استراتيجية الحزب الدفاعية: ما عليها.. وما عليها

استراتيجية الحزب الدفاعية: ما عليها.. وما عليها

العميد الركن خالد حماده* - الجمعة 29 تموز 2022

في سياق مناقشة الاستراتيجية الدفاعية الوطنية التي طرحها حزب الله في العام 2006، وأعاد موقع "العهد" طرحها قبل الانتخابات النيابية، تتطرّق هذه الحلقة بالتفصيل إلى كلّ العناوين التي أوردها الأمين العام لحزب الله في سياق عرضه لوجهة نظر الحزب في هذا الملفّ.

 

ما قدّمه حزب الله لم يكن سوى محاولة اقتياد لوطن بكامله بقوّة السلاح ووضع ممثّليه في قفص الاتّهام وإلزامهم بالتوقيع على خيارات لم يشاركوا في صياغتها.

أبسط القواعد التي تُراعى لدى اقتراح أيّ تحوّل جذري في السياسات العامّة أو الاستراتيجيات المتّبعة هي احترام الدستور الذي تنبثق من روحيّته كلّ الأحكام والملاءمة مع القوانين ذات الصلة. والسّمة السياسية لهذه الورقة يمكن اختصارها بالآتي:

- القفز فوق الدستور اللبناني، ولا سيّما ما ورد في مقدّمته لجهة عروبة لبنان ونهائيّته والمساواة بين جميع أبنائه بالحقوق المدنيّة والسياسية.

- تجاهُل قانون الدفاع الوطني، ولا سيّما ما ورد في مادّته الأولى لجهة تحديد أهداف الدفاع الوطني: "الدفاع الوطني يهدف إلى تعزيز قدرات الدولة وإنماء طاقاتها لمقاومة أيّ اعتداء على أرض الوطن وأيّ عدوان يُوجَّه ضدّه وإلى ضمان سيادة الدولة وسلامة المواطنين"، أو لجهة تحديد ما يُقصد بالقوّات المسلّحة.

ما قدّمه حزب الله لم يكن سوى محاولة اقتياد لوطن بكامله بقوّة السلاح ووضع ممثّليه في قفص الاتّهام وإلزامهم بالتوقيع على خيارات لم يشاركوا في صياغتها

النظرة الأحاديّة التي حاولت إيجاد المبرّرات للحفاظ على السلاح بوضعه الحالي جعلت ما ورد في ورقة حزب الله عبارة عن مجموعة من الإجابات على أسئلة طرحها حزب الله على نفسه، ليقدّمها كقواعد نهائية غير قابلة للنقاش ولا مناصّ من الالتزام بها.

 

أوّلاً: في مسألة تحديد العدوّ:

تُظهر استراتيجية الحزب في ما يتعلّق بتحديد العدوّ ثغرتين منهجيّتين:

- الأولى، اقتصارها في حصر التهديدات على العدوّ الإسرائيلي الذي يقع بلا شكّ في رأس القائمة مهما اختلفت أساليب اعتدائه على لبنان. فقد أثبتت التجربة أنّ هناك تهديدات أخرى تعرّض لها الاستقرار الوطني ومرتكزات الدولة الحقيقية، وفي مقدَّمها الإرهاب المنظّم الذي لم يكن مصدره العدوّ الإسرائيلي فقط، بل أطماع إقليمية اعتمدت إثارة الفتن والنيل من البنية الوطنية. أوليست أحداث الضنّية الإرهابية التي بدأت في 31/12 1999 فصلاً من هذا الإرهاب المنظّم؟ أوليست أحداث نهر البارد الدموية التي أشعلتها مجموعات إرهابية من "فتح الإسلام" في أيار 2007 بعد إطلاق قادتها من السجون السورية نموذجاً موصوفاً عن الأخطار والتهديدات المحتملة على لبنان؟ وفي النهاية أليس تجنيد الوزير الإرهابي ميشال سماحة من قِبل اللواء علي المملوك دليلاً قاطعاً على أنّ بعض أعداء لبنان يتكلّمون العربيّة ويدينون بالإسلام وينادون بتحرير فلسطين؟

- أمّا الثغرة الثانية فهي في توجّه نصرالله إلى المشاركين في الحوار من موقع المتشكّك في موقفهم من العدوّ الإسرائيلي كمقدّمة لإقصائهم عن أيّ دور أو إفقادهم الأهليّة الوطنية للنقاش في ما يتعلّق بالدفاع عن لبنان: "إذا كان الإخوة الجالسون إلى طاولة الحوار يسلّمون أنّ إسرائيل عدوّ فيمكن استكمال النقاش، أمّا إذا افترضنا أنّ إسرائيل ليست عدوّاً فنحن نضيّع وقتنا وليس هناك تهديد ولا دفاع ولا حماية".

