"المقاومة"... التي أفقدتنا حقّ الدفاع عن النفس

"المقاومة"... التي أفقدتنا حقّ الدفاع عن النفس

فاروق يوسف* - السبت 09 تموز 2022

ليست إسرائيل إلا دولة حرب، ومع ذلك يُسمّى جيشها "جيشَ الدفاع الإسرائيلي". لقد أُنشئ ذلك الكيان ليكون بؤرة نزاع دائم بعدما قرّر العالم أن يحلّ مشكلته مع اليهود على حساب الشعب الفلسطيني.

تلك حقيقة تاريخية لا يمكن لأحد أن يُخفيها وإن جرى إنكارها في ظلّ شعار زائف يتحدّث عن "وطن قوميّ" لليهود وأنّ فلسطين هي "أرض الميعاد".

على الرغم من أنّ إسرائيل قويّة عسكرياً، وخصومها المفترضين أقلّ منها قوّةً، فإنّ العالم، كلّ العالم، يقف معها انطلاقاً من كذبة الدفاع عن النفس.

ذلك واقع فشل العرب في التعامل معه بطريقة ذكية.

كانت كلّ الحروب، التي خسرها العرب في مواجهة إسرائيل، خاسرةً سلفاً على مستوى إقناع العالم بحقّهم في الدفاع عن أنفسهم، لا لأنّ علاقتهم بالعالم الخارجي سيّئة، ولا لأنّ إعلامهم ضعيف وركيك وغوغائيّ، بل لأنّ الفكرة التي توارثوها عن إلقاء إسرائيل في البحر قد أدّت إلى أن يُصاب عقل العالم بالشلل حين يتعلّق الأمر بالحقّ العربي.

ليس من الغريب على إسرائيل أن لا أحد من جنرالاتها هدّد بإزالة إيران، فيما إزالة إسرائيل هي لازمة حديث على ألسنة جنرالات الحرس الثوري الإيراني. لم يكن الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين بعيداً عن تلك البلاغة الجوفاء التي تؤثّر سلباً على سامعها الذي لا يتعامل معها باعتبارها مجازاً غير قابل للتحقّق.

كان من الممكن أن تكون المقاومة لحظة مشرقة في الدفاع عن الحرّية لولا أنّها التحقت بالاحتلال، وهو ما يُرضي إسرائيل ويجعل العالم مقتنعاً أكثر بحقّها في الدفاع عن النفس

لو كان العرب واقعيّين في التصدّي للتحدّيات التي تواجههم لما اختلّ ميزان القوى بينهم وبين عدوّهم بطريقة فاجعة، بحيث لا يمكن اليوم الحديث عن قوّة عربية يمكنها الوقوف أمام قوّة إسرائيل لا من أجل الحرب، بل من أجل الحوار المتكافئ.

إذا ما كان الكفاح الوطني الفلسطيني المسلّح قد لعب دوراً عظيماً على مستوى إقناع المجتمع الدولي بالقبول بصورة الرئيس ياسر عرفات حاملاً غصن الزيتون على منصّة الجمعية العامّة للأمم المتحدة، فإنّ كلّ ما جرى بعد ذلك لم يرتقِ بالخطاب والسلوك العربيَّين إلى المستوى الذي تكون فيه مسألة الحقّ العربي في الأرض موازية لحقّ الإسرائيليين في الدفاع عن أنفسهم.

لبنان.. والمقاومة المذهبية

لقد خسر العرب معركة السلام مثلما سبق لهم أن خسروا معاركهم العسكرية. وقد تكون المقاومة اللبنانية استثناء يقع خارج تلك المعادلات التقليدية لا لشيء إلا لأنّها كانت حتى عام 2000 شأناً لبنانياً لا صلة له بالصراع المركزي بين العرب وإسرائيل. كان الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982 صادماً للمجتمع الدولي، وما تلاه من استمرار احتلال الجنوب اللبناني لم يكن مقبولاً.

أمّا أن تتّخذ المقاومة اللبنانية بعد ذلك صبغة طائفية لا علاقة لها بأيّ مشروع وطني بعدما تحوّلت إلى واجهة للمشروع التوسّعي الإيراني، فإنّ في ذلك طمساً لمشروعيّة أن يكون هناك سلاح يقع خارج سيطرة الدولة اللبنانية، يزعم حَمَلته أنّهم يقاومون إسرائيل فيما يفرضون مشروعهم السياسي على الدولة اللبنانية التي تمّ استضعافها إلى درجة أنّ سلطاتها الثلاث قد وقعت تحت هيمنة حزب الله الذي احتكر المقاومة منذ هزيمة عام 2006 التي شكّلت لحظة الحقيقة.

إقرأ أيضاً: 3 مسيّرات بتوقيت طهران... ضدّ لبنان

يوم كانت إسرائيل تحتلّ أراضٍ لبنانية، كانت المقاومة فعلاً يُعبِّر عن حقّ الدفاع عن النفس. أمّا حين تدير المقاومة ظهرها لحقيقة أنّها لم تعُد ضروريّة، وأنّ مهمّتها قد انتهت، فتبدأ باحتلال لبنان، فإنّ ذلك يتطلّب موقفاً عربياً يقوم أوّلاً على نصرة اللبنانيين في الدفاع عن دولتهم وسيادتها الوطنية واستقلالها، وثانياً على إقناع المجتمع الدولي بضرورة رفض أن يكون لبنان حصة إيرانية في الصراع الملفّق مع إسرائيل.

كان من الممكن أن تكون المقاومة لحظة مشرقة في الدفاع عن الحرّية لولا أنّها التحقت بالاحتلال، وهو ما يُرضي إسرائيل ويجعل العالم مقتنعاً أكثر بحقّها في الدفاع عن النفس.

* كاتب عراقيّ مقيم في السويد