مذكّرات صائب بك (1): الموارنة رفضوا إلغاء الطائفية في 1924

مذكّرات صائب بك (1): الموارنة رفضوا إلغاء الطائفية في 1924

سامر زريق - الإثنين 25 تموز 2022

تزامن صدور مذكّرات الرئيس الراحل صائب سلام مع أدقّ وأخطر الأزمات التي يعيشها الكيان اللبناني، الذي كان الراحل الكبير واحداً من أبرز رجالاته وفارساً من فرسان استقلاله.

أيضاً تصدر المذكرات في زمن استباحة مقام رئاسة الحكومة. وهو الذي كان واحداً من أشدّ رؤساء الحكومات حرصاً عليه وعلى صلاحياته، وهو ما جعله يصطدم بكل رؤساء الجمهورية المتعاقبين ويدخل معهم في منازلات سياسية قاسية من الندّ للندّ.

سكب الرئيس سلام تجاربه وحياته السياسية الطويلة التي بدأت منذ ريعان الشباب في ثلاثة أجزاء فنّد فيها الكثير من الوقائع والأحداث، وكشف عن الكثير من الأسرار، مقدِّماً شهادة للتاريخ وللوطن.

فـ"البيروتيّ العتيق"، كما كان يحبّ أنْ يُلقَّب دوماً، أراد من خلال هذه المذكّرات وضع القارئ أمام "الحقيقة العارية" كما ذكر بنفسه في مقدّمتها، لذلك بدت في العديد من المواضع صادمة.

المذكّرات التي تحمل عنوان "أحداث وذكريات"، تتألّف من ثلاثة أجزاء بعدد صفحات يبلغ حوالي 1.500، أي بمعدّل 500 صفحة لكلّ جزء، وقد أسهب فيها في ذكر الكثير من التفاصيل والأحداث السياسية المهمّة.

نظراً إلى الكمّ الهائل من الوقائع الواردة في المذكّرات، ينشر "أساس" حلقتين تراجعان كلّ جزء. نبدأ اليوم في نشر الحلقة الأولى عن الجزء الأوّل، الذي يضمّ مرحلة الانتداب الفرنسي وبدء نشاطه السياسي، ثم ذكرياته عن الأحداث السياسية التأسيسية في عهد بشارة الخوري حتى نهاية عهد شارل الحلو.  

سكب الرئيس سلام تجاربه وحياته السياسية الطويلة التي بدأت منذ ريعان الشباب في ثلاثة أجزاء فنّد فيها الكثير من الوقائع والأحداث، وكشف عن الكثير من الأسرار

منذ العام 1924 رفض الموارنة في لبنان إلغاء الطائفية السياسية، رغم أنّ المسيحيين كانوا أكثرية في لبنان، وكان المسلمون أقلّ عدداً. إلا أنّهم رفضوا الدوائر المختلطة طائفياً في الانتخابات النيابية.

كان ذلك خلال حقبة الانتداب الفرنسي.

يروي الرئيس صائب سلام أنّ والده كان مناضلاً إلى جانب أبناء بيروت، ما أدّى إلى سجنه مرّتين... ويروي كيف رفض الموارنة الموافقة على نظام علماني للبنان، عقب وصول كارتل الأحزاب اليسارية إلى الحكم في فرنسا عام 1924.

"قرّر اليسار يومها إلغاء الطائفية في لبنان، وتعيين الجنرال ساراي العلماني مندوباً سامياً في سوريا ولبنان. ووضع الأخير نظاماً أصدره بمراسيم قانونية قسّم بموجبه لبنان إلى 13 دائرة انتخابية، يشكّل كلّ منها خليطاً من المسلمين والمسيحيّين على قدْر الإمكان. فما كان من الموارنة المتعصّبين وعلى رأسهم البطريركية المارونية إلّا إعلان الاستنفار العامّ بين صفوف الطائفة، وتشكيل وفد ذهب إلى باريس ونجح في حملته بإقناع المسؤولين الفرنسيّين وعلى رأسهم رئيس الوزراء العلماني "إدوار هريو" بإلغاء تلك المراسيم، وإصدار أمر بذلك للجنرال ساراي".

 

التلاعب بإحصاء عام 1932

يؤكّد سلام أنّ إحصاء عام 1932 "تعرّض للكثير من التلاعب عبر المبالغة بأعداد المسيحيّين، وإضافة أعداد كبيرة من المغتربين، ومعظمهم من الموارنة والمسيحيّين". ويذكر من أساليب التحايل لزيادة أعداد المسيحيّين التسجيل المزدوج لهم، لأنّ العديد منهم لا يقيم في المنطقة التي نشأ فيها. ويعطي مثالاً على ذلك حبيب باشا السعد الذي قال لوالده وفي حضوره أنّه مسجّل في سجلّات الأحوال الشخصية في قرية "عين تراز" مسقط رأسه، وفي سجلّات بيروت مكان إقامته الدائمة.

من جانب آخر، فـ"إنّ العديد من المسلمين المتمسّكين بعثمانيّتهم أو بالوحدة السورية، رفضوا مبدأ شمولهم بالإحصاء ولم تظهر أعدادهم في نتائجه على الرغم من كثرتهم. لذلك كانت مطالبة "المؤتمر الإسلامي" بإجراء إحصاء جديد، أو القبول بمبدأ المناصفة في عدد النوّاب، إلى أنْ تدخّل الجنرال البريطاني إدوارد سبيرز، وأقنع المسلمين بصورة مؤقّتة أنْ تكون نسبة المسلمين إلى المسيحيّين 5 إلى 6، وأنّ المهمّ هو السعي إلى الحصول على استقلال البلاد عن فرنسا". ومذّاك لم يتمّ إجراء أيّ إحصاء رسمي آخر حتّى يومنا هذا.

 

انتخابات 1943 النيابيّة

بعد ذلك يخبرنا سلام عن صدمته في تجربته الأولى في الانتخابات النيابية عام 1943: "بما للمال من دور فيها، إذ يجري به شراء الضمائر والأصوات. وكان للفرنسيّين دور مشجّع، ما جعل الرشوة تنتشر وتصبح عنصراً أساسيّاً في الانتخابات اللبنانية فيما بعد". وهذا ما يبدّد الأسطورة التي روّجها عتاة المسيحيّين ومعهم حزب الله وغيرهم بأنّ رفيق الحريري هو من أفسد الانتخابات في لبنان بكثرة إغداقه المال والرشى.

يذكر سلام أنّ "سياسة الترغيب والدعم المالي بدأها الفرنسيّون والمستعمرون مع جماعة من عملائهم المسيحيين، ثمّ تعمّمت بواسطة الزعماء الجدد، مثل خير الدين الأحدب ورياض الصلح لمحاربة وجهاء بيروت، حيث كانت صفة الوجاهة هي السائدة قبلاً وتعبير "زلمة فلان" لم يكنْ معروفاً أو مقبولاً من أبناء بيروت".

الميثاق والصيغة والمزبلة

يعرِّج سلام على انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1943، راوياً كيف ضغط البريطانيون عبر الجنرال سبيرز على النوّاب للسير بمقترحهم القاضي بانسحاب بشارة الخوري وإميل إدّه، والاتّفاق على مرشّح آخر يحظى بموافقة الأغلبية لم يكنْ سوى كميل شمعون. ويذكر أنّ بشارة الخوري زاره في منزله قبل الانتخابات بأيّام وقال له: "بريطانيا وفرنسا ضدّي، وأخي المسكين فؤاد تكلّف حتّى الآن 700 ألف ليرة، ولكن ما العمل؟". بيد أنّ إصرار إدّه على المضيّ بترشّحه أفشل المناورة البريطانية.

عن الميثاق يقول سلام إنّه "تفاهم غير مكتوب، يمثّل توافقاً إسلامياً - مسيحياً على نبذ الاحتلال والحماية الأجنبية على بلد حرّ مستقلّ. لبنان قام على هذا التوافق، وليس على صفقة بين المسلمين والمسيحيّين، وهو لا يستمرّ بدون هذا التوافق. و"الميثاق" غير "الصيغة"، فالأخيرة هي طريقة الحكم، وهي كسائر الصيغ قابلة للتبديل والتغيير".

يذكر أنّه في الجلسة التاريخية لمجلس النوّاب في 8 تشرين الثاني 1943، و"إثر التصديق على التعديلات الدستورية، أنشد النواب النشيد الوطني اللبناني، فما كان من إميل إدّه وبعض مؤيّديه من النوّاب إلّا أنْ انسحبوا. وقال إدّه بالفرنسية: "هذه مزبلة (البرلمان) لا أقبل أنْ أكون فيها". وكان إدّه يريد استقلالاً يُبقي لبنان مرتبطاً بفرنسا".

 

العلَم اللبنانيّ وحكومة الاحتياط

يروي سلام أحداث الاستقلال من زاوية أخرى. فيقول إنّه إثر اعتقال بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما من قبل الفرنسيّين، قاد تظاهرات حاشدة إلى منزل الصلح في رأس النبع. ثمّ انتقلوا بعد ذلك إلى ساحة النجمة لدخول البرلمان المحاصَر بالجنود السنغاليّين. ودخل 7 نواب فقط "كان آخرهم سعدي المنلا نائب طرابلس الذي مُنع من الدخول، فحمله الرياضي حسين سجعان وأدخله من إحدى النوافذ الجانبية".

يقول سلام إنّ المنلا "رسم العلم اللبناني بخطّ يده بعدما اتّفق عليه المجتمعون، وتحمّل هنري فرعون مسؤوليّته تجاه المسيحيّين، وسلام تجاه المسلمين. ثمّ تمّ تمرير نموذج العلم ومذكّرات الاحتجاج الموجّهة إلى دول العالم بواسطة مفوّض الشرطة حليم غرغور الذي دسّها في ثيابه".

وقد تحوّلت دارة آل سلام في المصيطبة في الأيّام التالية إلى مركز القرار السياسي، وفيها رُفع العلم اللبناني للمرّة الأولى. وتمّ الاتّفاق على تشكيل حكومة احتياطية برئاسته، تداركاً للفراغ الحكومي في حال اعتُقل الوزيران الباقيان من حكومة رياض الصلح: "وقد ضمّت حكومة صائب سلام الأولى: غبريال المر (نائباً للرئيس)، هنري فرعون (وزيراً للخارجية)، أحمد الأسعد وحميد فرنجية وكمال جنبلاط أعضاء". ويُنقل عن خليل تقيّ الدين مدير المجلس النيابي أنّه سجّل هذه الحكومة في محضر الجلسة النيابية فيما بعد.

إقرأ أيضاً: حين كشف صائب سلام.. عمّن اغتال المفتي حسن خالد

يعزو سلام تغييب دوره في صنع الاستقلال إلى رياض الصلح خصمه ومنافسه السياسي اللدود، ويقول إنّ الصلح "سعى إلى طمس الدور الريادي الذي قمت به وباقي النوّاب في المصيطبة، وخاصّة بعد انتشار أخباره إلى الدول العربية وخاصّة مصر، حيث أخذت الصحف والإذاعة المصرية تغطّي أخبار المصيطبة واجتماعاتها، وأطلقت على الدار لقب "بيت الأمّة". وهو اللقب الذي كان المصريّون يطلقونه على منزل سعد زغلول أيام الثورة المصرية عام 1919. وهذا ما أثار رياض الصلح والمطبّلين معه. فضخّم قصّة بشامون والعلم كي لا يعود الحديث عن دور المصيطبة وصائب سلام، كقولهم إنّ العلم رُفع للمرّة الأولى في بشامون".

 

في الحلقة الثانية غداً: 

جذور الاستشارات النيابية "الملزمة".. و"أصل" الفساد منذ الاستقلال