fb زيارة بايدن... محطّات ودلالات

زيارة بايدن... محطّات ودلالات

نبيل عمرو - الجمعة 24 حزيران 2022

بعد أخذ وردّ وتشكيك وتأكيد تقرّرت زيارة الرئيس جو بايدن لإسرائيل والسلطة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية. وقد وُصِفت بأنّها من أهمّ الزيارات الأميركية للشرق الأوسط، وأكثرها إلحاحيّة بالنسبة إلى الرئيس بايدن الذي ورّط نفسه في قيادة حرب كونيّة ضدّ روسيا لا أحد يعرف على وجه التحديد كم ستكون خسائرها أو أرباحها إذا كان هناك من أرباح أصلاً.

تغطّي الزيارة ثلاث محطّات، أهمّها الأخيرة، أي المحطّة السعودية.

 أدّت المملكة ومَن معها سياسةً مع أنّها بديهية إلّا أنّها وُصِفت بالجريئة ليس فقط في سياق الأزمة الأوكرانية الكونية، وإنّما قبل ذلك بزمن طويل، إذ لا قيود على الحركة ومجالات الانفتاح، مع استثمار متقن للوزن والإمكانات

1- الزيارة لإسرائيل نمطيّة وتقليدية، ولا تحمل أيّ مدلولات مختلفة عن كلّ ما هو ثابت في العلاقات الأميركية الإسرائيلية. غير أنّ الجديد فيها يتعلّق بالوضع الداخلي في إسرائيل، والاحتمالات التي سيفرزها في الأيام القليلة المتبقّية على إتمام الزيارة، ومنها احتمال أن يرى بايدن رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو على رأس مستقبليه في مطار بن غوريون، أو ربّما وزير الخارجية يائير لابيد الذي سيتسلم رئاسة الحكومة من نفتالي بينيت. ومع أن هذا الاحتمال ليس أكيداً تماماً بفعل أنّ الحياة السياسية الداخلية في إسرائيل تنتمي إلى تصنيف "الرخويّات"، التي تفتقر إلى عمود فقريّ راسخ، بحيث يحمل كلّ يوم احتمالات تغيير دراماتيكي. إلّا أنّ الرئيس الأميركي لا يملك إلا أن يصافح أو يعانق مَن يلاقيه في إسرائيل، ليقرآ معاً جملاً قُرئت كثيراً من قبل، كالقول إنّ "أمن إسرائيل أولى أولويّات السياسة الأميركية"، وإنّ وإنّ وإنّ.

2- أيّ زائر لإسرائيل على مستوى الرئيس بايدن وما دون، لا بدّ أن يؤدّي زيارة لرام الله، غير أنّ بيت لحم هي المفضّلة للرؤساء الأميركيّين، فهي تبعد عن القدس سفر عشر دقائق لا أكثر، وربّما أقلّ، وفيها أقدم كنيسة في التاريخ تجعل من الزيارة سياحية أكثر منها سياسية. وفي المغارة التاريخية الشهيرة اختلى بيل كلينتون بالربّ، ليطلب منه المغفرة والعون في أمر لوينسكي.

تفتقر زيارة بيت لحم إلى تقدير مسبق دقيق لِما سيحمل "بابا بايدن" من هدايا للفلسطينيّين، إلا أنّ ما هو أكيد أنّه سيقدّم دعماً ماليّاً مع إعادة الحديث عن حلّ الدولتين باعتباره أساساً من دون أن ينسى القول: "لم يحِن بعد وقت السعي إليه"، مع بعض الوعظ والإرشاد بالتوقّف عن الإجراءات الأحاديّة الجانب، وكأنّ السلطة المغلوبة على أمرها تحاصِر بإجراءاتها الأحاديّة تل أبيب!

السلطة الفلسطينية التي أعدّت قائمة طلبات تصفها بالحدّ الأدنى، هي أكثر الجهات، التي تعاملت مع أميركا، معرفةً بحدود ما تستطيع الدولة العظمى وما لا تستطيع. في ظلّ علاقاتها الفوق استراتيجية مع إسرائيل، خصوصاً أنّ الصوت الإسرائيلي في أيّ انتخابات أميركية على أيّ مستوى يظلّ هدفاً يسعى إليه السياسيون المتنافسون، ويعملون كلّ ما يستطيعون للظفر به، وأنّ الأميركيين في الطريق إلى الانتخابات النصفيّة، وهي الأهمّ والأكثر تأثيراً على المسارات في الدولة العظمى.

 

3- بعد انتهاء الزيارتين الإسرائيلية والفلسطينية، تبدأ الزيارة الأهمّ حسب الاحتياجات الدائمة والمستجدّة، أي أنّ الأخيرة هي الأولى، والجديد الحقيقي الذي لفت الانتباه سيتمّ هناك، من أرض المطار حيث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان على رأس المستقبلين، وخلفه وليّ عهده الأمير محمد بكلّ ما يعنيه، وما يعنيه كثير وجديد ودراماتيكي.

وإذا كان الاستقبال لا يحمل جديداً سعودياً، فهكذا تتمّ الأمور دائماً، إلا أنّ الجديد حقّاً هو اكتشاف أعلى مستوى أميركي لحقيقة أنّ الولاء التلقائيّ المتخيّل في الدوائر الأميركية لم يعُد حتمياً، وأنّ توازن المصالح أضحى أساس العلاقات.

لقد أدّت المملكة ومَن معها سياسةً مع أنّها بديهية إلّا أنّها وُصِفت بالجريئة ليس فقط في سياق الأزمة الأوكرانية الكونية، وإنّما قبل ذلك بزمن طويل، إذ لا قيود على الحركة ومجالات الانفتاح، مع استثمار متقن للوزن والإمكانات. ذلك لم يحدث فقط على صعيد العلاقات وكيفيّة إدارتها مع أميركا، وإنّما امتدّ إلى ما هو أوسع نطاقاً ونوعاً، فطال العلاقات مع إيران، تركيا، والعالم العربي، والصين وروسيا.... إلخ.

إقرأ أيضاً: ميثاق استراتيجيّ جديد بين أميركا والسعوديّة

العلاقات مع أميركا على كلّ مستوياتها هي أحد أهمّ الثوابت في السياسات الإقليمية والدولية. وعلى مدى زمن طويل كان المنهج الأميركي في تصميم وأداء مهامّها ينطوي على نظرة أحاديّة تتّسم بالفوقية، وهو منهج خسرت فيه أميركا أكثر بكثير ممّا كسبت. أضحى هذا المنهج بحاجة إلى تغيير، فهل تكون الزيارة المرتقبة وما سينجم عنها منعطف بداية؟

دأبنا نحن العرب في أدبيّاتنا السياسية على توجيه اللوم والتقريع لأميركا، وتحديداً بسبب انحيازها الدائم لإسرائيل ظالمةً أو ظالمةً. وإذا كنّا محقّين في الانتقاد واللوم، إلا أنّنا نُغفل دائماً الجانب الآخر من المعادلة، وهو ما يتعيّن علينا فعله كي نقتحم الرتابة والنمطيّة الأميركية المتعالية في التعامل معنا. من هذه الزاوية علينا الكثير ممّا نستطيع أن نفعله، ولا نفعله، وهذا ما يؤثّر كثيراً على الرؤية والسلوك الأميركيَّين تجاهنا.