وصيّة الدكتور وجيه فانوس

وصيّة الدكتور وجيه فانوس

هشام عليوان - الخميس 14 تموز 2022

أبى الأستاذ الدكتور وجيه فانوس رحمه الله (1948-2022) إلا أن يكتب على صفحة التاريخ قبل الفراق، أن يكتب أثراً يُذكَر به، ويُذكِّر به، حين تُطوى الأيام وتتوالى. وكأنه شعر بدنوّ الأجل، فاستعجل الكلمات، وهو فارسها المُعلّى. ففي 4 حزيران الفائت، وجّه دعوة إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي توحيدي للمرحلة المقبلة يسبق انتخابات رئاسة الجمهورية. قال فيها إن القراءة الطائفية للبند (ي) من الدستور، والتي تنص على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشنرك"، قد أثبتت فشلها وعقمها. لذا، لا بدّ من إعادة جذرية لقراءة مفهوم العيش المشترك، وأن يُعقد مؤتمر وطني، لا يبحث بالمناصفة ولا بالمثالثة، ولا بسواها من التقسيمات الطائفية والتوزيعات المذهبية التي شوّهت لبنان، ولا يبحث حتى في تعديل الدستور، بل هدفه إقرار توافق وطني جديد ومعاصر، على قراءة مفهوم "العيش المشترك" على أنه العيش الواحد والموحّد بين جميع اللبنانيين، بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم".

ثم عبر جريدة "اللواء"، قبل شهر كامل، أي في 14 حزيران، وجّه دعوة مباشرة إلى تفعيل الحضورين الوطني والسياسي للطائفة السُّنية التزاماً بالدستور وتمسكاً بالميثاقية الوطنية للعيش. قال فيها: "رغمَ كَوْنِي، أبعدَ ما أكونَ عن أيِّ تفكير طائفي أو مَذهَبي، وأنا مَن أمضى العُمر يدعو إلى مبدأ "المواطنة" في بناء النظام السياسي للبنان؛ فإنّي أجد نَفسي، كَما سائر اللبنانيين، مَحكوماً بالواقعِ العملي الذي ينهض عليه النظام السياسي المعمول بهِ راهناً في لبنان. يَنطلق هذا الواقع من "الدستور اللبنانيّ" وينهض تأسيساً على أعراف العيش السياسي الطائفي والمذهبي المعتمدة في الدولة، منذ فجر الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة، لِما بات يُعرف بـ"المِيثاقيَّةِ الوطنيَة"... هذه "الميثاقيَّةِ" تستمدّ شرعية دستورية لِفاعلَيتها من قراءة للبند (ي) مِن مقدمة الدستور اللبناني، ما برِحت تعتمدها السلطات الحاكمة المتعاقِبَة على البلد، منذ فجر الإِعلان عن دولة الاستقلالِ سنة 1943... وفي هذا ما صار يؤكد البعد العملاني المفروض، مذ ذاك الحين وإلى اليوم، على جميعِ اللبنانيين، أكانوا معارضينَ لهذا المفهومِ الطائفي السياسي أم مؤيدين له، أن يخضعوا له ويعملوا بموجب هذا الفَهم للميثاقِية الوطَنية".

انتقل في أيام قليلة، من الدعوة المثالية النظرية لتغيير المفهوم الطائفي لميثاق العيش المشترك، إلى الدعوة العملية الواقعية لتفعيل الحضور الوطني والسياسي لأهل السنة، تحت رعاية مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وبتوجيه منه وتنسيق، تطبيقاً للبند (ب) من المرسوم الاشتراعي رقم 18 لعام 1955، والذي ينص على أن يُشرف مفتي الجمهورية على أحوال المسلمين ومصالحهم الدينية والاجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانيَة". بل إنه ذكّر في المقال نفسه، بكتاب مفتوح إلى سماحة المفتي، أطلقه قبل عامين كاملين، أي في 13 تموز من عام 2020، تمنى فيه على المفتي استعادةَ تجربة "اللقاء الإسلامي" بقيادة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد سنة 1983.

أما رسالة الأضحى، التي نشرها الدكتور الفقيد، في 8 تموز الجاري، وقد تكون من آخر كلماته، كرئيس للمركز الثقافي الإسلامي، فقد أكّد فيها على الدور الأساسي لدار الفتوى، كرافعة إسلامية ووطنية، وكذلك كركيزة لمواجهة الانحلال الأخلاقي وترويج الشذوذ الجنسي، وهو ما اضطلع به المفتي دريان أخيراً في موقفه الشهير.  

عرفتُ الدكتور وجيه فانوس مديراً للفرع الأول لكلية الآداب والعلوم الإنسانية للجامعة اللبنانية.

لم أحظَ بتلقي دروس النقد الأدبي على يديه، فقد كنتُ في قسم التاريخ، لكن ما سمعته من حكايات، من الصديق الزميل زياد عيتاني، وهو درس اللغة العربية وآدابها في الكلية، وتتلمذ على يديه في مادة النقد الأدبي، تدلّ على ذكاء الدكتور فانوس، وحسن تدبيره. فهو لم يُرزق العلم فقط، بل وُهب كذلك سياسة العلم، وكيفية تدبير الأمور الأكاديمية. ولا غرابة، فقد كان وجيهاً بين الطلاب ثم بين الأساتذة، وكان فانوس خير ونور، في المراتب والمواقع التي تنقّل فيها، كأستاذ وإداري، وعضو في اتحاد الكتاب، ورئيساً لندوة العمل الوطني، وللمركز الثقافي الإسلامي.

افتقاد المعلّم له شعور خاص عند تلاميذه وطلّابه، مما يشابه لوعة فراق الآباء. ومثل ذلك غياب الكاتب بالنسبة لقرائه ممن يدينون له بمعرفة قلّت أم كثرت. لكن ما يميّز المعلّم أنه يترك أثره في شخوص طلّابه، في حين أن الكاتب يترك حروفه لأجيال وأجيال، وهو كان ماهراً بارعاً في المجالين.