لو سلّمنا جدلاً أنّ نصرالله أسقط الإرهاب سهواً من قائمة التهديدات المرتقبة، فالبديهي أن يقدّم للمتحاورين تعريفه لأصدقاء لبنان. فمن هم أصدقاء لبنان بنظره؟ ومن هم حلفاء لبنان؟ وهل تلك مسألة يتفرّد حزب الله في تحديد شروطها أم هي مسألة وطنية قابلة للنقاش؟

 

ثانياً: في عناصر القوّة الوطنيّة:

يقدّم نصرالله في استعراضه لعناصر القوّة في لبنان نظرية تبعث على الاستغراب والتساؤل المقلق، إذ يعتبر أنّ ضعف الدولة الناتج عن الحرب الأهلية هو نقطة قوّة للبنان!

يقول نصرالله: "من جملة عناصر القوّة أنّ النظام القائم في لبنان ليس نظاماً مركزياً قويّاً حديديّاً يمكن للعالم أن يحتجّ عليه ويطالبه ويحمّله الكثير من المسؤوليّات. إنّ ما أفرزته الحرب الأهلية من تطوّر سياسي في البلد على مستوى الدولة أنتج لدينا في لبنان، شئنا أم أبينا، دولة غير قويّة، وبالتالي هذا يتيح هامشاً بين الدولة والقوى الشعبية. إنّ أهمّ سلاح بيد الحكومة اللبنانية أنّ هذه المقاومة هي قوى شعبية، وأنّ لشعبنا الحقّ في المقاومة، ونحن في الحكومة حتى لو أردنا لا نستطيع أن نسيطر على هذه القوى، وستؤدّي مواجهتها إلى حرب أهلية وإلى فتنة طائفية".

يقدّم نصرالله في استعراضه لعناصر القوّة في لبنان نظرية تبعث على الاستغراب والتساؤل المقلق، إذ يعتبر أنّ ضعف الدولة الناتج عن الحرب الأهلية هو نقطة قوّة للبنان

يختار نصرالله الإمعان في إسقاط الدولة من أجل الحفاظ على "مقاومته"، ويريد التأكيد على قاعدة غريبة في الدفاع عن لبنان وهي أنّ الدولة الضعيفة هي نقطة قوّة يجب الحفاظ عليها؟

وفي معرض المقارنة بين لبنان وإسرائيل يقول نصرالله: "من نقاط الضعف أنّ إسرائيل تتمتّع بدعم العالم الذي يقف معها، في حين أنّ لبنان لوحده، وعندما نريد وضع استراتيجية دفاعية نضع بعين الاعتبار أنّ لبنان لوحده، واليوم علينا أن نقاتل لوحدنا كلبنانيّين بمواجهة أيّ اجتياح أو احتلال أو عدوان أو تهديد مفترَض".

يجرّد نصرالله لبنان من كلّ مقوّماته الجيوستراتيجية وينطلق لبناء استراتيجية دفاعية بمعزل عن الظروف الإقليمية والتحالفات مع الدول الصديقة وإمكانيات الاستفادة منها في المجالات العسكرية والأمنيّة والاقتصادية والدبلوماسية، فهل هناك دولة في العالم خاضت حرباً من دون تقدير موقف موضوعي لكلّ ذلك؟ حتى إسرائيل التي يسلّم نصرالله بقدراتها لا تقاتل وحدها.

لا تتوافق الأحاديّة في المواجهة، التي يريدها نصرالله للبنان، مع الحروب التي عايشها حزب الله في المنطقة، فهل دخلت الولايات المتّحدة حرب الخليج الأولى لوحدها؟ ألم تكن الجيوش الأوروبية إلى جانبها؟ ألم يكن الجيش السوري إلى جانبها؟ ألم تكن إيران إلى جانبها في حرب الخليج الثانية؟ ثمّ ما معنى أن يكون لبنان بلداً عربياً وفقاً لمقدّمة الدستور؟ أفلا يعني ذلك أنّ الدفاع عن لبنان هو مسألة عربية؟ أم ليس استقرار لبنان جزءاً من الأمن القومي العربي؟ ألم تدعم الدول العربية لبنان بالسلاح والذخائر لمواجهة الإرهاب في نهر البارد؟ والسؤال الأكثر منطقية: هل يقاتل حزب الله لوحده؟ وهو يجاهر كلّ يوم أنّ سلاحه وماله وتدريبه يأتي من الجمهورية الإسلامية في إيران؟ ثمّ لماذا يقيم حزب الله وحلفاؤه ما يسمّى بمحور الممانعة؟

 

ثالثاً: في كفاءة الأجهزة الأمنيّة:

يخلص نصرالله في معرض الترويج لمسوّغات صلاحيّة الحزب وحده في الدفاع عن لبنان، فيقول: "هناك الاختراق الأمنيّ للقوى السياسية اللبنانية وللقيادات اللبنانية ولوسائل الإعلام اللبنانية والأجهزة الأمنيّة وقطاعات معيّنة في المجتمع اللبناني من أجل دفع المجتمع اللبناني إلى الفتنة والتقاتل والتناحر الذي تكون نهايته طبيعية وقطعيّة، وهي الإحباط واليأس والضعف والوهن والسقوط والاستسلام، وهذا اعتداء غير مباشر".‏

يتّهم نصرالله بكلّ وضوح الأجهزة اللبنانية على اختلافها بأنّها ليست على قدر المسؤولية، وبالتالي فإنّ مهمّة الدفاع يجب أن تُناط بمكوّنات رديفة قادرة على تعويض هذا الخلل وملء الثغرات. وفي هذا الإطار يقول: "إنّنا بحاجة إلى وضع استراتيجية دفاع وطنية شاملة: الوطن كلّه والشعب كلّه والدولة والجيش والقوى الأمنيّة والقوى السياسية والأحزاب وشرائح الشعب المختلفة كلّها يجب أن تكون مساهمة في تنفيذ وتطبيق هذه الاستراتيجية الدفاعية". ويتابع بإسناد المهامّ الدبلوماسية إلى الوزراء والنواب، والإعلامية إلى الصحافة، والاقتصاد والرعاية الاجتماعية إلى أصحاب الشأن، ويبقي على الجهد العسكري محصوراً بحزب الله دون سواه.

 

رابعاً: في التنشئة الوطنيّة:

يتابع نصرالله دوره المتشكّك في كفاءة الأجهزة الأمنية ليصل إلى التشكّك في التربية الوطنية التي توفّرها العائلات والمدارس والجامعات وسائر الأطر الاجتماعية والتربوية، فيقول:
"نحن بحاجة أيضاً إلى الثقافة والتنشئة الوطنية، لأنّه لا يمكن الحديث عن استراتيجية وطنية شاملة فيما يثقّف بعضنا أولاده وأحفاده أنّ إسرائيل عدوّ، والآخر يثقّف أولاده أنّ إسرائيل صديق وليست عدوّاً".

يتناسى نصرالله، أو ربّما تقضي الثقافة السياسية لدى حزب الله بذلك، أنّ احترام القانون والدستور هو جزء من التربية الوطنية، وأنّ تشكيل ميليشيات مسلّحة تتلقّى السلاح والمال من الخارج هو جريمة يعاقب عليها القانون، وأنّ ذلك يقع في صلب التنشئة والتربية الوطنية. كذلك فإنّ الترويج لأنظمة مذهبية وهدر دماء اللبنانيين من أجلها هو انتهاك صارخ لقيم المجتمع اللبناني وللدستور الذي تُبنى عليه كلّ نظرية الدولة والمجتمع السياسي المنظّم.



خامساً: في الخيارات العسكريّة ودور الجيش:

يسلّم نصرالله أنّ "بديهيّات العلم العسكري تقضي بأن يدافع الجيش عن لبنان"، وهو إذ يعترف بأنّ "للجيش عقيدة قتالية وطنية لا يناقش بها أحد"، يذهب بعد ذلك إلى بناء قاعدته الذهبية المستندة إلى إستحالتيْن تنتج إحداهما الأخرى: الأولى استحالة بناء جيش وطني قادر على الدفاع عن لبنان، والثانية استحالة الاستغناء عن المقاومة قبل بناء جيش قويّ. يتساءل نصرالله: "هل نحن قادرون على بناء جيش قوي وقادر"، والجواب لديه بأنّه "حتى لو امتلكنا الموارد المالية فهل ستسمح الولايات المتّحدة والغرب أن تبيعنا بعض السلاح النوعي الذي يكفل للجيش اللبناني شيئاً من الحماية الجويّة؟". ويستدرك: "عندما لا تكون الدولة قادرة، تأتي مسؤولية القوى الشعبية. قد لا يقبٍل الشعب كلّه على تحمّل المسؤولية، ويكفي أن يقبل جزء من هذا الشعب وهذا يكفي". وهو في ذلك يتيح المجال لتقديم المقاومة الحالية كبديل نظراً إلى قدرتها على الانتشار في كلّ مقاطع الأرض، ويضيف في سياق التأكيد على حصريّة المقاومة كأحد مقوّمات نجاحها: "إنّ قوّة المقاومة هي في سرّيّتها، وسرّيّتها منطلقة من كونها حالة مغلقة ومقفلة، مقفلة داخل الحزب الواحد لنضمن سرّيّتها".

يتناسى نصرالله أنّ المقاومة الوطنية الحقيقية هي في جيش وطني يعبّر عن إرادة جامعة وشجاعة، ويقاتل فيه أبناء لبنان بكلّ تنوّعاتهم، وأنّ مأزق المقاومة هو في حصريّتها ‏في حزب لا يعدو كونه حالة مذهبية مسلّحة. ثمّ أيّة مقاومة هي تلك التي تعتبر اللبنانيين الآخرين غير جديرين بالثقة، وكيف لهؤلاء أن يشاركوا في قتال العدوّ؟ هل بالالتحاق بميليشيا مذهبية أخرى؟

يعتبر نصرالله أنّ الخيار الأمثل هو في المحافظة على "هذا التركيب من الجيش والمقاومة، والتنسيق بينهما، وليس الدمج، وليس وضع المقاومة تحت إمرة الجيش، لأنّ الهامش بين الحكومة والقوّة الشعبية يضيع. أيّ مقاومة تحت إمرة الجيش تُطلق رصاصة واحدة، تُقصَف وزارة الدفاع والسراي الحكومي وتُعرّض الدولة للاعتداء المباشر. وبالتالي فإنّ وجود المقاومة إلى جانب الجيش والتنسيق بينهما هو الحلّ الوحيد والمتاح أمامنا".

لو أُودعت هذه الورقة في أرشيف حزب الله بعد تلاوتها في العام 2006 لأمكن القول إنّ ما اختبره الحزب في ذلك الوقت قد أدّى إلى اقتناعه بضرورة تصحيح المسار. ولكن أن تستمرّ المجاهرة بالخطأ والمغامرة على حساب اللبنانيين ومستقبلهم فهو مدعاة للاستغراب. ألم تؤدِّ مغامرة حزب الله غير المبرّرة في العام 2006 إلى سقوط أكثر من ألف مواطن لبناني وتدمير لبنان وبنيته التحتيّة ومطاره؟ وهل كانت جملة نصرالله الشهيرة "لو كنت أعلم" كافية لتعويض فداحة الخسائر وتبرير رعونة القرار الذي اتّخذه حزب الله أو اتّخذته طهران ونفّذه الحزب؟

من جهة أخرى، لقد حوّل حزب الله هذا التركيب من الجيش والمقاومة، بعد غزوه المسلّح لبيروت، إلى ثلاثيّته الشهيرة "الجيش والشعب والمقاومة" التي أدخلها منذ العام 2008 إلى كلّ البيانات الوزارية، فهل أقنع هذا الشعار اللبنانيّين بأنّ سلاح الحزب قادر على حماية لبنان؟

إقرأ أيضاً: الاستراتيجية الدفاعيّة الوطنيّة (2): تساؤلات عمّا طرحه الحزب في حوار 2006

طُويَت صفحة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية لتلتحق بسواها من القضايا التي حُسمت قبلها ولم تجد طريقها إلى التنفيذ. بدا أنّ حزب الله كان قد استكمل كلّ المقوّمات اللازمة لاستيعاب تداعيات انسحاب الجيش السوري من لبنان والاستعداد للانقضاض على القرار الوطني.

لماذا رفض حزب الله بعد ذلك مناقشة الاستراتيجية الدفاعية؟ وكيف أدّى عدوان 2006 إلى ميزان قوى جديد لا يزال يتحكّم بإنتاج السلطة في لبنان؟

(يتبع)

 

* مدير المنتدى الإقليميّ للدراسات والاستشارات