fb ميثاق استراتيجيّ جديد بين أميركا والسعوديّة

ميثاق استراتيجيّ جديد بين أميركا والسعوديّة

ترجمة هشام عليوان - الخميس 23 حزيران 2022

ستيفن كوك Steven Cook ومارتن إنديك Martin Indyk – Foreign Affairs

 

ماذا تفعل مع زعيم عربي غنيّ بالنفط، لا يمكنك التعايش معه، لكن لا يمكنك العيش من دونه أيضاً؟

هذه هي المعضلة التي يواجهها الرئيس جو بايدن مع وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. منذ بداية ولايته، استبعد بايدن محمد بن سلمان لأسباب عدّة. وعندما كان مرشّحاً رئاسياً أعلن أنّه سيعامل المملكة العربية السعودية على أنّها "دولة منبوذة"، عاقداً العزم على إعادة إدخال القيم في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ودعم القادة الديمقراطيّين. لكنّ أسعار النفط ترتفع الآن مؤجّجةً التضخّم ومؤدّيةً إلى خفض نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي، مهدّدةً بإعاقة حظوظ المرشّحين الديمقراطيين بشدّة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. يبدو أنّ مفتاح عكس هذا المسار في يد محمّد بن سلمان، لأنّ بلاده هي المنتج الوحيد للنفط الذي يمتلك فائضاً كافياً لتهدئة أسواق النفط.

مع أخذ ذلك بعين الاعتبار، سوف يسافر بايدن إلى المملكة العربية السعودية في تموز المقبل. يبرّر مؤيّدو هذه الرحلة بأنّها صفقة سياسية واقعية نموذجية. فوائد المصالحة بديهية. ومن خلال إسقاط الاعتراضات الأميركية على محمد بن سلمان، ستقلّل إدارة بايدن من رغبة الحكومة السعودية في توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا على حساب الولايات المتحدة، وهو أمر مهمّ في عصر المنافسة الشديدة بين القوى العظمى.

من الواضح أنّ بايدن غير مرتاح لهذا النهج. ووفقاً لمجلةPolitico ، فقد عارض في البداية لقاء محمد بن سلمان. لكنّه راجع حساباته كما يبدو. مع ذلك، فإنّ استراتيجيّته الحالية لا تحلّ أيّاً من الخلافات الأساسية مع المملكة العربية السعودية، بل ستُوضع ببساطة تحت البساط. ومع ذلك، فإنّ وليّ العهد لن يطمئنّ إلى الصدقيّة الأميركية. ومع مرور الوقت، ومع انحسار آثار الحرب في أوكرانيا، فإنّ المنطق الكامن وراء مصالحة ضيّقة الأفق نسبيّاً سيضعف حتماً، جاعلاً استمرارها أكثر صعوبة. يجب على بايدن بدلاً من ذلك التفكير في إعادة صياغة مفاهيم أكثر جوهرية للعلاقة الثنائية. ما يحتاج إليه كلا البلدين هو ميثاق جديد يركّز على مواجهة التهديد الاستراتيجي الكبير الذي يواجهه كلاهما: برنامج إيران النووي.

سيتعيّن على المملكة العربية السعودية أيضاً تقديم تضحيات صعبة لتحقيق الاتفاق الجديد، وكسر اتفاقية النفط مع روسيا وتعاونها المتوسّع مع الصين

خطر مشترَك

قد تكون أسعار الطاقة هي الحافز على المدى القريب لرحلة بايدن إلى السعودية، لكنّ الرغبة المشترَكة في مكافحة الإرهاب ينبغي أن تكون في صميم أيّ تقارب. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تبقى إيران المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لذلك تحتاج واشنطن إلى شركاء إقليميين موثوقين ومؤهّلين لتحقيق التوازن، ومواجهة الطموحات الإمبريالية والطائفية لطهران. يمكن للسعودية أن تضطلع بدور مهمّ في هذا الصدد، ليس بسبب ثقلها العسكري، وهو أمر غير مهمّ في ميزان القوى في الشرق الأوسط، لكن بسبب تأثيرها الهائل في سوق النفط العالمي، ودورها الريادي في العالمين العربي والإسلامي.

بالمقابل، يشعر السعوديون بالقلق من أنّ الولايات المتحدة تفضّل التكيّف مع طموحات إيران الإقليمية بدلاً من مواجهتها. ومع اقتراب إيران من عتبة الأسلحة النووية، أصبح السعوديون يركّزون على الكيفيّة التي يمكن بها للقدرات النووية أن توفّر لإيران الحماية من اضطرابات إقليمية أكبر. وهذا يفسّر سبب طرح محمد بن سلمان الفكرة مع مسؤولي إدارة بايدن بشأن ضمان أمني مشابه لحلف شمال الأطلسي. وعليه، يُعتبر أيّ هجوم على السعودية هجوماً على الولايات المتحدة. فعلى الرغم من انتقاداته السابقة لبايدن، يتطلّع محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة لتوفير رادع أكثر موثوقيّة ضدّ طموحات إيران النووية والإقليمية، وتوفير وسائل أكثر فاعليّة ضدّ هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيّار التي يشنّها وكلاء إيران.

