انتخب الرهبان.. فهل ينتخب السياسيّون؟

انتخب الرهبان.. فهل ينتخب السياسيّون؟

د. فادي الأحمر - الخميس 04 آب 2022

منذ أسابيع وبينما كنت أناقش أحد الرهبان الأصدقاء استحقاق انتخاب أب عامّ جديد للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة وأربعة مدبّرين، لفت انتباهي إلى أنّ الرهبان "يختارون" ولا ينتخبون. يختارون مَن يرونه الأفضل لإدارة شؤونهم الروحيّة والإداريّة. صحيح أنّ التسمية ذاتها والفعل نفسه، لكنّ المفهوم يختلف. ففي الرهبانيّة لا ترشيح ولا برامج انتخابيّة.

في نهاية ولاية السلطة الخارجة، تدعو هذه إلى مجمع عامّ انتخابيّ. وهذا ما حدث في بداية الأسبوع الفائت في جامعة الكسليك. على مدى ثلاثة أيام ناقش الرهبان شؤون الرهبانيّة الروحيّة والإداريّة والاقتصاديّة والماليّة... وما أصعبها في ظلّ الانهيار الحاصل. ويوم الجمعة (29 تموز) انتخبوا الأب هادي محفوظ، رئيس الجامعة السابق (2007-2016)، أباً عامّاً. وانتخبوا الآباء جورج حبيقة وميشال أبو طقة وجوزف القمر وطوني الفخري مدبّرين يعاونونه في إدارة الرهبانيّة. وهنا تعبير "يعاونونه" له مفهومه. فالسلطة في المؤسّسات الكنسيّة أبويّة. لذلك يُسمّى رئيس الرهبانيّة "أباً عامّاً"، وليس الرئيس العامّ. ويكون فعلاً "بيّ الكلّ" لمساعدة الكلّ في خلاص أنفسهم. ليس على غرار من ادّعى هذا الشعار منذ ستّ سنوات، فإذا به يلقي الكلّ في "جهنّم".

في انتخابات الرهبانيّة اللبنانيّة، كما في الانتخابات الكنسيّة عموماً، لا تأجيل للاستحقاق ولا تمديد للسلطة. القانون واضح. والالتزام به مقدّس

بيّ الكلّ... 6 سنوات

يتكرّر الاستحقاق الانتخابيّ الرهبانيّ كلّ ستّ سنوات. هنا لا تعطيل للاستحقاقات. ليس بين الرهبان مَن هو مستعدّ لتدمير كلّ شيء من أجل الجلوس على كرسي الرئاسة. ولا سطوة لسلاح غير شرعي، وسلاح الرهبان الوحيد: الالتزام بالرهبانيّة. ولولا هذا السلاح لما عمّرت هذه أكثر من 300 عام. فهي أُسّست في العام 1695، أي منذ عهد الإمارة. صحيح أنّها انقسمت في العام 1770 إلى رهبانيّتين: الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة (التي نتكلّم عن انتخاباتها) والرهبانيّة الحلبيّة (اسمها اليوم الرهبانيّة المريميّة المارونيّة)، لكنّ انقسامها كان "حبّيّاً"، كما يُقال باللبنانيّ. والسبب أنّ الرهبانيّة التي أسّسها شبّان أتوا من مدينة حلب، وانضمّ إليها العديد من أبناء الريف اللبناني، أصبح فيها بعض الاختلاف في مفهوم الحياة الرهبانيّة وإدارتها. وهذا ليس بالغريب. فالمؤسّسات الرهبانيّة، كما الكنيسة، بمفهومها ولاهوتها، إلهيّة وبشريّة، بحسب الإيمان المسيحي. هي إلهيّة لأنّ المسيحيّين يؤمنون أنّ الروح القدس يرعاها، كما وعدهم يسوع، وهي بشريّة لأنّ المؤتمَنين عليها بشر معرّضون للخطأ والخطيئة، لكنّ أخطاء الأفراد لا تدمّر المؤسّسات. ففي الكنيسة رهبانيّات أُسّست في زمن الإمبراطوريّة القديمة. زالت هذه وبقيت تلك. ومثال على ذلك: رهبانيّة مار مبارك في أوروبا (أُسّست في القرن السادس) والرهبانيّة اليسوعيّة (أُسّست في القرن السادس عشر).

في انتخابات الرهبانيّة اللبنانيّة، كما في الانتخابات الكنسيّة عموماً، لا تأجيل للاستحقاق ولا تمديد للسلطة. القانون واضح. والالتزام به مقدّس. مرّة واحدة تمّ تمديد ولاية رؤساء الأديار. كان ذلك في العام 1980. حينذاك طلب الأب العامّ المنتخَب بولس نعمان استمرار الرؤساء في مهامّهم لمدّة سنة. والسبب كان قاهراً: الحرب.

اعتدنا في لبنان أن ينتظر النواب اسم الرئيس العتيد من الخارج الإقليميّ أو الدوليّ لينتخبوا. في الانتخابات الرهبانيّة لا تدخّلات خارجيّة. وفي كلّ مرّة يشعر الرهبان بتدخّل قوى من خارج الرهبانيّة في انتخاباتهم يقومون بردّ فعل معاكس وقويّ. أمّا تدخّل الفاتيكان في بعض الأحيان فهو قانونيّ. فالرهبانيّة اللبنانيّة، كما الرهبانيّتين المريميّة والأنطونيّة، حبريّة، أي خاضعة لسلطة الحبر الأعظم مباشرة. وفي كلّ الأحوال، حين يتدخّل هذا الأخير يحترم إرادة الرهبان لاختيار سلطتهم الرهبانيّة، كأن يطلب منهم اختيار اسمَين لكلّ منصب في السلطة الرهبانيّة الجديدة، بدل اسم واحد، فيكون الانتخاب أشبه باستفتاء، وغالباً ما يختار الحبر الأعظم مَن نال الأكثريّة.

ليس بين الرهبان مَن هو مستعدّ لتدمير كلّ شيء من أجل الجلوس على كرسي الرئاسة. ولا سطوة لسلاح غير شرعي

سياسيون لا ينتمون للبنان

درجت العادة، بعد انتخاب الأب العامّ، أن يعمد الرهبان إلى انتخاب مدبّرين عامّين يشكّلون معه فريق عمل متجانساً. مجلس المدبّرين العامّين، الذي هو بمنزلة "السلطة التنفيذيّة" في الرهبانيّة، كالحكومات التوافقيّة اللبنانيّة التي هي تعطيليّة وأبعد ما تكون توافقيّة.

في الزمن السوري اعتاد اللبنانيون التمديد خلافاً للدستور. وفي زمن حزب الله اعتادوا تعطيل الاستحقاقات. ولا حاجة إلى تعداد أشهر وسنوات التعطيل الكارثيّة التي سبّبتها اعتصامات ومقاطعات وسياسات الحزب وحليفه الجنرال المتقاعد، تارةً لحماية السلاح، وطوراً "كرمال عيون الصهر". والأخطر هو ما يجري اليوم. لا حكومة جديدة قبل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، ولا ضمانات بإجراء الاستحقاق في موعده. من جديد ستدخل البلاد في المجهول القاتل، لكن هذه المرّة ليس بسبب حرب تحرير فاشلة وحرب إلغاء عبثيّة، بل حرب جوع أسوأ من التي تعرّض لها أهالي جبل لبنان في زمن جمال باشا "السفّاح"، وربّما تُضاف إليها "حرب لو كنت أعلم" ثانية. وستكون مهمّة إدارة الرهبانيّة ومؤسّساتها التربويّة والاستشفائية والزراعية أصعب بكثير على السلطة الرهبانيّة الجديدة.

إقرأ أيضاً: المطران الحاج: مسيرة العائلة على خطى مار شربل..

أثناء كتابتي هذا المقال اتّصل بي صديق فقلت له إنّي أكتب عن انتخابات الرهبانيّة في زمن الانتخابات اللبنانيّة، فقال لي: لا يمكن المقارنة، فأجبته: ولكنّ الرهبانيّة هي إحدى مؤسّسات المجتمع اللبنانيّ. واسمها "الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة". وأفرادها من هذا المجتمع. الفرق في أنّ لدى الرهبان شعوراً بالانتماء إلى رهبانيّتهم، وأنّهم ملتزمون بها وبالإنسان فيها، فيما السياسيون، بعض السياسيّين، لا ينتمون إلى لبنان، ولا يأبهون لموت الإنسان فيه.

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانية