الخط 29 (2): هل اخترعه باسيل لابتزاز الأميركيين؟

الخط 29 (2): هل اخترعه باسيل لابتزاز الأميركيين؟

أساس ميديا - السبت 02 تموز 2022

كُتب الكثير عن الخطّ 29 وعن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. في هذا التحقيق المطوّل، عرض لأبرز "الروايات" المتناقضة حول كيفية ولادة هذا الخطّ، في الجغرافيا، ثم في السياسة، وفي الإعلام. ومحاولات للإجابة عن أسئلة كثيرة، أبرزها: هل تسرّبت شفّاطات العدوّ الإسرائيلي إلى غازنا ونفطنا، من تحت خلافاتنا الداخلية؟ وهل فرّطنا بثروة أولادنا وأحفادنا... طمعاً بكرسي الرئاسة أو ببعض المزاديات السياسية؟

5 حلقات كُتبت بناءً على مقابلات مع أحد المعنيين الأساسيين بهذا الملفّ إلى جانب رئيس الجمهورية، ومع أحد المعنيين القريبين من قيادة الجيش، ومع أحد وزراء حكومة حسّان دياب، ومع أحد الذين كانوا جزءا من فريق التفاوض في الناقورة، وكذلك بناءً على مقابلات مع حزبيين على علاقة مباشرة بهذا الملفّ، من الموقع التقني والعسكري والسياسي.

في الحلقة الثانية، محاولة للإجابة عن سبب "مرور" الخطّ 29 عبر قنوات قصر بعبدا. فهل اخترعه جبران باسيل، أم كان رئيس الجمهورية ضحيّته؟

اقتنع الأميركيون بالتفاوض على أساس الخط 29 وليس 23 . في هذا الوقت كان باسيل يحاول من خلال سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى تقديم تنازل مدفوع الثمن بالسياسة

في كانون الأوّل 2019 عُقدت ندوة في جنيف بحضور عددٍ كبير من النواب ممثّلي الكتل، برزت خلالها الدراسة التي تؤكّد أحقيّة لبنان بـ1,430 كلم مربّعاً من مياهه. أبلغ أحد ممثّلي رئيس الجمهورية في المؤتمر الرئيس ميشال عون بالمستجدّات. لكن وُضعت الدراسة في الأدراج حتى مطلع العام 2020... ولغاية ما، في السياسة، أُعيد تحريك الملف في ذلك العام، فكلّف عون الجيش اللبناني أن يستعين بالخبير نجيب مسيحي وبمشاركة المستشار الرئاسي طوني حداد، لإعادة درس الملف بكلّ تفاصيله.

من جهة طوني حداد، الخط 29 موجود قبل مجيئه من خلال الدراسة البريطانية التي تمّ عرضها في اجتماع عُقد في لندن عام 2018، والتي تحدّثت عن هذا الخط معتبرة أنّه يثبت حقّ لبنان في حدوده واعتباره واحداً من 3 اقتراحات. أنجز الجيش الدراسة بناء على هذا الأساس وأودعها وزير الدفاع، وبقيت أسيرة الدرج.

يكمل أصحاب هذه الرواية كلامهم بالقول: حسب قانون البحار يجب أن يُعطى صفر تأثير لجزيرة "تخليت" ليكون الخط 29 هو المعتمَد، وإذا كان تأثيرها مئة في المئة فسيُعتمد الخط 23. رفع الجيش تقريره في عهد حكومة سعد الحريري، وكان الحديث عن "خط هوف بلاس"، ثمّ كانت ثورة 17 تشرين، ثمّ وقع انفجار المرفأ. صارت الحاجة ملحّة إلى ملهاة للناس، فدخل عون وباسيل على الخط. استدعيا طوني حداد وأودعاه تقرير الجيش لبحث سبل استثماره وإحياء موضوع الحدود بعد سحب الملف من برّي وتحويل ذلك إلى انتصار.

اقتنع الأميركيون بالتفاوض على أساس الخط 29 وليس 23 . في هذا الوقت كان باسيل يحاول من خلال سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى تقديم تنازل مدفوع الثمن بالسياسة. قال الأميركيون إنّه لا مشكلة مع الخط 29، لكن يجب تسجيله في الأمم المتحدة ليكون موضع تفاوض.

 

لماذا اعترض باسيل الرسالة؟

في 4 أيلول وقّع عون رسالة وبعث بها إلى المديرية العامة للقصر الجمهوري، فأرسلها المدير العام للقصر الجمهوري أنطوان شقير إلى باسيل عبر "الواتساب" موقّعةً من عون، فطلب باسيل توقيفها، حينها انفجر الخلاف بينه وبين طوني حداد، وتحوّل إلى شجار حامٍ وسُمعت أصداء الصراخ في أرجاء القصر الجمهوري.

بدأت رحلة الخط 29 حين أراد باسيل سحب الملف من برّي وخوض "بازار" مع الأميركيين بشأنه

يؤكّد أصحاب هذه القراءة أنّ رئيس الجمهورية هو مَن عاد إلى تبنّي الخط 29 انطلاقاً من الدراسة البريطانية، وطلب من الخبير في الجيش نجيب مسيحي ومستشاره أنطوان حداد إعداد دراسة بشأن هذا الأمر، وبناءً عليه أعطى تعليماته لوفد الجيش بأن يتفاوض على أساس هذا الخط دون غيره. يرى هؤلاء أنّ عون تبنّى هذا الخط بعدما كان حداد أبلغه موافقة الأميركيين على التفاوض شرط إرسال رسالة إلى الأمم المتحدة بهذا الشأن.

تقول الرواية إنّ الأميركيين أدركوا أنّ اللبنانيين غير جدّيّين، وأنّ لعبة معيّنة يتمّ تمريرها، ففُرضت العقوبات على باسيل بعد سلسلة تراكمات. لقد كانت الرئاسة هي البوصلة. أُرجئ بتّ الموضوع ورُحِّلت القضية إلى الأوّل من تشرين الأوّل موعد إعلان اتفاق الإطار .

أثار فرض العقوبات على باسيل غضب عون، وأوقعه في حيرة من أمره، فهل يتشدّد أم يقدّم تنازلات؟

حُدِّد موعد المفاوضات في 14 تشرين الأوّل، وطلب عون الاجتماع مع الوفد العسكري لإبلاغه "إنت رايح على أساس حدود لبنان من راس الناقورة عند ملامسة مياه البحر مع صفر تأثير لصخرة تخليت"، أي الخط 29. ذهب الوفد إلى الجلسة الأولى التي كانت بمنزلة جلسة جسّ نبض، ومعه الخرائط الجديدة. وبعدها بخمسة أيام، أي في 19 تشرين الأوّل، زار وفد من اليونيفيل الرئيس عون الذي أبلغه أنّ حدود لبنان تنطلق من رأس الناقورة بخط وسطي مع صفر تأثير للجزر الساحلية لفلسطين المحتلّة، أي الخط 29. وهنا بدأت الحملة الإعلامية، وقام الجيش بجولات لتعويم الخط 29 وعارضه الأميركيون. وبينما الجيش يقول "لا يمكن التراجع عن الخط 29 في المفاوضات"، يصدر بيان لرئاسة الجمهورية يقول "لا يمكن أن نفاوض على أساس 29 وفي الأمم المتحدة الخط 23".

كان وفد الجيش يطالب بتعديل القرار 6433 كي يتطابق موقف البعثة العلمي مع الموقف الرسمي. حينئذٍ كان باسيل على خلاف مع سليمان فرنجية، فأطلق حملة "وقّع يا نجار (ميشال)" ظنّاً منه أنّ الثنائي الشيعي سيردعانه عن التوقيع فيظهر متخاذلاً. لكنّ نجّار خيّب حسابات باسيل بتوقيعه كما وقّعه دياب، ووصل إلى بعبدا وحصل الارتباك، فنصح سليم جريصاتي الرئيس بتبنّي فكرة أنّ المرسوم غير دستوري بدليل أنّهم كتبوا "بناء على قرار مجلس الوزراء"، وسرّب للإعلام أنّ في المرسوم مخالفة ارتكبها مجلس الوزراء، وأنّ الرئيس مؤتمن على الدستور ولا يمكن أن يوقّع.

 

تهرّب بعبدا من التوقيع

في 13 نيسان 2021 ردّت الرئاسة المرسوم إلى مجلس الوزراء لأنّه مخالف للدستور، فأصدرت رئاسة الحكومة ردّاً على الرئاسة الأولى تقول فيه إنّ الرئاسة الأولى سبق أن وقّعت 286 موافقة استثنائية مطابقة لهذا المرسوم، وإنّ الموافقات الاستثنائية تُكتب في المسوّدة الأولى بصيغة "بناء على قرار مجلس الوزراء" وتذهب إلى رئاسة الحكومة، وحين تُبلّغ الموافقة تُعاد صياغتها، والدليل على ذلك مشروع إحالة البنك الدولي الذي هو الأهمّ ويُلزم لبنان بتحمّل أعباء ماليّة.

في أواخر نيسان 2021 يتحرّك الملف في ضوء تحرّك إسرائيلي، وتحصل هجمة دبلوماسية على لبنان.

شهدت المنطقة محطتين بارزتين، الأولى حين تسلّم جو بايدن الرئاسة في أميركا، والثانية حين بدأت المفاوضات مع الإيرانيين في فيننّا. وقتذاك تغيّر الوفد الأميركي وعُيّن جون ديروشيه خلفاً لديفيد شينكر لرعاية المفاوضات، وزار لبنان في أيار 2021. تقول المعلومات إنّ وفداً من التيار التقاه عشيّة المفاوضات في السفارة الأميركية في عوكر، وقال إنّ كلّ المشكلة مصدرها قيادة الجيش والوفد العسكري. وكانت مفاوضات الناقورة قد عادت بعد تجميد.

في 4 أيّار 2021 يصل الوفد اللبناني إلى الناقورة ويتحدّث عن الخط 29، فيرفض الوسيط الأميركي، فيردّ الوفد اللبناني أنّ تعليماتي مختلفة، فيقول له الأميركي "راجع مسؤوليك". تنتهي الجلسة في نصف ساعة. يتوجّه الوفد من الناقورة إلى بعبدا ويستفسر عن الأمر، فيصدر عون بياناً رسمياً يقول فيه إنّه استمع إلى الوفد وأعطى توجيهاته بوجوب أن يكون التفاوض بلا شروط، أي إنّه تراجع بوضوح عن بيانَيْ الرئاسة في 13 و19 تشرين الأوّل. في اليوم الثاني تنشر جريدة "الأخبار" الناطقة بلسان حزب الله أنّ الوفد العسكري طرح استئناف المفاوضات بناء على نقطتين تبلّغهما من رئيس الجمهورية: الأولى أن يكون التفاوض من دون الخط 29، وأنّه محصور بين الخط واحد والخط 23، والنقطة الثانية أن يتم البحث بين خطّين على المكامن المشتركة. لكن حتى اليوم لم يصدر أيّ توضيح من الرئاسة الأولى.

 

باسيل وخوفه من جوزف عون

كلّ هذا اللغط سببه اعتقاد باسيل بأنّ اعتماد الخط 29 يعزّز حظوظ قائد الجيش في رئاسة الجمهورية أمام اللبنانيين وأمام حزب الله. لذا بدأ باسيل في رحلة ضرب هذا الخط نهائياً. يعيد أصحاب الرواية التأكيد أنّ رئيس الجمهورية هو مَن أشرف شخصياً على وفد التفاوض في كلّ محطة من المحطات الأربع. وفي بيانات رسمية صادرة عن رئاسة الجمهورية يقول عون إنّه أعطى توجيهاته للوفد بـ"أن يتفاوضوا على خط ينطلق من الناقورة وفق تقنية خط الوسط مع صفر تأثير للجزر الساحلية في فلسطين المحتلّة"، أي الخط 29.

وفق رأيهم بدأت رحلة الخط 29 حين أراد باسيل سحب الملف من برّي وخوض "بازار" مع الأميركيين بشأنه. "الجيش قال له صفر تأثير يعني 29، و100 تأثير يعني 23، ولك أن تقرّر". وليس صحيحاً أنّ الجيش أعطى للرئيس أكثر من خط تفاوضي، بل أعطاه الخط 29 عام 2018، وظهر الخط إعلامياً حين أراد عون وباسيل سحب الملف من برّي وفتح بازار مع الأميركيين وبرأي المصادر أنّ عون لا يمكن أن يأخذ الملف من برّي من دون المزايدة. لهذا كان الخط 29 هو المزايدة ثمّ قال باسيل لحزب الله إنّ الملف اخترعه جوزف عون للتسبّب بمشكلة بيننا وبينكم. فاضطرّ محمد عبيد إلى القول إنّ الرئيس عون دعاني إليه، وإنّ الاجتماعات حصلت برعايته، والخرائط أُودعت لديه، ورسالة الأمم المتحدة بعثها ميشال عون، والمرسوم الأول وقّعه عون ثمّ سحبه. إنّ هذا يثبت أنّ عون هو صاحب المشروع، فيما قال للأميركيين إنّ الملف اختلقه جوزف عون لتسويق نفسه رئيساً عند حزب الله. الملف من اختراع العهد، لكنّه فشل في تسويقه عند الأميركيين، وانفجر بين أيديهم وصاروا أمام خيار من اثنين، إمّا التنازل قانونياً أو واقعياً، بدليل الحديث الذي أدلى به هوكشتاين في الزيارة الأخيرة وما سبقها.

إقرأ أيضاً: كيف وُلدَ الخطّ 29.. ولماذا؟ (1)

هذا السرد أقرب إلى رواية الفريق المفاوض، من الجيش، الذي يتّهم السلطة السياسية بالتفريط بثروة لبنان وحدوده. الغمز هنا من قناة باسيل أيضاً وأيضاً، والسبب العقوبات والرئاسة والتصويب على المؤسّسة العسكرية وقائدها.

تجد الرواية السابقة نقيضها تماماً في الأروقة السياسية الرسمية. وهو ما يفضح التباين في مقاربة موضوع الحدود البحرية ومحاولة كلّ طرف إلقاء المسؤولية على كاهل الطرف الآخر.

 

في الحلقة الثالثة غداً:

ما حقيقة أنّ دياب لم يوقّع المرسوم 6433