هذا يفتح الباب أمام مراجعة أساسية للعلاقات الأميركية السعودية. وتتطلّب المضامين الدقيقة لاتفاق جديد بين البلدين مفاوضات مفصّلة. وبالنظر إلى انعدام الثقة الآن، وصعوبة بعض الخطوات، سيكون من الضروريّ اعتماد نهج تدريجيّ. لكن يجب على بايدن محاولة وضع خارطة طريق في محادثاته في الرياض في تموز.

 

نموذج صفقة واقعيّة

إنّ الالتزام الشبيه بحلف شمال الأطلسي تجاه السعودية، هو ببساطة غير قابل للتحقيق حتى لو كان مرغوباً فيه. لكن في زيارته المرتقبة، يمكن لبايدن أن يكرّر علناً التزامه منع إيران من حيازة أسلحة نووية، وأن يضيف تعهّداً أكثر عموميّة، أعلنه الرئيس جيمي كارتر للمرّة الأولى عام 1980، بمنع أيّ دولة معادية من السيطرة على منطقة الخليج.

يمكن للولايات المتحدة بعد ذلك الدخول في اتفاقية إطار عمل استراتيجي مع المملكة العربية السعودية كما فعلت مع سنغافورة، على سبيل المثال. تنصّ هذه الاتفاقية على التزام الولايات المتحدة بتعزيز التعاون الدفاعي والأمني الثنائي للتعامل مع التهديدات المشتركة، وتعزيز السلام والاستقرار الإقليميَّين. في حين أنّ هذا المزيج لا يوفّر ضماناً أمنيّاً، لكنّه سيُلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على توازن ملائم للقوى في المنطقة، وتوفير الوسائل اللازمة للسعودية للدفاع عن نفسها من خلال تعاون دفاعي أوثق مع واشنطن. يمكن دعم هذه الالتزامات الشفهية من خلال إنشاء آليّات استشارية رسمية، وتدريبات عسكرية مشتركة، ودفاعات متكاملة، وغيرها من مظاهر القوّة الصارمة للالتزام الأميركي بالأمن السعودي. بمرور الوقت، إذا ارتقت العلاقات الثنائية، يمكن لأميركا الاقتراض من قانون العلاقات مع تايوان Taiwan Relations Act، والالتزام بالتعامل مع أيّ هجوم على المملكة بوصفه تهديداً للسلام والأمن في الخليج. ويمكن أن يلتزم بايدن بتوفير الأسلحة اللازمة لتمكين السعودية من "الاحتفاظ بقدرات كافية للدفاع عن النفس". سيتطلّب ذلك، بالطبع، موافقة الكونغرس، التي لن تكون وشيكة إلا إذا تمكّنت إدارة بايدن من تبرير ذلك.

وإذا انهارت المفاوضات الحاليّة بشأن الاتفاق النووي الإيراني، واستمرّت إيران في تطوير برنامج أسلحتها النووية، فستحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى النظر في مدّ مظلّة نوويّة إلى السعودية مقابل التزام سعوديّ بالتخلّي عن أيّ حيازة نووية مستقلّة، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم. وسيكون التزاماً أميركيّاً طويل المدى. أمّا البديل فهو سعي السعودية إلى الحصول على أسلحة نووية خاصّة بها، وهو ما سيساعد على تأجيج سباق التسلّح النووي في الشرق الأوسط

يمكن للولايات المتحدة بعد ذلك الدخول في اتفاقية إطار عمل استراتيجي مع المملكة العربية السعودية كما فعلت مع سنغافورة، على سبيل المثال

خطوات مطلوبة سعوديّاً

في الوقت الذي يخوض فيه بايدن حرباً بالوكالة مع روسيا، ويواجه الصين في آسيا، ويُداري الأميركيين الذين سئموا الحروب في الشرق الأوسط، فإنّ تسويق الالتزام الأمنيّ الجديد مع المملكة سيكون صعباً. ولجعل الأمر مجدياً بالنسبة إلى بايدن، ولتحسين فرصه في تسويقه لدى الكونغرس والجمهور الأميركي، سيحتاج محمد بن سلمان إلى اعتماد خطوات مقابلة من شأنها أن تثبت رغبته في أن يكون شريكاً موثوقاً به.

أوّلاً، ستحتاج السعودية إلى تقديم التزام رسمي بلا قيود زمنية لاستخدام فائض إنتاجها من النفط لتحقيق الاستقرار في الأسعار عند مستويات معقولة، وإنهاء اتفاقية حصّة الإنتاج مع روسيا، التي تقيّد كميّة النفط التي يمكن أن توفّرها المملكة العربية للسوق، وإمداد أوروبا بما يعوّض عن النفط الروسي. ستكون هذه مساهمة استراتيجيّة في فعّاليّة العقوبات ضدّ روسيا، وتحسين مكانة محمد بن سلمان في واشنطن.

