الحزب: الأولويّة للترسيم لا للرئاسة!

الحزب: الأولويّة للترسيم لا للرئاسة!

إيلي القصيفي - الجمعة 05 آب 2022

المفارقة في السباق إلى رئاسة الجمهورية حتّى الآن أنّ الاهتمام به يتقدّم عند أطراف داخلية غير حاسمة فيه أكثر من تقدّمه عند أطراف مؤثّرة جدّاً في اتّجاهاته، وبالتحديد حزب الله. هكذا يزور رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الرئيس نبيه برّي في زيارة رئاسية الطابع في الشكل، من حيث الحضور من جانبَيْ "المردة" وحركة "أمل"، وفي المضمون، من حيث إعلان فرنجية "أنّنا والرئيس برّي فريقٌ واحد". وهو موقف يذكّر بالمعركة الرئاسية في العام 2016 لناحية تأييد برّي لفرنجية وامتناعه عن التصويت للرئيس ميشال عون. لكن أبعد من ذلك فإنّ كلام فرنجية يعني ما يعنيه بالنسبة إلى التوازنات الجديدة في البرلمان الوليد، والأهمّ أنّه يرسم ملامح المعركة الرئاسية المقبلة إذ يعبّر عن تصميم زعيم "المردة" على خوضها حتّى النهاية، وبذلك فإنّه وبرّي يحاولان وضع الحزب أمام أمر واقع معيّن.

من جانبه يتفنّن رئيس التيّار الوطني الحرّ جبران باسيل في ألاعيبه الإعلامية والسياسيّة محاولاً، من جهة، تتفيه خصومه الرئاسيّين، وبالأخصّ فرنجية، من خلال القول إنّه لا يرى مبرّراً لتأييد ترشيحه، ومن جهة ثانية فهو يعمل على توضيح خصوماته السياسيّة، سواء مع الرئيس نجيب ميقاتي الذي يحاول توريطه في ملفّ الكهرباء والمازوت الإيراني، أو مع الرئيس برّي من خلال تشكيكه في إدارة الأخير للجلسة التشريعية الأخيرة بدءاً بجدول أعمالها. ومن المتوقّع أن يزيد باسيل في وتيرة هجومه على برّي، ولو بطريقة غير مباشرة، بعد موقف فرنجية الأخير من عين التينة. فلطالما اعتمد "التيار الوطني الحرّ" استراتيجية هجومية عشيّة الاستحقاقات المهمّة كدليل على موقعه المهمّ ضمن المعادلة السياسية، وأحياناً كتعويض عن هشاشة هذا الموقع.

حزب الله لم يَقُل كلمته في الاستحقاق الرئاسي بعد، وهو لن يقولها في القريب العاجل، لا لأنّه مربكٌ في الاختيار بين حليفَيْه فرنجية وباسيل، بل لأنّ أولويّته الآن ليست الانتخابات الرئاسية، بل ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل

أمّا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع فقد كان إلى وقت قريب يقارب الإستحقاق الرئاسي بشيء من الحذر متحفظاً عن كشف أي من أوراقه الرئاسية، باستثناء إعلانه تأييد قائد الجيش ميشال عون للرئاسة الأولى "إذا تبيّن أن حظوظه متقدّمة"، وهو إعلان أقرب إلى المناورة المحسوبة.  لكن من الواضح أن جعجع قرّر الخروج من دائرة الحذر هذه والخوض مباشرة في الاستحقاق الرئاسي معلناً أنه مرشّح طبيعي للرئاسة لكن ترشحه يتوقّف على وحدة المعارضة، ورافضاً وصول مرشح توافقي. علماً أن بعضاً من رفاق جعحع القدامى يقول إنّ طبعه يجعله يخوض الإستحقاق الرئاسي بوصفه مرشحاً جدّياً، أي أنّه يملك حظوظ الوصول إلى قصر بعبدا. لكن حتّى لو اتّسم الرجل بواقعيّة أكبر فهو مضطّر إلى خوض معركة الرئاسة بكامل قوتّه حفاظاً على موقعه ضمن المعادلة السياسية، وبالأخصّ في الوسط المسيحي. وهو ما أكدّه مضمون كلامه أمس باعتبار أن اعلانه ترشيحه مقروناً بدعوته احزاب وقوى المعارضة إلى الاجتماع والتنسيق فيما بينها للاتفاق على اسم واحد للرئاسة يعبّر بوضوح عن خوضه هذه المعركة بوصفه يسعى لأن يكون مرشح المعارضة ضدّ مرشّح حزب الله للرئاسة. أي أنه يحاول فرض أمر واقع على هذه المعارضة قبل الآخرين.

وكان مضمون ردّ النائب ستريدا جعجع على رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط قد دلّ مبكراً على هذا التوجه القواتي. إذ ذكّرت جعجع جنبلاط بأنّ الإستحقاق الرئاسي يعني المسيحيين أولّا لأنّه يخصّ المركز الأوّل العائد لهم في الدولة. كما ذكّرته أنّ اتخاذ موقف سلبي من ترشّح جعجع لا يأخذ في الاعتبار التمثيل الشعبي الواسع الذي حازته القوّات في الانتخابات النيابية الأخيرة، وفي الحالتين فإنّ النائب جعجع حاولت في بيانها التأكيد أنّه لا يمكن تجاوز رئيس القوات في السباق إلى قصر بعبدا.

كذلك فإنّ قائد الجيش يتقدّم أكثر باتّجاه الغوص في المعركة الرئاسية، لكن على عادة قادة الجيش فإنّ ذلك يتمّ بخطوات وعبارات مدروسة. وليست قليلة الدلالة في هذا السياق مطالبة العماد عون في مناسبة عيد الجيش، باجتراح الحلول السياسية لإنقاذ البلاد ومنعها من الانهيار، وهو موقف يلاقي طروحات قديمة جديدة مفادها أنّ "الجيش هو الحلّ"، بمعنى أنّ انتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية يشكّل خطوة مضمونة باتجاه الخروج من الأزمة، ولا سيّما أنّ انتخابه يُخرج البلد من صراع المحاور أو يفرض هدنة مؤقّتة بينها.


اعتبارات الحزب

كلّ هذا وحزب الله لم يَقُل كلمته في الاستحقاق الرئاسي بعد، وهو لن يقولها في القريب العاجل، لا لأنّه مربكٌ في الاختيار بين حليفَيْه فرنجية وباسيل، بل لأنّ أولويّته الآن ليست الانتخابات الرئاسية، بل ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل. وهذا ما يؤكّده كلام أمينه العامّ حسن نصرالله عن أنّ حزب الله سيدعم المرشّح المناسب للرئاسة، وهو بذلك يدفع حسمَ هذه المسألة إلى مواعيد لاحقة قد تدنو أو تبعُد بحسب تطوّرات ملفّ الترسيم وبحسب الظرف الإقليمي والدولي، وبين الأمرين صلة أكيدة.

المفارقة في السباق إلى رئاسة الجمهورية حتّى الآن أنّ الاهتمام به يتقدّم عند أطراف داخلية غير حاسمة فيه أكثر من تقدّمه عند أطراف مؤثّرة جدّاً في اتّجاهاته، وبالتحديد حزب الله

في الواقع تتجاوز أهمّيّة ملف ترسيم الحدود البحرية جنوباً بالنسبة إلى الحزب الاعتبارات اللبنانية لجهة أنّ استخراج الغاز من بحر الجنوب في أقرب وقت ممكن يعدّ مكسباً استراتيجياً للبنان، إذ ينقذه من الغرق أكثر في بحر الانهيار الاقتصادي. طبعاً حزب الله مهتمّ بتحوّل لبنان "دولة نفطية" كما كان قد وعد جبران باسيل منذ سنوات (!)، خصوصاً أنّ دخول الحزب على خطّ المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، سواء بالموقف أو بالمبادرة العملانية من خلال إرسال المسيّرات والتهديد بعمليّات أخرى وصولاً إلى شلّ الملاحة في البحر الأبيض المتوسّط في حال هُضمت حقوق لبنان، كلّ ذلك يخوّل الحزب لأن يقول لاحقاً إنّه هو لا سواه من أمّن للبنان استخراج غازه، ولولاه لكانت إسرائيل أكلت حقّ لبنان بالتواطؤ مع أميركا.

لكنّ الأهمّ بالنسبة إلى الحزب في هذا الملفّ أنّ "محور المقاومة" يحاول أن يجعل من معركة الغاز مع إسرائيل معركة استراتيجية، أي أنّه يسعى إلى إدخال الصراع على الغاز مع إسرائيل وأميركا في دائرة الصراع الكلّي معهما في سائر المنطقة. لا بل إنّ هذا المستوى من الصراع يتقدّم الآن بين مستويات الصراع الأمنيّة والعسكرية بين هذه الأطراف. وليس أقلّ دلالة على ذلك من المحاولات التحفيزية لـ "فصائل المقاومة" في غزّة لاستنساخ معادلة "الغاز بالغاز" في بحر القطاع، بحيث تمنع هذه الفصائل إسرائيل من استخراج الغاز في هذا البحر في حال لم تحصل على حصّتها منه. وهو موضوع تزيد في تعقيداته الإحاطة الإقليمية بالقطاع والاتفاقات السابقة بشأن النفط بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، لكن من الواضح أنّ "محور المقاومة" يحاول تعديل قوانين اللعبة هناك.

معادلة جديدة

هذه معادلة جديدة في المنطقة لم تتبلور معالمها كلّها بعد، لكن لا يمكن إغفالها في أيّ قراءة للتطوّرات في لبنان ومن حوله، ولا سيّما أنّ حزب الله معنيّ بشكل أساسي بتكريس هذه المعادلة لأسباب لبنانية، وقد ألزم نفسه بسقف محدّد في ملف الترسيم البحري مع إسرائيل، وبالتالي لا يمكنه التراجع عنه بأيّ شكل من الأشكال، ولأسباب فلسطينية أيضاً بوصفه الذراع الأساسية لإيران في المنطقة، ولذلك فهو ملزمٌ بمؤازرة الفصائل الفلسطينية الموالية لها في غزّة. وهو ما أكّده نصرالله أخيراً عندما كشف عن غرفة عمليات مشتركة بين الحزب والحرس الثوري الإيراني وهذه الفصائل خلال معركة "سيف القدس". مع الأخذ في الاعتبار أنّ إثارة "الربط الغازيّ" بين غزّة ولبنان قد تكون من باب الضغط على إسرائيل لدفعها إلى التنازل على الحدود مع لبنان.

إقرأ أيضاً: إيران تطلق النار على هوكستين: مهمّته مشبوهة!

إلى أن تتّضح اتجاهات الأوضاع في المنطقة فإنّ ملف رئاسة الجمهورية وُضع في الثلّاجة وإن أظهرت حركة المرشّحين ومواقفهم حماوة المعركة؛ فقواعد الإنتخابات الرئاسية لا توضع بين بنشعي والبترون ومعراب واليرزة وبكركي، بل في أماكن أبعد بكثير قد تكون الرياض أو طهران أقربها، وربّما باريس التي تستعدّ للعب أدوار جديدة قديمة في المنطقة. ذلك مع الأخذ في الاعتبار أنّ تعقيدات المسارات الإقليمية والدولية في المنطقة لا تطال بيروت وحسب بل تلك العواصم المؤثرة فيها أيضاً، وهو أمر قد يدفع البحث الجدّي في الرئاسة اللبنانية إلى مواعيد تتجاوز المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد!