ضمانة أميركيّة مكتوبة لعائدات قانا مع الـ23 مستقيماً؟

ضمانة أميركيّة مكتوبة لعائدات قانا مع الـ23 مستقيماً؟

وليد شقير - الجمعة 05 آب 2022

سيكون حقل قانا كاملاً للبنان، وخطّ الترسيم هو الخطّ 23. هذا ما بات معروفاً. لكنّ الجديد أنّ الجانب الأميركي وعد بتقديم ضمانة مكتوبة بأن يحصل لبنان على كلّ عائدات حقل قانا كاملاً، من دون أيّ مقابل لإسرائيل، لا في البلوك 8 ولا في أيّ مكان آخر. كما أنّ الترسيم سيكون مستقيماً بلا تعرّجات. وأميركا ستضمن خطيّاً للبنان حقوقه في قانا، ضمن نصّ الاتفاق المحتمل أن يتمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية. وذلك باعتبار أنّ الجزء الأكبر والأساسي من هذا الحقل يقع تحت السيادة اللبنانية، حتى لو كان الجزء الصغير منه يقع تحت السيادة الاسرائيلية.

الضمانة ستكون جزءاً من الاتفاق الذي سيوقّع على محضره الفرقاء الذين سيحضرون مفاوضات الناقورة: لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة. وقد اتفق الرؤساء الثلاثة على إبقاء هذا الاتفاق سريّاً، بانتظار الحصول على الجواب من هوكستين نفسه، قرابة منتصف شهر آب الجاري.

لهذا السبب قال نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب لـ"LBC" الثلاثاء الماضي إنّ "قصّة الخطّ المتعرّج غير مطروحة أصلاً، ومن قال إنّنا نقبل به؟ ولبنان متمسّك ببلوكاته كما رسّمها هو وليس كما رسّمها الآخرون".

كان كلام بوصعب ردّاً على طلب إسرائيل الحصول على تعرّج مقابل للتعرّج الذي نقله هوكستين من الجانب اللبناني، بحيث تحصل على جزء من البلوك الرقم 8 الواقع في عمق البحر في المنطقة القريبة من مثلّث الحدود البحرية اللبنانية-القبرصية-الإسرائيلية. رفض لبنان هذه الفكرة بالكامل، ورفض أيضاً المخرج الذي اقترح أن تتولّى شركةُ تنقيبٍ توزيعَ عائدات الاستخراج من هذا البلوك. وهذه اقتراحات صُرِف النظر عنها أصلاً منذ زيارة هوكستين منذ شهر تشرين الأول الماضي.

هناك عاملاً سياسياً يفرض التوصّل إلى اتفاق في أيلول، وهو قرب نهاية ولاية الرئيس عون، فإذا تأخّر إنجاز الاتفاق، وحصل فراغ رئاسي، أو إذا تأخّر حتى انتخاب رئيس جديد، فإنّ التأخير سيكون مضاعفاً لأنّ وقتاً إضافياً سيُستهلَك حتّى يمسك الرئيس الجديد بالملف

اقتراح الخطّ المتعرّج قبل زيارة هوكستين في حزيران

 لمن يتذكّر، فإنّ هوكستين، خلال زيارته في حزيران الماضي إلى لبنان، ظهرت صورة له أثناء اجتماعه برئيس الجمهورية العماد ميشال عون في بعبدا، الذي كان يُطلعه على خريطة قيل في حينها إنّها تضمّنت اقتراحاً لبنانياً يقوم على اعتماد الخط 23 +، أي رسم هذا الخطّ مع تعرّج نصف دائري عند حقل قانا يتخطّى هذا الخط جنوباً (شمالاً من الجهة الإسرائيلية) نحو المنطقة العائدة لإسرائيل لضمان حصول لبنان على كامل حقل قانا. وهذه المساحة-النتوء تشكّل 30 في المئة من المساحة الكاملة المفترضة في قاع البحر لحقل قانا. فهل تخلّى لبنان عن هذا المخرج الذي كان من ضمن خياراته لمعالجة الخلاف على هذا الحقل؟

التعرّج المقابل لإسرائيل

لم يسلّم الرئيس عون الخريطة لهوكستين، واكتفى بطرح الاقتراح عليه. ولم يعلن أيّ مسؤول لبناني مفاوض رسمياً أنّ لبنان اقترح خطّاً متعرّجاً، لأنّ من المبادئ التي اتفق عليها الرؤساء عون ونبيه برّي ونجيب ميقاتي ومعاونوهم المشاركون في تفاصيل التفاوض، الامتناع عن تسليم أيّ اقتراح مكتوب من الجانب اللبناني لهوكستين، تحسّباً لأيّ التزام أو إلزام، من أجل الإبقاء على هامش المناورة والرفض (التراجع) لاقتراح شفهيّ ما، في حال فشلت المفاوضات. وقد اتفقوا على الامتناع عن كشف الاقتراحات اللبنانية رسميّاً، وإحكام طوق السرّيّة حول المداولات. لذلك اقتصر الحديث عن الخطّ المتعرّج على بعض التسريبات من هنا أو من هناك. وشملت التسريبات القليلة الكلام عن أنّ هناك خياراً آخر لم يُكشف عنه.

تكتيك التفاوض والسريّة

اقتضى "تكتيك" التفاوض والاقتراحات بدايةً إبقاء تعديل المرسوم 6433 من أجل اعتماد الخطّ 29 معلّقاً، والقول إنّه خطّ تفاوضيّ، قبل أن يجاهر المسؤولون بأنّهم قرّروا اعتماد الخط 23. على الرغم من أنّ الفريق الرئاسي اللبناني حاول أن يستغلّ هذا التكتيك من أجل محاولة يائسة لمبادلة التخلّي عن الـ29 برفع العقوبات الأميركية عن رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل.

اقتضى أيضاً غلاف السرّيّة أن يعلن الرئيس برّي أنّ اتفاق الإطار الذي أعلنه في الأول من تشرين الأول 2020 لا يتضمّن أيّ حديث عن خطوط أو مساحات، على الرغم من أنّ المقصود بهذا الاتفاق هو الذهاب إلى الناقورة من أجل استكمال حصول لبنان على كامل مساحة الـ860 كيلومتراً مربعاً وعدم الاكتفاء بخط "هوف" الذي كرّس حقّ لبنان بـ56 في المئة منها. وقد نجح برّي في اتصالات بعيدة من الأضواء في الحصول على معظم ما تبقّى على أن يتمّ حسم الجزء الذي لم يكن قد حُسِم في الناقورة. هذا واقتضت السرّيّة من ميقاتي ألا يجيب على أيّ من استفسارات الصحافيين عن الأفكار اللبنانية مكتفياً بالحديث عن تقدُّم، وتطلّبت من وزير الخارجية عبد الله بوحبيب أن يقول كلّما سُئل: "لن أدخل في التفاصيل".

 

لا سند قانونيّاً للمتعرّج

أبقى تكتيك التفاوض على خيار الخط المستقيم مع الضمانات الأميركية المكتوبة في نصّ الاتفاق طيَّ الكتمان.

أمّا لماذا جرى استبدال صيغة الخطّ المتعرّج بصيغة الخط المستقيم للخط 23 مع الضمانات الأميركية فيعود لأسباب عدّة، منها:

- أن لا وجود للخطوط المتعرّجة في رسم الحدود البحرية، بمعنى أن لا سند قانونيّاً لها، لأنّ الإحداثيّات تُرسم خطوطاً مستقيمة وفق الآليّة العلمية، على الرغم من أنّ هوكستين الخبير في هذا المجال كان اقترح الخطّ المتعرّج بعدما فهم أنّ المفاوض اللبناني لا يمانع تبنّيه.

