الحزب في "طوره السابع": استراتيجية "لبنان أوّلاً"

الحزب في "طوره السابع": استراتيجية "لبنان أوّلاً"

قاسم قصير - الجمعة 05 آب 2022

في أجواء الإحياء المستمرّ للذكرى الأربعين لتأسيس حزب الله يتّجه الحزب إلى اعتماد استراتيجية جديدة ترتكز على قاعدة: لبنان أوّلاً.

تتمثّل هذه الاستراتيجية في انخراط الحزب الكامل في الملفّات اللبنانية من معركة ترسيم الحدود البحرية إلى معركة رئاسة الجمهورية المقبلة، وصولاً إلى خوض معركة الفساد وإصلاح النظام اللبناني، ويترافق ذلك مع تراجع الدور الإقليمي للحزب في ظلّ استمرار الهدنة في اليمن، ودخول العراق في معارك داخلية يحرص الحزب على الابتعاد عنها، وصولاً إلى تقليل الحضور العسكري والميداني في سوريا إلى الحدّ الأدنى مقارنة بدوره في السنوات العشر الأخيرة. وذلك بسبب التطوّرات الميدانية والحضور الإيراني والروسي المباشر والسعي الإيراني للوصول إلى حلول سياسية للأزمة السورية.

طبعاً يستمرّ حضور الحزب القويّ في إطار "محور المقاومة" ودعم المقاومة الفلسطينية والتعاون والتنسيق مع قوى المقاومة في المنطقة، لكن يبدو أنّ أولويّة الملفّ اللبناني اليوم تتقدّم على بقيّة الملفّات، مع سعي الحزب إلى استثمار علاقته الاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أجل تطوير دوره اللبناني وتوفير ما أمكنه من الفيول والمازوت والكهرباء وبقيّة الخدمات الأساسية عبر برامج وضعها خلال السنتين الأخيرتين. وإن كانت لم تحقق النتائج المرجوة منها.

الخروج من لبنان والتحوّل إلى قوة إقليمية بعد الثورات الشعبية والأزمة السورية والتطوّرات في اليمن والبحرين والعراق، والمشاركة الفاعلة في أوضاع المنطقة وتشكيل محور المقاومة

الطور السابع

الاستراتيجية الجديدة للحزب، في حال اعتُمدت نهائياً في الوثيقة الجديدة التي قد تُعلَن في نهاية الاحتفالات التي يقيمها الحزب في الذكرى الأربعين لتأسيسه، ستكون السابعة بعد مروره في ستّ محطّات استراتيجيّة منذ تأسيسه إلى اليوم، وهي على الشكل التالي:

- أوّلاً: استراتيجية التأسيس والعمل الجهادي والمقاوم منذ حزيران 1982 حتى الإعلان عن الرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985، التي اعتمدت على العمل السرّي وعمليّات المقاومة بعيداً عن أيّ حضور إعلامي أو سياسي، والتركيز على مواجهة العدو الصهيوني والنظام اللبناني والأميركيين والفرنسيين.

- ثانياً: استراتيجية المواجهة الشاملة بين العام 1985 والعام 1989 عند توقيع اتفاق الطائف، التي تمثّلت في الدمج بين العمل المقاوم والعمل السياسي والإعلامي والشعبي من خلال الإعلان عن الرسالة المفتوحة وإطلاق المشروع السياسي القائم على تبنّي ولاية الفقيه وخوض المعركة المستمرّة في مواجهة المشروع الصهيوني – الأميركي والنظام الكتائبي، وتمثّلت أيضاً في تصعيد العمل العسكري مع الحضور الشعبي عبر التظاهرات والاحتفالات والعمل الإعلامي والصراع مع حركة أمل لتأكيد الحضور السياسي والشعبي.

- ثالثاً: استراتيجية التكيّف مع اتفاق الطائف وتداعياته وبدء الدخول في النظام اللبناني، وذلك من العام 1989 حتى العام 2000، وكان الهدف استيعاب التطوّرات الداخلية والخارجية بعد وقف الحرب العراقية- الإيرانية وسقوط الاتحاد السوفياتي وتوقّف الحرب في لبنان وعودة مؤسّسات الدولة اللبنانية بكلّ تمثّلاتها. وجرى خلال هذه المرحلة الدمج بين العمل المقاوم والعمل السياسي من داخل النظام اللبناني من دون الانخراط الكامل فيه، والابتعاد عن الصراعات الداخلية، والاكتفاء بالعمل النيابي والمشاركة في الانتخابات البلدية مع حضور ضعيف في مؤسّسات الدولة الأخرى، وصولاً إلى تحقيق التحرير شبه الكامل للجنوب اللبناني.

في أجواء الإحياء المستمرّ للذكرى الأربعين لتأسيس حزب الله يتّجه الحزب إلى اعتماد استراتيجية جديدة ترتكز على قاعدة: لبنان أوّلاً

 

- رابعاً: استراتيجية ما بعد التحرير من العام 2000 حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، والهدف منها الحفاظ على استمراريّة عمل المقاومة في مزارع شبعا وعدم التخلّي عن سلاح المقاومة ودعم النضال الفلسطيني والإعداد لأيّة مواجهة جديدة مع العدو الصهيوني، مع العمل لفتح أوسع حوار مع المكوّنات اللبنانية لاستيعاب المتغيّرات الدولية والداخلية ومواجهة الحملة على الدور السوري ومواجهة القرار 1559.

- خامساً: استراتيجية الانخراط الكامل في النظام اللبناني والمشاركة في العمل الحكومي واستيعاب تداعيات الخروج السوري من لبنان، وذلك بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسقوط حكومة الرئيس عمر كرامي وتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الأولى، ثمّ إقامة الحلف الرباعي وخوض الانتخابات النيابية في العام 2005 وعقد اتفاق جديد مع قوى 14 آذار لإدارة البلاد. لكنّ هذا الاتفاق سقط بسبب الخلاف حول المحكمة الدولية. وهو ما دفع الحزب إلى التحالف مع التيار الوطني الحرّ عقب إبرام تفاهم مار مخايل، وجاءت حرب تموز 2006 لتطيح بالوضع الداخلي وتدفع الحزب إلى العمل على قلب الطاولة وإعادة تشكيل النظام اللبناني، من خلال أحداث السابع من أيار 2008 واتفاق الدوحة والاتفاق على الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة جديدة تضمن للحزب وحلفائه حقّ النقض الكامل لأيّ قرار والحضور القويّ داخل النظام. وتُوِّج ذلك بالوثيقة السياسية في العام 2009، وتبنّي الحزب مشروع إقامة الدولة القويّة العادلة.

- سادساً: الخروج من لبنان والتحوّل إلى قوة إقليمية بعد الثورات الشعبية والأزمة السورية والتطوّرات في اليمن والبحرين والعراق، والمشاركة الفاعلة في أوضاع المنطقة وتشكيل محور المقاومة. وقد بدأت هذه الاستراتيجية في العام 2011 واستمرّت بقوّة حتى العام 2019 إلى حين اندلاع الانتفاضة الشعبية في لبنان وانفجار مرفأ بيروت، وهو ما دفع الحزب إلى العودة مجدّداً إلى لبنان وأولويّاته من دون التخلّي عن الدور الإقليمي ومحور المقاومة.

إقرأ أيضاً: الحزب يستقبل هوكستين: مناورات عسكريّة وحشد شعبيّ

فهل نكون أمام استراتيجية جديدة يعتمدها حزب الله في هذه المرحلة تكون قائمة على قاعدة: لبنان أوّلاً، وتخفيف الحضور الإقليمي من دون أن يعني ذلك التخلّي عن دوره المقاوم وعن علاقاته مع قوى محور المقاومة. هذا ما ينبغي متابعته من خلال مواقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الأيام المقبلة في أثناء إحياء ذكرى عاشوراء ومع اختتام الاحتفالات بالذكرى الأربعين لتأسيس الحزب والذكرى السنوية لنهاية حرب تموز في الثالث عشر من شهر آب.