لن يكون أمام إيران سوى التخلّي عن مستعمراتها الكئيبة

لن يكون أمام إيران سوى التخلّي عن مستعمراتها الكئيبة

فاروق يوسف* - السبت 06 آب 2022

حين كانت الولايات المتحدة تسعى إلى أن تتخلّص من إرث الرئيس الإشكالي دونالد ترامب، كانت إيران في الوقت نفسه تمنّي النفس في أن تكون العودة إلى الاتفاق النووي جزءاً من تلك الحملة التطهيرية. أمّا حين أظهرت إدارة الرئيس الجديد جو بايدن حماسة لإبرام اتفاق نووي، فإنّ إيران أظهرت تباطؤاً في التعامل مع العرض الأميركي وفي ظنّها أنّ في إمكانها أن تحصل على تنازلات تعوّضها عن الخسائر التي مُنيت بها نتيجة العقوبات التي فُرضت عليها أيام الرئيس ترامب.

كان ذلك غباء سياسياً لم تتوقّعه أوروبا باعتبارها شريكاً في الاتفاق النووي، وكانت في وقت سابق قد سعت إلى إمداد إيران بكلّ وسائل الإفلات من عنف وقسوة تأثير تلك العقوبات ولو جزئياً.

استعملت إيران لغة موارِبة حاولت أوروبا أن تفكّك ألغازها من غير جدوى. لقد وضعت إيران سياستها التفاوضية في خدمة أوهام تجمع بين خيال إمبراطوري فقير ومحاولة للوصاية العقائدية على شعوب في المنطقة. وهو ما جعلها تتصلّب في شروطها فيما كان عليها أن تعرف أنّ صبر الآخرين قد ينفد في أيّة لحظة، فلم تحتَط لإمكانية وقوع تحوّلات في الموقف السياسي الدولي قد تقلب الطاولة عليها.

يبدو أنّ إيران قد أخطأت في توقيتاتها التي جاءت متأخّرة مقارنة بالزمن الافتراضي الذي تعمل وفقه ساعات الآخرين

كان في خلفيّة المشهد التفاوضي ما يمكن اعتباره جانباً خفيّاً. فإيران التي لا تزال تهدّد بالتحوّل إلى دولة نووية فاتها أنّ لدى الولايات المتحدة المعلومات التي تؤهّلها لتحديد المستوى الذي وصل إليه البرنامج النووي، وهل يشكّل ذلك المستوى خطراً أم ما يزال في طور الممارسات التقنية التي يمكن أن تشير إلى تقدّم علمي غير أنّها لا تمهّد لبلوغ مرحلة إنتاج السلاح النووي؟

لقد توهّمت إيران أنّ في إمكانها أن تستغبي الجميع، بمن فيهم الولايات المتحدة. لم يكن ذلك غريباً على طريقة النظام الإيراني في التفكير، وهي طريقة دفعت الأوروبيين إلى الشعور بالملل، فكانت مفاوضات فيينا الفرصة الأخيرة قبل أن يُغلق ذلك الملفّ.

إيران لن تتنازل إلا بالقوّة

لم تكن إيران تفاوض على إمكانية السماح لها بالدخول إلى النادي النووي. في المقابل كان الأميركيون والأوروبيون على يقين من أنّها غير مؤهّلة لبلوغ تلك المرحلة. ما كان الاثنان يرومان الوصول إليه هو الاتفاق على الحدّ الأدنى من تقييد السلوك السياسي والعسكري الإيراني في المنطقة. وهو ما كانت إيران تماطل في التفاوض عليه. تلك عقدة إيرانية لم تكن لتُحلّ عن طريق المفاوضات. فمن المستبعد بالنسبة إلى مَن تشكّلت لديه خبرة بنظام الملالي أن لا يكون متأكّداً من أنّ ذلك النظام لن يتخلّى عن مكتسباته السياسية إلا عن طريق القوة. وهو ما دفع بالولايات المتحدة إلى أن تفرض عقوباتها بعدما صار واضحاً لها أنّ إيران اتّخذت من الاتفاق النووي وسيلة للابتزاز بعدما كافأها الرئيس الأسبق باراك أوباما بطريقة مريبة.

إقرأ أيضاً: إيران تطلق النار على هوكستين: مهمّته مشبوهة!

يبدو أنّ إيران قد أخطأت في توقيتاتها التي جاءت متأخّرة مقارنة بالزمن الافتراضي الذي تعمل وفقه ساعات الآخرين. فبعدما نفد صبر الولايات المتحدة وشعر الأوروبيون باليأس من إمكانية الوصول إلى لغة مشتركة للتفاهم، ها هما دولتان رئيستان في المنطقة، وهما المملكة العربية السعودية وإسرائيل، تتوصّلان إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، كلّ على حدة، يُلزمها بوضع حدّ نهائي للبرنامج النووي الإيراني. في سياق ذلك الالتزام قد لا يكون هناك اتفاق نووي جديد، ولن تجرؤ إيران على الاستمرار في التهديد بتطوير برنامجها النووي وصولاً إلى إنتاج السلاح النووي. فحين تصل المواجهة إلى مرحلة يشعر فيها النظام الإيراني بأنّ الولايات المتحدة جادّة في توجيه ضربة له قد تؤدّي إلى سقوطه، فإنّه سيعيد النظر في كلّ خططه، ولا بدّ أن يكون التخلّي عن مستعمراته أولى الخطوات من أجل درء الخطر الذي صار مؤكّداً.