fb خطاب الكراهية والعنف مرض عالميّ!

خطاب الكراهية والعنف مرض عالميّ!

رضوان السيد - الثلاثاء 21 حزيران 2022

تحدّث الأمين العامّ للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن مواجهة خطاب الكراهية والازدراء بتاريخ 18/6/2022 في اليوم العالميّ لمكافحة خطاب الكراهية. والكراهية المقصود بها الأقوال والكتابات والأفعال والتصرّفات ذات الأبعاد السلبية في الدين والقوميّة والإثنيّة والجهويّة. وشكا الأمين العامّ غوتيريش من الانتشار الواسع والمزدوج للكراهية والازدراء. وهما مقترنان في كثيرٍ من الأحيان. فالقويّ قد يقترن لديه الأمران، أمّا الضعيف فيواجه ذلك بالكراهية العاجزة. وكلا الأمرين يؤدّيان إلى العنف الذي لا يقتصر على الأقوال، بل يصل إلى الأفعال والسياسات. وبالطبع فإنّ الطرف القويّ هو الذي يبادر إلى الأمرين، وفي غالب الأحوال بداعي الأوهام أو الانفراد بالحقّ والحقيقة أو الاستقواء.

في زمن الحروب الدينية في القرن السابع عشر بين الكاثوليك والبروتستانت التي كتب ضدّها الفيلسوف جون لوك رسالته في التسامح، كان الجمهور من الطرفين مقتنعاً أنّه على حقّ، وأنّه بمقاتلته للطرف الآخر إنّما ينصر المسيح ودينه. بيد أنّ الأمر ما كان قاصراً على اعتقاد التفرّد بالحقّ، بل كانت هناك جهات سياسية تستفيد من التعصّب الديني لدى كلّ طرف للدفع إلى الاقتتال من أجل السيطرة والغلبة. واختلف الأمر في زمن الدولة القومية، حيث تبلورت مقولة الأمّة/الدولة، أي ينبغي أن تكون لكلّ أمّةٍ قوميّةٍ دولة، وتكوّنت قضية الأكثريّة والأقليّة، فصارت لدى الأقليّات في كلّ أمّةٍ ودولةٍ مشكلة كبرى لأنّ الأكثرية القومية يجب أن تستأثر بكلّ شيء. واحتاج الأمر إلى أكثر من قرنٍ ونصف القرن، وحروب عالميّة، حتّى جرى الاعتراف بالحقوق الأساسية من خلال المواطنة بغضّ النظر عن الدين والإثنيّة.

تتعدّد أسباب الكراهية بين الديني والقومي والسياسي والطغياني واستبداد الفاسدين. وفي لبنان تجتمع العلل كلّها لفوران الحقد والضغائن

- إنّ هذا الاعتراف الذي صار عالميّاً يواجه تحدّياتٍ كبرى، لأنّ النزعتين المكوّنتين للهويّة والخصوصيّة عادتا للظهور، ونعني بهما الدين والإثنيّة أو القوميّة، ويُضاف إليهما ممارسة القهر والعدوان في المجال الدولي والآخر الوطني فيما يشتدّ الوعي لدى الأقلّيّات والمستضعفين من الأنواع كلّها لضرورات الانفصال والتحرّر بسبب صعوبات العيش مع الكثرة الدينية والأخرى القوميّة والثالثة الطغيانيّة!

لنذكر بعض الحالات الحاضرة التي تُخيف الأمين العامّ للأمم المتحدة بشأن استفحال الكراهية:

- كان الباحث الأميركي ستودارد في كتابه "سياسات الدين والدولة العلمانية" (2009) قد أشار إلى حالاتٍ في دول معاصرة، مثل الولايات المتحدة والهند ومصر، عملت الأحزاب السياسية والجهات الحاكمة فيها على مجاراة الأصوليّات الدينية من أجل كسب التأييد أو الأصوات في الانتخابات. وبالفعل فإنّ سياسات الاستعطاف للجهات الدينية والهويّة الانعزالية أوصلت بعض الرؤساء في الولايات المتحدة إلى سدّة الحكم. لكن كان من وراء ذلك أيضاً انقسام عميق في الرأي العامّ الأميركي لا يمكن تعليله فقط برعاية الحزب الجمهوري للمتشدّدين ودعاة الكراهية (قارن مشاهد الهجوم على الكونغرس لمنع تثبيت فوز جو بايدن).

- أمّا في الهند فإنّ حزب بهاراتيا جاناتا وصل إلى السلطة بالدعاية المتشدّدة الدينية والقومية (اعتبار أنّ المسلمين ليسوا هنوداً أصليّين) عبر سنين وسنين. وما يزال فيها لأكثر من عشر سنين. الهند في حالة نهوضٍ اقتصادي واندفاع. لكنّ ذلك بدأ وتنامى قبل عهد بودي، إنّما صار يُنسبُ إليه. والحزب الناجح يواليه المواطنون. لكنْ ما في الهند أكثر من ذلك بكثير. هناك موجة كراهية عارمة منتشرة بين العوامّ الهندوس ضدّ المسلمين. والسلطات تدعمها علناً ولها آثار فظيعة على الأرض. هندوسيّ مسكين اشتبهوا فيه أنّه مسلم وفشل في إثبات هويّته فمات تحت الضرب. مساجد تُهدَّم ويُبنى مكانها معابد. نساء مسلمات يضعن على رؤوسهنّ غطاء رأس فيُمنعن من دخول الجامعة مع أنّ الهندوسيّات يضعن على رؤوسهنّ غطاءً مشابهاً(!). والبوليس لا يتدخّل، والقضاء لا يستمع للشكاوى. ومرّةً أُخرى هل يرجع ذلك لإغراءات الحزب الحاكم فقط، أم موجة الكراهية تحرّكها أوهامٌ استيقظت وهي ذات جذور؟! يروي أماراتيا صَن عالم الاقتصاد الكبير الحاصل على جائزة نوبل (2008)، وهو أميركي من أصول هندية، في كتابه الصغير "الهويّة والعنف" (2006)، أنّه وهو طفل كانت تقيم بجوارهم في الأربعينيّات عائلة مسلمة فقيرة جدّاً، ولأنّ أطفال عبد القادر، ربّ العائلة، جاعوا، والاضطرابات بمدينة مدراس عام 1946 طالت، فإنّه خاطر بالخروج بحثاً عن عمل فتناولته حشودٌ بالضرب والطعن فما وصل إلى باب منزل أسرة أماراتيا إلاّ وهو في آخر رمق. وأخذ والد أماراتيا عبد القادر بسيّارته إلى المستشفى، لكنّه توفّي. يقول أماراتيا صَن: "بعد ستّين عاماً ما يزال منظر عبد القادر البائس ماثلاً في الذاكرة، شاهداً على فظاعة هياجات الهويّة".

- ما يجري بالهند جرى ويجري مثله وأفظع في ميانمار ضدّ أقليّة الروهينغا المسلمة. وما نفعت مبادرات الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان والدول الإسلامية في التخفيف عن المضطهَدين، الذين هرب معظمهم إلى بنغلادش، وأمّا الذين استطاعوا منهم ركوب البحر فلجأوا إلى تايلند وماليزيا وإندونيسيا. والمشكلة هنا مضاعفة لأنّ أكثر القتل في الأقليّة يمارسه جيش الدولة.

- نقترب من منطقتنا. بعد عام 2005 نشبت مذابح بين السُنّة والشيعة في العراق استمرّت أعواماً وأدّت إلى تهجير ملايين بداخل العراق وخارجه. ثمّ نزلت باجتماعنا الإنساني والسياسي كارثة تنظيم داعش (2014-2018) الذي ذهبت ضحيّة إجرامه آلاف الأُسَر باسم الدين والكراهية والاختلاف. وعندما أزيلت سيطرات التنظيم الإرهابي حدثت ردود فعل فظائعيّة أيضاً. هناك ألوف مؤلّفة ما تزال في المخيّمات. وفي السجون بالعراق وسورية زهاء ستّين ألفاً من الدواعش وأُسَرهم ثلثاهم من الأطفال والنساء. متى تلتئم جراح الكراهية والقتل بالعراق بالذات؟ كان هناك أملٌ كبير بحركة مقتدى الصدر للانتقال بالنظام العراقي من المحاصصة الطائفية، إلى نظام المواطنة الدستورية، لكنّ الصدر كما بادر وأقدم، سُرعان ما تراجع وأرغم نوّابه على الاستقالة، وخذل حلفاءه من الأكراد والسُنّة، فعاد الطائفيون المتأيرنون إلى التصدّر.