- أن خبيراً لبنانياً قال لـ"أساس" إنّ رسم الحدود شيء وحجم الحقول النفطية والغازية التي تقع تحت الماء، وتحت الخطوط الحدودية، شيء آخر. فالحقول التي تتخطّى الخط الحدودي البحري وتكون مشتركة مع المساحة العائدة لدولة أخرى لها قوانين وأصول للتعاطي معها بين الدولتين اللتين تتشاركان فيها مختلفة عن قوانين رسم الخط الحدودي، وكلّ حالة من هذا النوع تتطلّب تفاوضاً للتقاسم، أو لتوزيع الأرباح. وهذا ما هو حاصل بين قطر وإيران، وبين السعودية والبحرين والإمارات، وبين الكويت والعراق إلخ... ولا يمكن اكتشاف تداخل الحقول عند الحدود إلا عند التنقيب والاستكشاف ثمّ الاستخراج. ولبنان قد يكتشف بعد هذه المراحل حقلاً أو أكثر غير قانا، متداخلاً مع المساحة العائدة لإسرائيل، أو مع المساحة العائدة لقبرص، أو المساحة العائدة لسوريا. وترتيب العائدات يحتاج إلى تفاوض في هذه الحال.

- بعد رفض لبنان التعرّج الذي يعطي إسرائيل مقابلاً للمساحة التي يحصل بموجبها على كامل قانا، اقترح هوكستين أن يعطي لبنان جزءاً من عائدات حقل قانا المحتملة بعد التنقيب والاستخراج في حال جرى اكتشاف كميّات من الغاز والنفط، تكون تعويضاً لها عن ثروة في حقل يقع جزءٌ منه تحت السيادة الإسرائيلية (compensation). وهذا رفضه لبنان بحجّة أنّ التطبيع من أيّ نوع خطٌّ أحمر.

الـ23 مستقيماً مع ضمانة أميركا لعائدات قانا كاملة

أصرّ لبنان على خيار الخط 23 مستقيماً بلا تعرّج مع الضمانات الأميركية المكتوبة، لأنّه يغنيه عن الدخول في سجال حول إعطاء مقابل للجانب الإسرائيلي، سواء كان جغرافياً أو ماليّاً، ويجنِّبه أيّ احتمال للتطبيع أو للتنازل عن كامل الخط 23 وعن أيّ جزء من البلوك الرقم 8. وهذا ما حمله هوكستين إلى إسرائيل ليل الثلاثاء الماضي، وسط اقتناع لبناني بأنّ الجانب الأميركي قادر على إقناع القادة الإسرائيليين لأنّ الضمانة تأتي منه. وما أشاع أجواءً من التفاؤل، سواء على لسان هوكستين أو في التسريبات اللبنانية، مع الاستدراك بأنّ الأمور "فيفتي فيفتي"، في انتظار الحصول على الجواب من هوكستين نفسه، قرابة منتصف شهر آب.

إقرأ أيضاً: سرّيّة وإيجابيّة مُفرطة: الترسيم البحريّ "يَغزُل بأرضه"!

لا حاجة إلى التكرار أنّ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تعطي أولويّة لإنجاح هذه المفاوضات من أجل استخراج الغاز من حقل "كاريش" لسدّ جزء من النقص في إمدادات الغاز الروسي لأوروبا بسبب تداعيات العقوبات على موسكو بعد حرب أوكرانيا، وإسرائيل أيضاً لها الأولوية نفسها، وأنّ حسم مسألة الحدود يعطي أملاً للّبنانيين بإمكان معالجة جزء من أزمتهم الاقتصادية الخانقة في الطريق الطويل الذي عليهم سلوكه في تلك المعالجة أو في التنقيب عن الغاز.

لكنّ هناك عاملاً سياسياً يفرض التوصّل إلى اتفاق في أيلول، وهو قرب نهاية ولاية الرئيس عون، فإذا تأخّر إنجاز الاتفاق، وحصل فراغ رئاسي، أو إذا تأخّر حتى انتخاب رئيس جديد، فإنّ التأخير سيكون مضاعفاً لأنّ وقتاً إضافياً سيُستهلَك حتّى يمسك الرئيس الجديد بالملف من أجل إنجاز المفاوضات.

ختاماً يقول أحد الخبراء: يبقى أن نعرف ماذا يحتوي حقل قانا. فهو حتّى الآن سمك في البحر.