلق هذا الاتفاق يد إيران في تمويل وتجهيز أذرعها الإقليمية تحت أعين الولايات المتحدة الأميركية وعلى الرغم من المخاطر والتحدّيات التي رتّبها هذا الأمر على الحلفاء القدامى لواشنطن، وفي مقدَّمهم دول الخليج، لأنّ التهديد الإيراني طالهم بالدرجة الأولى وقبل إسرائيل. وليست التهديدات الحوثية المتواصلة للسعودية سوى أسطع دليل على ذلك، فيما لم تحصل أيّ مواجهة جدّيّة بين حزب الله وإسرائيل منذ العام 2006، وأمّا المواجهات بين الأخيرة وبين حركتَيْ حماس والجهاد الإسلامي في غزّة فهي خاضعة لحسابات أخرى.

تثبيت "ستاتيكو الفوضى"

خلاصة القول أنّ المنطقة تدخل بأسرها مرحلة جديدة قوامها تثبيت "ستاتيكو الفوضى"، بمعنى أنّ هدف اللاعبين الدوليين، وفي مقدَّمهم أميركا، ليس إخراج المنطقة من الفوضى وإعادة إنتاج دولها وفق قواعد ديمقراطية، وإنمّا تنظيم هذه الفوضى ووضع سقوف لها من خلال اتّفاقات مباشرة وغير مباشرة بين اللاعبين الدوليين والإقليميين الكبار، وبالأخصّ بين أميركا وإيران وبينهما إسرائيل ضمناً، وهي اتفاقات تشمل بطبيعة الحال الميليشيات الموالية لإيران، وعلى رأسها حزب الله الذي يسيطر لوحده على الوضع اللبناني بخلاف ما يحصل في العراق حيث تتنافس ميليشيات عدّة وحيث الوضع الأمني أكثر تعقيداً. بالتالي فإنّ تنظيم الاضطراب اللبناني من خلال الاتفاق مع الحزب حول ترسيم الحدود واستطراداً الملفّات الأخرى، وبالأخصّ الانتخابات الرئاسية، أسهل من تنظيم الفوضى في الساحة العراقية، مثلاً، حيث يكاد الصراع السياسي - الأمني يطيح بجهود رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لإنتاج دور إقليمي مغاير للعراق.

إقرأ أيضاً: أيلول الترسيم: ماذا عن النظام الجديد؟

بالعودة إلى الموضوع اللبناني تحصل انتخابات رئاسة الجمهورية في ظلّ دخول المنطقة في هذه المرحلة الجديدة من تنظيم الفوضى، خصوصاً إذا تمّ توقيع الاتفاق بين واشنطن وإيران في فيينا، أو إذا تمّ الاتفاق على تنظيم الخلاف بين الجانبين. وفي الحالتين فإنّ لبنان سيتأثّر مباشرة بهذا الاتفاق أيّا تكن طبيعته، وبالتالي فإنّ أيّ رئيس جديد سيكون نتيجة للاعتراف الدولي بنفوذ حزب الله على الساحة اللبنانية، وهذه هي أهمّيّة الانتخابات الرئاسية بالنسبة إلى الحزب، وقبلها أهمّيّة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل بالنسبة إليه. لذلك فإنّ التعويل على أنّ الانتخابات الرئاسية ستكون الخطوة الأولى نحو "العبور إلى الدولة"، هو تعويل تجافيه الوقائع في المنطقة، خصوصاً أنّ جميع محاولات المعارضين في لبنان لم تنجح بعد في العبور إلى معارضة حقيقية لحزب الله، فكيف بالعبور إلى الدولة عبر الانتخابات الرئاسية التي ستكون محطّة عبورٍ إلى دولة حزب الله بمباركة دولية... وللحديث تتمّة.