هناك أيضاً حالة الهويّة القومية الكردية غير الدينية في العراق التي عادت أخيراً إلى التفاقم. منذ أشهر أقبل الإيرانيون على قصف إقليم كردستان بالمدفعية والصواريخ والمسيَّرات بحجّة ضرب المواقع الإسرائيلية في أربيل، فيما الحقيقة أنّ القصف كان عقاباً للبارزاني لأنّه تحالف مع مقتدى الصدر. من ناحية كركوك دأبت الميليشيات العراقية المتأيرنة على قصف أربيل بالمدفعية والصواريخ. والمحكمة الاتحادية العراقية أصدرت أحكاماً ضدّ الكرد في ما يتعلّق بتقاسم الثروة النفطية. كلّ ذلك دفع مسعود البارزاني إلى القول: إن كنتم ترفضون الاحتكام إلى الدستور، فلا يبقى غير "الدم".

- ولنصل إلى لبنان حيث تتعاظم قذائف الكراهية والازدراء من كلّ نوع. قبل مدّة طالب وزير السياحة من أجل تشجيع المجيء إلى لبنان في الصيف بإزالة صُوَر القادة الدينيين الإيرانيين من على طريق المطار، فهبّت عليه عاصفة طائفية طالبت بإزالة صُوَر القدّيسين المسيحيين من الشوارع في المناطق المسيحية. وفي ذلك ازدراءٌ للدين ولعقول الناس ومصالحهم. وعندما حكمت المحكمة الدولية على عضوين جديدين بالحزب المسلَّح بالمؤبّد قبل أسبوعين، بتهمة المشاركة في قتل الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وعشرات معه، صمت الحزب صمتاً مطبقاً، وما بادرت السلطات الأمنيّة والقضائية إلى محاولة القبض على الجناة وقد صاروا ثلاثة، وقال لي رجل دين قريب من الحزب: "هذه الجريمة على كلّ حال إن ثبتت فهي جريمةٌ سياسيةٌ وليست دينية أو ناجمة عن الكراهية، وإلّا فبماذا تصف مقتل لقمان سليم وهو شيعيّ؟!".كأنّ القتل لأسباب سياسية لا يدلّ على الكراهية والاستعلاء!

حالة القهر الأمنيّ والسياسي التي يمارسها الحزب المسلَّح، وحالة الابتزاز والسيطرة السياسية والإدارية والفساد التي يمارسها التيار الوطني الحر من سنوات وسنوات، دونما أملٍ بالتغيير وبإزالة سلاح الحزب، وفساد السياسيين، وجوع اللبنانيين، يوصل كلُّ ذلك إلى موجات متعاليةٍ من الكراهية من جانب المواطنين العاجزين عن ضمان أمنهم الشخصي وغذائهم وكهربائهم ووقود سيّاراتهم. وهي الأمور التي طالب بها البطريرك بشارة الراعي يومَيْ 18 و19 من هذا الشهر، متّهماً المسلّحين والطبقة السياسية اللبنانية بالتسبّب في إعراض العرب والعالم كلّه عن لبنان.

إقرأ أيضاً: في الخوف من الدولة.. وفي الخوف عليها

في النهاية كما في البداية هناك في العالم اليوم موجات متعالية من الكراهية التي تدفع باتّجاه العنف والعنف المضادّ: ماذا ننتظر من الأوكرانيّين؟ أن يحبّوا بوتين أو الروس مثلاً الذين لم يحرّكوا ساكناً عندما غزت جيوش دولتهم البلد المجاور؟

تتعدّد أسباب الكراهية بين الديني والقومي والسياسي والطغياني واستبداد الفاسدين. وفي لبنان تجتمع العلل كلّها لفوران الحقد والضغائن. النتيجة في كلّ الحالات واحدة، كما قال الشاعر: تعدّدت الأسباب والموت واحد.