الجوع والذهب.. السودان عند مفترق الطرق؟

الجوع والذهب.. السودان عند مفترق الطرق؟

أحمد المسلماني - الأربعاء 03 آب 2022

لا يكفى الراتب إلّا لأسبوع واحد، ويعمل أطبّاء ومهندسون على سيارات الأجرة ليلاً لمواجهة الارتفاع اللانهائي في الأسعار، ونشر شخص مقطعاً مصوّراً يقول فيه إنّه عقيد في الجيش السوداني ويعمل سائق أجرة بعد انتهاء ساعات عمله الرسمية لمواجهة الغلاء.

هكذا تبدو طبيعة الأخبار الآتية من السودان في عام 2022.

إخوان فاشلون

حكمت جماعة الإخوان المسلمين السودان ثلاثة عقود كاملة. في عام 1989 نفّذت الجماعة بقيادة الدكتور حسن الترابي انقلاباً عسكرياً تولّت على أثره السلطة لمدّة ثلاثين عاماً انتهت عام 2019.

في تلك السنوات الطويلة تنافس الترابي والبشير. انقسم الإخوان على أنفسهم، وتصارعوا فيما بينهم على الثروة والسلطة، تاركين البلد الغنيّ بالموارد بعد ثلث قرن بلا مال أو طعام.

انقسمت الدولة في عهد الإخوان، وفقدت الخرطوم النفط الذي يتركّز في الجنوب، وإذا بالسودان بعد انفصال الجنوب يواجه مشاريع انفصالية في الشرق والغرب.

في السودان الماء والأرض والذهب، وهناك مبادرة إسقاط الديون. السياسة هي التي دمّرت كلّ شيء فيما مضى، ويجب أن لا تواصل التدمير فيما هو آت

في السودان 180 مليون فدّان صالح للزراعة، وهو ما يزيد على مساحة الأرض الزراعية في مصر 30 مرّة، لكنّ حكم الإخوان لم يفعل شيئاً إزاء سلّة "الغلال العالمية" في البلاد، بل إنّ تقديرات الأمم المتحدة أنّ هناك قرابة 20 مليون مواطن من بين السكان البالغ عددهم 40 مليون نسمة يعانون أزمة غذاء. وحسب برنامج الغذاء العالمي فإنّ 60% من سكّان المدن السودانية يعانون انعدام الأمن الغذائي.

إنّ البلد الذي يمكنه إطعام قارّة بكاملها، بات غير قادر على إطعام سكّانه، وعلى الرغم من ذلك ما يزال الإخوان يكابرون في شأن الجريمة الكبرى التي ارتكبوها في السودان، ويروّجون أنّ ما بعد البشير أثبت "نجاح" عصر البشير!

في عهد الحكم الإخواني أيضاً خسر الاقتصاد السوداني الكثير بسبب العقوبات الدولية، التي استمرّت 27 سنة. وحسب الخبراء فإنّ إجمالي الخسائر المباشرة وغير المباشرة تزيد على 700 مليار دولار.

300 يوم تظاهرات

على مدى الأشهر العشرة الفائتة لم تنقطع التظاهرات التي تطالب بالديمقراطية في السودان. وبينما يرى البعض أنّ التظاهرات نظامَ حياة وروتيناً يوميّاً قد أضعفت ما تبقّى من الاقتصاد والأمن في السودان، يرى آخرون أنّ الانتقال الديمقراطي هو الحلّ، وأنّ تعطيل ذلك هو ما دفع الأمور من سيّء إلى أسوأ، وأنّ هذا التعطيل قد أضاع ثلاثة أعوام من أجل لا شيء.

لقد وصل مستوى التضخّم في الأشهر الأخيرة إلى 400%، ويقترب سعر الدولار من 500 جنيه سوداني، وحتى القرى التي كانت آمنة غذائياً لم تعُد كذلك، وفي كلّ يوم يزحف الآلاف من موقع إلى آخر بحثاً عن الطعام.



ثلاثة أسباب للتفاؤل

في عام 2021 وافق صندوق النقد الدولي على ضمّ السودان إلى مبادرة "هيبك" للدول المثقلة بالديون، وقد جاء ذلك الضمّ فرصةً ثمينة ونادرة لإسقاط الديون من قبل الدول الدائنة في نادي باريس.

جاءت المبادرة من فرنسا، وحظيت بدعم مصريّ كبير، وبموجب ذلك الانضمام يتمّ إسقاط نحو 50 مليار دولار من ديون السودان التي تصل إلى 64 مليار دولار.

للأسف، أُثير جدل بشأن تطبيق ذلك الإعفاء، حيث تضاربت التقارير بشأن تعليق أو إيقاف أو إلغاء ذلك الاتفاق، بسبب تباطؤ الإصلاح السياسي.

يمثّل إسقاط هذه الديون أكبر إنجاز اقتصادي للسودان، ذلك أنّه يرفع عبئاً ثقيلاً من على كاهل الموازنة السودانية، ويفتح الباب نحو الانطلاق والتنمية.

إذا ما توازى إسقاط الديون مع الاستثمار الواسع في الزراعة السودانية، وفي التشغيل والإنتاج الحقيقي للمئة وثمانين مليون فدّان القابل للزراعة، يمكن للسودان أن يتجاوز سلّة الغلال الأوكرانية والروسية، ويصبح هو السلّة الكبرى في العالم.

وهنا يأتي مصدر التفاؤل الثالث المتعلّق بثروة الذهب الطائلة في السودان، وهي الثروة التي شهدت اهتماماً عالمياً واسعاً في الأيام الفائتة، بعد التحقيق الذي نشرته محطة التلفزيون الأميركي "سي إن إن" بشأن استيلاء روسيا على كميّات كبيرة منه.

أطفال الذهب

ثمّة مصطلح شائع بشأن استخراج الذهب في السودان، وهو"التعدين الأهليّ"، إذ يقوم الأهالي باستخراج الذهب بأيديهم، وتنتشر عمالة الأطفال في تلك المواقع الخطيرة، بحثاً عن الذهب من أجل الطعام أو الثراء.

يحتلّ السودان المركز رقم 3 في إفريقيا، ورقم 15 في العالم في إنتاج الذهب. وبحسب خبراء تصل نسبة التعدين الأهلي إلى 75% من إنتاج الذهب، إذ يعمل قرابة 2 مليون شخص في نحو 100 موقع.

في عام 2021 كانت نسبة صادرات الذهب 40% من إجمالي الصادرات السودانية،. وعلى وجه العموم لا توجد معلومات دقيقة لدى أحد بشأن حجم الإنتاج الإجمالي للذهب في السودان، ذلك أنّ النسبة الكبرى من الإنتاج هي غير رسمية، وغير موثّقة لدى البنك المركزي.

وفي التحقيق الذي أجرته محطة "سي إن إن" اتّهم صحافيون شركة روسية تعمل لحساب "مجموعة فاغنر" شبه العسكرية الروسية بالعمل في مواقع غير رسمية، وإخراج الذهب إلى روسيا لدعمها في حرب أوكرانيا، ولفتوا إلى أنّ حجم التهريب الروسي قد يصل إلى نحو 13 مليار دولار سنوياً.

يقول البعض إنّ إجمالي إنتاج الذهب في السودان 50 مليون طن، ويقول آخرون إنّ إجمالي الإنتاج 250 مليون طن، وما بين الرقمين يوجد العديد من الأرقام، ويوجد القليل من الحسم.

لم تعلّق موسكو أو الخرطوم على تحقيق "سي إن إن"، لكنّ تظاهرات الذهب كانت من بين موجات الاحتجاج المفتوحة في السودان.

حسب الكاتب السوداني "عثمان ميرغني" فإنّ نهب الثروات والممتلكات العامّة في السودان هو أمر معتاد، فقد سبق أن سُرِقَت الآثار الذهبية من متحف الخرطوم، بكلّ ما تمثّله من قيمة مادّية وحضارية. إلى ذلك نُهِبت قضبان السكة الحديد، والمنازل الفاخرة لمفتّشي الزراعة، ومقتنيات، وحتى مقاعد البرلمان السوداني، حتى إنّ صور الرئيس عبد الناصر والملك فيصل والقادة العرب الذين حضروا قمّة اللاءات الثلاث عقب حرب 1967 المعلّقة فوق الحوائط في تلك القاعة، قد سُرقت.

صناعة الأمل

في السودان شعب متميّز، وأناس رائعون، وهناك نخبة مثقّفة عريضة، وطبقة تكنوقراط رفيعة.

في السودان الماء والأرض والذهب، وهناك مبادرة إسقاط الديون. السياسة هي التي دمّرت كلّ شيء فيما مضى، ويجب أن لا تواصل التدمير فيما هو آت.

إقرأ أيضاً: السويد "تلبس الزيتي": الحياد لا يحمي أحداً

فائض السياسة في السودان خطر كبير، والتباطؤ في الإصلاح السياسي يطيح بمبادرة إسقاط الديون، ويدفع البلاد نحو حافة الهاوية.

لقد سبق لي أن التقيتُ أربعة من رؤساء السودان، ومن المؤسف أنّ معظم السلطات الحاكمة كانت تُجري تجارب مختلفة على السودان، لكنّ تجربة واحدة لم يقُم بها أحد، وقد حان أوانها.. تجربة التنمية.

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور.

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.