العمل العامّ: أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤوليّة

العمل العامّ: أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤوليّة

رضوان السيد - الثلاثاء 05 تموز 2022

في مشهدٍ جانبيّ للحرب المشتعلة في أوروبا قال أحد المعلّقين الألمان إنّ ثنائيّة "أخلاق الاعتقاد" و"أخلاق المسؤوليّة" هي من صنع الفيلسوف الألماني ماكس فيبر (1864-1920)، وهو يستظهر أنّ المستشار الألمانيّ الحاليّ أولاف شولتز (بخلاف أنجيلا ميركل) ما أصغى في تصرّفاته لا لأخلاق الاقتناع، ولا لأخلاق المسؤوليّة!

بعد أخذٍ وردٍّ أراد الرجل إنشاء أكبر جيش تقليدي في أوروبا. ولا شكّ أنّه مقتنعٌ بضرورة مكافحة العدوان الروسي على جارةٍ أوروبيّة. لكنّ أخلاق المسؤولية تقتضيه أن ينظر في المصالح العاجلة للشعب الألماني الذي يستورد نصف محروقاته من روسيا، ويحتاج إلى الغذاء أيضاً من روسيا وأوكرانيا.

ألمانيا قويّة، لكنّ احتياجاتها قويّة أيضاً. وتحت وطأة الاندفاع نحو "الإجماع" الذي تقوده الولايات المتحدة، اندفع الجميع، ومنهم ألمانيا، باتّجاه القطيعة الشاملة مع الروس. إنّ كلام الإعلاميّ الألماني عن أنّ ميركل كانت أقدر على مراعاة "الأخلاقين" صحيح. فقد اندفعت إلى التفاوض مع بوتين بعد مصيبة عام 2014. واستطاعت تهدئة غلوائه. ويمزح العارفون بأنّ تأثيرها عليه ناجمٌ عن إتقانها للّغة الروسية. فقد وُلدت ونشأت في شرق ألمانيا. لكن ينبغي أن نلاحظ أنّه بعد عام 2015 كان بوتين يحتاج إلى هدنة لكي يستطيع ازدراد ما حصل عليه. ثمّ إنّه منذ عام 2019 صارت ميركل تنذر بشرٍّ أعظم بعد خمود كورونا.

الحيرة حول شخصية بوتين، وكيف يمكن مقاربتها أو التفاوض معها؟ هو يعتقد أنّه بالتفاوض لن يحقّق شيئاً، وإنّما بالقوّة العسكرية، كما حصل في عدّة حالاتٍ سابقة

كيف يستطيع السياسيّ المنتخَب في الدول المتقدّمة التوفيق بين أخلاقه وواجباته الوطنية على فرض تناقضهما أو تضاربهما؟

كنت أقرأ كتاباً لجوزف ناي عن الأخلاق في السياسة الخارجية الأميركية. وجوزف ناي هو صاحب مصطلح: "القوّة الناعمة". لكنّه في كتابه هذا كان يواجه مهمّةً صعبةً جدّاً. فالولايات المتحدة، بقرار رئاسي طبعاً، ضربت مدينتي هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرّيّة. وفي نظر الكثير من المراقبين أنّ ذلك ما كان ضروريّاً. فاليابان كانت سائرةً نحو الاستسلام. والطريف أنّ اللوم الخفيف الذي يوجّهه ناي إلى رئيس القنبلة، ينقلب مديحاً للرئيس الأميركي هاري ترومان (1945-1953)، لأنّه لم يستعمل القنبلة في الحرب الكوريّة! بالطبع هو يمتدح الرئيس الأميركي جون كينيدي (1961-1963) لأنّه ما صعّد النزاع حول الصواريخ الروسيّة في كوبا. ثمّ إنّه يوجّه انتقاداتٍ إلى سياسات الحرب في فيتنام، ويتّهمها بـ"اللاأخلاقيّة".

