fb محطّة بايدن "السياحيّة" في فلسطين!

محطّة بايدن "السياحيّة" في فلسطين!

محمد قواص* - الثلاثاء 21 حزيران 2022

تسعى واشنطن إلى توفير عوامل نجاح، ولو كان شكليّاً، لزيارة الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل والأراضي الفلسطينية. وإذا ما كانت المحطة السعودية، من ضمن زيارة بايدن للشرق الأوسط الشهر المقبل، هي الأهمّ في مقاربة الإدارة الأميركية للمنطقة، إلا أنّ بايدن يحتاج في الوجهة العربية الأولى له في فلسطين إلى إنجاز ما في ملفّ الصراع يكون فيه متميّزاً على نحو نوعيّ عمّا انتهجته إدارة سلفه دونالد ترامب.

ولئن عُلّقت "صفقة القرن" أو تراجع وهجها، إلا أنّ غياب خطة أميركية بديلة في عهد الإدارة الديمقراطية ما زال يجعل من "الصفقة" المشروع الدوليّ الوحيد الذي سيتمّ حتماً إنعاشه إذا ما تولّى الجمهوريون دفّة الحكم في البيت الأبيض بعد انتهاء ولاية بايدن، وخصوصاً إذا ما استعاد ترامب بالذات المنصب في انتخابات عام 2024. حتى أنّ إفراج واشنطن عن مساعدات ماليّة للأونروا ومؤسّسات فلسطينية، أو وعود نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي مبعوث الإدارة الأميركية هادي عمرو، فقد ظلّا احتمالَيْن اقتصاديَّين على خطى الترامبية بنكهة بايدينيّة واهنة.

زيارة بايدن الإسرائيلية-الفلسطينية لن تعدو كونها من تقاليد أيّ رئيس أميركي يصل إلى البيت الأبيض

تطلّب الإعداد لزيارة بايدن اتّصالات أردنيّة مصرية مع قيادة السلطة، من ضمنها زيارة مفاجئة قام بها وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي لرام الله في 31 أيار، من أجل تهيئة الأجواء للّقاء بين بايدن وعباس، وتوفير شروط نجاح مساعي الإدارة الديمقراطية من أجل تحقيق تقدّم نوعيّ يُنهي الانسداد الحاصل منذ عام 2014. وليس صدفة أنّه في اليوم نفسه أجرى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتصالاً بالرئيس الفلسطيني.

بيد أنّ ما أورده البيان الرسمي الفلسطيني بشأن زيارة الوزير الأردني، اعتُبر بمنزلة رسالة مباشرة إلى واشنطن هدّد فيها عباس بأنّ "القيادة الفلسطينية بصدد اتّخاذ إجراءات لمواجهة هذا التصعيد الإسرائيلي، في ظلّ عجز المجتمع الدولي عن إرغام إسرائيل على الامتثال لقرارات الشرعية الدولية". وتأتي الجهود المصرية الأردنية من أجل إقرار تهدئة فلسطينية عقب تهديدات صدرت عن القيادة الفلسطينية (المجلس المركزي الفلسطيني في شباط) بسحب الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل.

إلى ذلك ذكرت معلومات أخرى أنّ الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، رفضا اقتراحاً أميركياً لعقد لقاء فلسطيني إسرائيلي تشارك فيه الولايات المتحدة ومصر والأردن. لم يحصل الفلسطينيون على ضمانات بخروج هذا اللقاء بتعهّدات إسرائيلية دولية بالالتزام بحلّ الدولتين وفق القرارات الدولية، والإسرائيليون المتحجّجون بأزمتهم الحكومية غير معنيّين بأيّ "شبهة" مفاوضات مع الفلسطينيين. لكنّ الأرجح أن لا شعور عامّاً بجدّية بايدن وإدارته في "اقتحام" أكثر الملفّات تعقيداً في التاريخ الحديث.

على الرغم من الهمّة الأميركية المستجدّة للإطلالة على الشأن الفلسطيني لدرجة عقد قمّة بين الرئيسين الأميركي والفلسطيني، إلا أنّ الإدارة الديمقراطية المناكفة عقائديّاً لترامب، والتي سعت إلى الانقلاب على قراره الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، وإعادة ترميم ما أصاب علاقات واشنطن مع الحلفاء من تصدّعات، ما زالت، ولأسباب مقلقة، متلكّئة في التراجع عن قرارات ترامب بشأن الفلسطينيين.

التراجع عن تركة ترامب

تطالب السلطة الفلسطينية برفع منظمة التحرير الفلسطينية من قوائم الإرهاب، فيما رفعت الإدارة حركة "كاخ" اليهودية المتطرّفة عن تلك القوائم.

وتطالب السلطة بفتح ممثليّة المنظمة في واشنطن التي أغلقتها إدارة ترامب في أيلول 2018.

كما تطالب بإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية التي أغلقتها الإدارة السابقة عام 2019 بعدما تمّ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، مقابل موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت الرافض للأمر "دفاعاً عن القدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل".

وتطالب السلطة بقرار يتيح استئناف المساعدات الماليّة الأميركية للفلسطينيين، الذي ما زال خاضعاً لقانون "تايلور فورس" الذي أقرّه الكونغرس عام 2018 في عهد ترامب، والذي يشترط لإرسال المساعدات الاقتصادية الأميركية للسلطة الفلسطينية وقف السلطة الدفعات الماليّة لـ "صندوق أُسَر الشهداء".

المفارقة أنّ الإدارة الأميركية، حتّى من أجل تسهيل زيارة بايدن للمنطقة، لم تتّخذ أيّ مواقف تدين التصعيد الإسرائيلي الميداني خلال الأسابيع الأخيرة ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تقدّم أيّ وعود بإمكانها تهدئة القيادة الفلسطينية وفتح آفاق الأمل بمعاملة أميركية إيجابية مختلفة، يمكن أن تنسحب على مجمل الموقف الدولي.

 

إضعاف فتح لصالح حماس

يرفع الجمود الأميركي حجم الضغوط السياسية على قيادة السلطة بشأن طريقة تعاطيها مع التصعيد الإسرائيلي ضدّ المدن والقرى الفلسطينية، ويرفع مستوى الضغوط المالية الاقتصادية التي تهدّد بإضعاف السلطة الفلسطينية في مقابل حركة حماس التي توسّع من شعبيّتها حتى داخل الضفة الغربية. والأمر يطرح أسئلة بشأن خطة إسرائيلية لا تمانع في تعزيز نفوذ الحركة الإسلامية لأغراض إسرائيلية خبيثة، ترمي إلى هدم الوعاء السياسي الفلسطيني والترويج لحلول اقتصادية هدفها أن تحسّن من الأحوال المعيشية للفلسطينيين بدون بحث أيّ مستقبل سياسي لهم.

وإذا لم تحصل مفاجآت في اللحظة الأخيرة، فإنّ زيارة بايدن الإسرائيلية-الفلسطينية لن تعدو كونها من تقاليد أيّ رئيس أميركي يصل إلى البيت الأبيض، وقد يصحّ وصفها بالسياحية الاستطلاعية التي لن تعلن أيّ تحوُّل نوعيّ أو اختلاف عن سياسة واشنطن المعهودة وسياسة ترامب بالذات بشأن القضية الفلسطينية.

والأرجح أنّ الإدارتين، الحالية والسابقة، وكما أكّد السفير الأميركي في إسرائيل توماس نايدز في أيار، تعوّلان على "اتفاقات أبراهام" إطاراً أساسيّاً، وربّما نهائيّاً، لترتيب علاقات إسرائيل بالعالم العربي.

إقرأ أيضاً: 

والظاهر أنّ المحطة الإسرائيلية-الفلسطينية، ولا سيّما في شقّها الإسرائيلي، هي مباركة إضافية لإطار إقليمي أوسع تأمل واشنطن في توسيع مساحة أطرافه من خلال اجتماع في جدّة سيجمع الرئيس الأميركي مع قادة مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن والعراق. وليس تفصيلاً أن يجعل بايدن من هذا الاجتماع بالذات عنواناً أساسياً وأصيلاً، وكاد يكون وحيداً، لجولته الشرق أوسطية.

 

 

* كاتب لبناني مقيم في لندن