تحرّك السيسي خليجيّاً أنقذ مصر من كارثة!

تحرّك السيسي خليجيّاً أنقذ مصر من كارثة!

عماد الدين أديب - الأحد 26 حزيران 2022

الآن يمكن القول إنّ تحرّك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خليجياً لاحتواء الآثار الاقتصادية للحرب الروسية - الأوكرانية كان ناجحاً بامتياز.

بسرعة غير مسبوقة استطاع الرئيس المصري، من خلال علاقاته بالشيخ محمد بن زايد والأمير محمد بن سلمان والأمير تميم بن حمد والملك حمد بن عيسى، أن يجري لقاءاتٍ سريعة في زمن قياسي، تكاملت مع حزمة إجراءات سياسية واقتصادية مهمّة جدّاً ستساعد القاهرة على عبور محنة فاتورة الـ25 مليار دولار.

يمكن القول إنّ البيت العربي – الخليجي مقبل على قمّة دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى مصر والأردن والعراق، مع الرئيس الأميركي جو بايدن. وهي ستُعقد في جدّة يومَيْ 15 و16 من تموز، وتمّ الإعداد لها من الجانب العربي، مسبوقةً بتفاهم واضح، وهي الآن أصبحت خالية من أيّ ملفات ثنائية تطرح أيّ علامات استفهام بلا اجابات مُرضية.

تحرّك الرئيس المصري السريع والمدروس لا يعني أنّ مصر أصبحت خالية من الأزمات، لكنّه يعني رفع سيف الأزمة من على عنق الاقتصاد المصري بشكل مباشر الآن.

تقول مصادر قطرية إنّ هناك رغبة صادقة من الأمير تميم لدعم العلاقات بين البلدين، وهناك رغبة قطرية أن يقوم الرئيس المصري بتلبية دعوة شقيقه القطري إلى زيارة الدوحة قريباً

المصيبة واحدة

قال لي الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، بحضور الدكتور عبد الرحمن السعيد، أحد أفضل مستشاريه السياسيين، إنّ "العلاقة بين القاهرة والرياض ليست علاقة موسمية طارئة تفرضها الظروف كلّما دبّت أزمة، لكنّها علاقة تفرضها الجغرافيا ويفرضها التاريخ والعلاقات الروحية التي تجعل المصريين يتوجّهون خمس مرّات يوميّاً اتجاه مكّة".

وتابع الملك عبد الله كلامه: "السعودية ليست مجرّد بنك أموال، ومصر ليست أكبر دولة عربية من ناحية التعداد، والمسألة ليست مقايضة هذا بذاك، إنّها مسألة وحدة مصير".

واختتم حديثه بعبارةٍ باللهجة النجدية: "إذا ما طرا طارى (طرأ طارئ) عندكم أو عندنا... المصيبة واحدة".

إنّها باختصار رؤية ملك سعودي عروبي يرى أنّ المسألة وحدة مصير.

هكذا هي رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز الذي بدأ في شبابه برؤية الرئيس السابق جمال عبد الناصر رمزاً للوحدة العربية، وقام بشراء أكبر جهاز مذياع ألماني حتى يلتقط إذاعة صوت العرب ليستمع على الهواء مباشرة إلى الخطب السياسية للرئيس الراحل.

وحينما قامت حرب السويس كان أهمّ أبناء الملك عبد العزيز (فهد، عبد الله، سلطان، سلمان، تركي وآخرين) متطوّعين في القوات الخاصة التي تدرّبت للدفاع عن مصر.

قال لي الأمير سلمان (أمير الرياض حينئذ) إنّ عبور الجيش المصري لقناة السويس في تشرين الأول 1973 كان بمنزلة عودة الروح للكرامة العربية.

وفي حوار صحافي منشور مع الرئيس السابق حسني مبارك قال لي: "أوّل لقاء من أجل عودة العلاقات المصرية – السعودية عقب المقاطعة العربية كان بيني وبين الأمير سلمان بن عبد العزيز في مدينة باريس، ويومها اتفقنا على أن يتمّ افتتاح معرض "الرياض بين الأمس واليوم" في القاهرة، وأن يحضر الأمير إلى القاهرة على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية".

وأضاف الرئيس أنّه "بعد شهر تلقّيت دعماً كريماً من الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، بمبلغ 500 مليون دولار لسدّ احتياجات مصر من واردات القمح".

وقال الرئيس مبارك: "جاء هذا الدعم بمبادرة من الملك فهد مع أنّني لم أطلب منه ذلك مباشرة أو تلميحاً".

هذه مجرّد قطرات في بحر، تبيّن طبيعة المياه الجارية بين مصر والسعودية، منذ عهد الملك المؤسّس عبد العزيز بن عبد الرحمن والملك فاروق بن فؤاد، رحمهما الله.

 

مشاركة مصر في حرب اليمن

ما بين مصر والسعودية، بلغة المصالح، تاريخ وجغرافيا ومناورات جوّية وبحرية مشتركة، وعمالة مصرية هي الأكبر خارج الحدود، ومقيمون سعوديون في مصر هم الأكبر خارج المملكة (حوالي 800 ألف)، وأكبر ميزان تعاون تجاري، وتاريخ من رابطة الدم في حرب فلسطين والعدوان الثلاثي وحرب حزيران وقطع النفط في حرب 73 وإرسال قوات مقاتلة إلى السعودية عند غزو الكويت، ومشاركة سرب جويّ وقِطَع بحرية في حرب اليمن الأخيرة.

ما بين القاهرة والرياض أكبر من أموال واستثمارات وتمويل مشتريات سلاح وإمدادات نفط وتحويلات مقيمين وحركة سياحية.

حركة انتقال القبائل العربية في مطلع القرن الماضي من نجد والقسيم إلى الريف المصري هي المكوّن الأساس لحركة القبائل في مصر، وعلاقات النسب والمصاهرة بين البلدين هي الأكثر عدداً.

كلّ هذا الكلام يعود إلى السطح عند تأمّل مشهد توقيع الاتفاقات بين الوفدين المصري والسعودي في القاهرة أثناء زيارة وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان للقاهرة خلال الأسبوع الماضي.

 

العلاقية المميّزة بين السيسي وبن سلمان

أهمّ ما في زيارة وليّ العهد السعودي هذه المرّة أنّ "حالة من الفهم والتفاهم الشخصي ما بين الرئيس السيسي والأمير محمد قد تطوّرت بشكل وثيق خلال هذه الزيارة وبشكل غير مسبوق في علاقاتهما السابقة".

في هذه الزيارة كانت الحفاوة المصرية الشديدة واضحة للغاية في استقبال الضيف السعودي، سواء في مراسم الاستقبال، من لحظة هبوط طائرة بن سلمان، أو أثناء مغادرته.

في هذه الزيارة كانت المبادرة من الرئيس السيسي الذي قال مازحاً في بداية لقاء الوفدين: "في كلّ مرّة يحدث جدل وشدّ وجذب، دعونا هذه المرّة ننتهِ من الجدل ونصل إلى نتائج إيجابية ونذهب إلى العشاء"، وضحك الجميع.

في العشاء الرسمي انفصل الرئيس السيسي وضيفه الأمير محمد في حوار حول عشاء عمل خاص مغلق بينهما.

تقول المعلومات المتوافرة إنّ هذا اللقاء كان من أكثر اللقاءات المتعدّدة بينهما صراحةً وشفافيةً وإيجابيةً، وإنّ كلّاً منهما خرج مستريحاً لنتائجه.

وحينما سألتُ عضواً بارزاً حضر هذه المحادثات: "كم درجة تقييم تعطي لهذه المحادثات من واحد إلى عشرة"، قال: "لأنّ الكمال لله وحده فإنّني أعطيها 9 من 10".

 اتفاقات بـ50 مليار دولار

خرجت المحادثات بتوقيع اتفاقات تعاون بـ7.7 مليارات دولار أميركي، وبتعهّد سعودي باستثمارات تُقدّر بـ30 مليار دولار، واتفاق على استخدام جزء من الودائع السعودية في البنك المركزي المصري يصل الى النصف من أجل تمويل استثمارات سعودية في مصر.

ومن أهمّ اتفاقات الاستثمارات إضافة مجموعة "عجلان" السعودية لتخزين النفط في مصر باستثمارات بلغت 3.3 مليارات دولار.

سبق زيارة الأمير محمد لمصر توقيع اتفاقات استثمارية لشراء حصص في شركات وعقارات ما بين 7 و10 مليارات دولار.

 

25 مليار من قطر

في شرم الشيخ كانت هناك قمّة ناجحة بين الرئيس السيسي وملك البحرين الذي حصل على تأكيدات مصرية لحماية بلاده من أيّ تهديد إقليمي من إيران.

مساء الجمعة أول من أمس وصل الأمير تميم بن حمد آل خليفة أمير دولة قطر إلى مصر بدعوة من الرئيس المصري من أجل دعم الاستثمارات القطرية في الاقتصاد المصري.

تكشف بعض المصادر أنّ هناك وعداً قطرياً بالوصول إلى 25 مليار دولار من الاستثمارات القطرية في مصر خلال العامين المقبلين.

يحدث هذا بعد توتّر شديد بين القاهرة والدوحة استمرّ منذ عام 2015 بسبب العلاقة الخاصة بين قطر وتنظيم جماعة الإخوان التي أوصلت العلاقة بين البلدين إلى مراحل صراع خطرة.

تقول مصادر قطرية إنّ هناك رغبة صادقة من الأمير تميم لدعم العلاقات بين البلدين، وهناك رغبة قطرية أن يقوم الرئيس المصري بتلبية دعوة شقيقه القطري إلى زيارة الدوحة قريباً، وهي ستكون الزيارة الأولى للرئيس السيسي لقطر.

من ناحية أخرى، يدرك الرئيس المصري أكثر من أيّ رئيس مصري آخر 3 أمور جوهرية قائمة على مصارحة النفس ولا تلقي بالمسؤولية على كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية:

1- إنّ الاقتصاد المصري يجب أن يعيش على قدراته الذاتية، وإنّ منطق المساعدات والهبات والودائع من الأصدقاء والأشقّاء هو بمنزلة مسكِّن، له تقديره العظيم من قبل المصريين، لكنّه ليس الحلّ الجذري للأزمة الاقتصادية المصرية.

2- إنّ مصر القويّة التي تسعى إلى إصلاح اقتصادي شامل يجب أن تعدّ نفسها لأن تكون قابلة وقادرة على استقبال استثمارات جديدة بالمليارات، وإعادة توفير بيئة صالحة ومتطوّرة للاستثمار، وقوانين عصرية ثابتة تحافظ على مصالح المستثمرين وتشجّع على حركة دخول الأموال وخروجها. وفي هذا المجال نجد أنّ جدول الرئيس المصري اليومي يضع هذه المسألة الحيوية في الصدارة المطلقة ويعمل على دعمها.

3- إنّ مصر بحاجة إلى بنية تحتية قوية يلزم إنشاؤها تريليونات من الجنيهات. لذلك كيفما أدرت وجهك إلى خارطة مصر تجد ورشة بناء عملاقة غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

إقرأ أيضاً: مصر: من يعوّض الفاتورة المؤلمة للحرب الروسيّة – الأوكرانيّة؟

في هذه المرحلة الدقيقة من إعداد تلك البنية التحتية كان لزاماً تلقّي مساعدة من الأشقّاء لاستكمال هذه المرحلة الجوهرية واستقبال الاستثمارات، فلن يأتي مستثمر إلى مصر بلا شبكة طرق و"كباري" (جمع كوبري، أي جسر) وحركة أشغال سهلة للأفراد والبضائع. ولن يأتي مستثمر من دون كفاءة في حركة الشحن والتفريغ في الموانئ والمطارات. ولن يأتي استثمار إلى مصر من دون وجود طاقة لازمة للأشخاص والمصانع متوافرة كلّ ساعة يومياً، ولن تأتي استثمارات من دون تحرير سعر الصرف مقابل الجنيه المصري، ولن تأتي استثمارات من دون توفير مياه شرب وشبكة صرف صحي عملاقة، وتوفير مستلزمات البناء من حديد وصلب وإسمنت.

كلّ ذلك ورثه الرئيس السيسي بعد تراكم 70 عاماً من الإهمال.