 

ماذا تعني "أخلاق الاقتناع" أو "الاعتقاد" أو "الرسالة"؟

هي الأخلاق السياسية التي تحفظ الحياة البشرية أو تضع ذلك في مقدَّم أولويّاتها. أمّا المسؤولية فتتناول السبيل والسياسات العمليّة لحفظ الحياة والمصالح. وقد كان القادة الأوروبيون بين أحد خيارين: إمّا الدفاع عن أوكرانيا في وجه الغزو الروسيّ، أو التنازل لبوتين من أجل التفاوض. ومنهم مَن قال إنّ مساعدة أوكرانيا على الوقوف في وجه الغزو هي بحدّ ذاتها دفع لروسيا باتّجاه التفاوض. لكنّ هذه الرواية ما صحّت حتى الآن. فكلّما زاد الغربيون تسليح أوكرانيا وازدادت خسائر روسيا، ازداد بوتين عناداً واندفاعاً. ولذلك ما كان شولتز متخلّياً عن أخلاق الاقتناع والمسؤولية، بل في الحقيقة حاول مثل غيره أن يساعد أوكرانيا، وأن يبحث عن بدائل للغاز الروسي ولمنتجات الغذاء. وهذا الذي ظهر في سلوك المستشار الألماني، ظهر أفظع منه في سلوك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي استمات في التفاوض مع بوتين حتى لامه الأوكرانيون والفرنسيون.

هل هي مشكلةٌ أخلاقيّةٌ أم مشكلةٌ سياسيّة؟

يسارع الأميركيون، بسبب الأخلاق الطهوريّة البروتستانتيّة، إلى وضع العامل الأخلاقي في المقدّمة. وهو النزوع الذي يقوده الإعلام الأميركي الآن في الفضائيّات وفي الصحف. ومع أنّ رئيس الوزراء البريطاني هو الأكثر حماسةً في الحرب ضدّ روسيا، فإنّ هناك أصواتاً بريطانيةً تعتبر دفع أوكرانيا باتّجاه الحرب بدون رجعة، هو هلاكٌ وإهلاك. ولا بدّ من الإصغاء لِما يقوله السياسي العجوز جدّاً هنري كيسنجر من أنّه لا بدّ من تنازل حتى لا تصبح الحرب عبثيّة وهادرةً للأرواح ولا شيء غير.

ولنذهب إلى الطرف المقابل. الحيرة حول شخصية بوتين، وكيف يمكن مقاربتها أو التفاوض معها؟ هو يعتقد أنّه بالتفاوض لن يحقّق شيئاً، وإنّما بالقوّة العسكرية، كما حصل في عدّة حالاتٍ سابقة. لكن بغضّ النظر عن الأخلاق، فإنّ تصرّفات بوتين تجعل الحلف الأطلسي أقوى وأكثر إحاطةً بروسيا. ثمّ إنّ الحروب المتوالية توشك أن تخرج روسيا بالفعل من أوروبا. وروسيا ليست بهذا العجز بحيث لا يبقى لديها غير القوّة العسكرية. عندها قوّتها الناعمة. فها هو العالم يهتزّ بسبب الغاز الروسي والغذاء الروسيّ. لكنّ بوتين على عجلةٍ من أمره دائماً، وإرسال الفرق العسكرية أهون عليه من التفاوض الذي يحفظ السلام.

لا شكّ أنّ الجيش الروسي خسر في أربعة أشهر ما لا يمكن تعويضه في سنوات.

لكن ما أزال أرى أنّ المشكلة سياسية وليست أخلاقية. لكن عندما يقول لك الأمين العامّ للأمم المتحدة: ماذا عن هلاك الإنسان والعمران؟ وماذا عن ملايين الهاربين من مكانٍ إلى مكان؟ وماذا عن الأطفال المذعورين وكبار السنّ المذهولين؟ إن لم يكن لذلك معنى أخلاقي، فماذا يكون؟

كنتُ وأنا أُحضّر لهذه الكلمة أقرأ عن حرب بوتين في سورية. وقرأت تصريحاته عن تجربة الأسلحة الروسية الجديدة والفتّاكة. وقرأت أيضاً ملاحظاته التحقيريّة للشعب السوري. وقرأت مزاعمه عن حماية المسيحية في الشرق. وقد مضى الرئيس اللبناني ميشال عون إلى روسيا يطلب منه الحماية للموارنة أيضاً فلا تقتصر عنايته على الأرثوذكس.

إقرأ أيضاً: خطاب الكراهية والعنف مرض عالميّ!

على كلّ حال، ما واجه الأوروبيون شخصيّةً سياسيةً مثل شخصية بوتين من أيام هتلر وستالين. وهذه الشخصية لا تُواجهُ بالفعل إلّا بـ"أخلاق المسؤولية". لقد كان الأوروبيون دائماً يتجنّبون قتال روسيا باستثناء غزوة نابليون الفاشلة. لكنّهم يتّجهون إلى ذلك هذه المرّة ومعهم أو تقودهم الولايات المتّحدة. كالعادة ألمانيا هي أكبر الخاسرين، وليس بسبب "النوردستريم" فقط، بل للرهان الكبير على "تحالف التقدّم" في مديات متطاولة.