ثانياً، تفاهم أميركي سعودي بشأن إنهاء حرب المملكة في اليمن، على شكل انسحاب سعودي أحادي الجانب. في أوائل نيسان، وافق محمد بن سلمان على هدنة لمدّة شهرين مع الحوثيّين، ومُدّدت أخيراً. وأشرف على إنشاء مجلس رئاسي مكلّف بالسعي إلى حلّ تفاوضي للصراع اليمني. لسوء الحظ، ليس لدى الحوثيين حافز كبير للتعاون بينما يعتقدون أنّ بإمكانهم تحقيق مكاسب ميدانية. إنّ استئناف حملة القصف السعودية سيؤدّي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويؤجّج الغضب في الكونغرس، ولن يُنهي الحرب، ولا يخدم المصالح السعودية. سيُلقي هذا النهج عبء مواصلة الحرب على الحوثيين، ويساعد على تحسين سمعة المملكة في الولايات المتحدة، وسيوفّر مبرّر الدفاع عن النفس إذا واصل الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية. ومن خلال الانسحاب من جانب واحد، سيتجنّب السعوديون اللجوء إلى إيران لدفع الحوثيين إلى طاولة المفاوضات، ومنع إيران من قبض الثمن. وسيوفّر أيضاً أسباباً إضافية لإدارة بايدن للالتزام بالدفاع عن المملكة، ولا سيّما تزويدها بالأسلحة والتكنولوجيا لمواجهة هجمات الحوثيين.

ثالثاً، في مقابل التزام أمني أميركي، سيحتاج محمد بن سلمان أيضاً إلى مزيد من الخطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مثل حقوق التحليق الإسرائيلي الجوّي فوق المملكة، والرحلات الجوّية المباشرة للمواطنين المسلمين الإسرائيليين والفلسطينيين لأداء فريضة الحجّ، والاتصالات المباشرة، والمشاركة السعودية مع إسرائيل في اجتماعات إقليمية، وفتح مكاتب تجارية. وهذا من شأنه أن يساعد في تعزيز الشراكة الاستراتيجية الإسرائيلية العربية التي تجسّدت في اتفاقيات أبراهام، وقمّة النقب في آذار 2022، التي أدخلت مصر في دائرة الاتفاقات. هذه الخطوات نحو التطبيع من شأنها إضفاء المزيد من الشرعية على الدور العسكري لإسرائيل في العالم العربي، وتسهيل التعاون الاستراتيجي ضدّ إيران.

هذا من شأنه أن يغيّر الطريقة التي ينظر بها أعضاء الكونغرس إلى المملكة، وهم الذين يعتقدون أنّ تعزيز أمن إسرائيل ورفاهيتها يخدم المصالح الأميركية. وسيحظى بدعم المجتمع المؤيّد لإسرائيل في الولايات المتحدة. ومع ذلك، لتبرير مثل هذه الخطوات للملك سلمان ورعاياه، سيطلب محمد بن سلمان إحراز تقدّم نحو حلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بالنسبة إلى إسرائيل، السعودية هي جوهرة التاج في عملية التطبيع. ويمكن للولايات المتحدة استعمال الاستعداد السعودي لبدء تطبيع العلاقات من أجل تشجيع إسرائيل على اتخاذ خطوات مقابلة تجاه الفلسطينيين، مثل تجميد النشاط الاستيطاني خارج الجدار الأمنيّ، والتنازل عن المزيد من أراضي الضفة الغربية، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في إعادة بناء الثقة وتوفير أساس لمفاوضات الوضع النهائي من أجل عقد معاهدة سلام بين الإسرائيليّين والفلسطينيين. المشاركة السعودية العلنيّة في هذا الجهد، إلى جانب مصر والأردن، يمكن أن تفعل الكثير للمساهمة في التسويات النهائية اللازمة لحلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أخيراً، يحتاج وليّ العهد إلى التعامل بشكل مختلف مع المعارضة السياسية السلميّة، مع مواصلة تقييد المؤسسة الدينية في البلاد، عبر تقليل صلاحيّات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنح المرأة المساواة في الحقوق، وبثّ صورة إصلاحية شاملة ومتسامحة للإسلام على الصعيد الدولي. يجب عليه أيضاً أن يكرّر اعترافه العلني بأنّه يتحمّل المسؤولية عن مقتل خاشقجي، وأن يحرص على عدم حدوث شيء من هذا القبيل مرّة أخرى.

إقرأ أيضاً: تركيا: أهلاً بوليّ العهد السعودي

لا بدّ من المخاطرة

سيتعيّن على المملكة العربية السعودية أيضاً تقديم تضحيات صعبة لتحقيق الاتفاق الجديد، وكسر اتفاقية النفط مع روسيا وتعاونها المتوسّع مع الصين، والعودة إلى الفلك الأميركي بكلّ ما قد يعنيه للسياسات الداخلية والخارجية لمحمد بن سلمان. تحتاج الولايات المتحدة إلى شريك سعودي مسؤول. وبالمقابل، تحتاج المملكة العربية السعودية إلى شريك أميركي موثوق. هذه هي اللحظة المناسبة لبايدن ليحقّق نجاحاً كبيراً في علاقته مع السعودية، أو فليبقَ في الوطن.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا