مياهُ لبنان... مفاوضاتٌ ملوّثة!

مياهُ لبنان... مفاوضاتٌ ملوّثة!

محمد زينب* - الجمعة 17 حزيران 2022

تسود ثلاثُ نظريّات للتفاوض مع إسرائيل في العالم العربي منذ قامت الدولة العبرية عامَ النكبة في 1948.

لا تخرج أيٌّ من هذه السياسات التفاوضية عن الإطار العام للحرب المستدامة على الأرض والحقوق والموارد والثروات عبر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

سواء في السلم أو الحرب، في الدبلوماسية أو في ميادين القتال التي خِيضَت مع إسرائيل بعد النكبة، من تأميم قناة السويس عام 1956 حتى آخر حروب العرب معها عام العبور في 1973، مروراً بنكسة 1967، وما بعدها خلال نصف قرن من أزمة حيّة نازفة (ضمن ما أُطلِق عليه فيما بعد عمليّة السلام منذ عام 1974)، صبّت العلاقة مع إسرائيل في النظريّات الثلاث لـ"فنون التفاوض" التي تنتمي إلى ثلاث مدارس:

1- كانت أولى مدارس التفاوض مع جمال عبد الناصر، الذي درّس التاريخ العسكري في الكلية الحربية خلال عصرَ الملكية، إلى أن قاد ثورة الضباط الأحرار عام 1952 مفتتحاً تاريخاً جديداً في مصر والعالم العربي.

ليس غريباً أن تُتمَّ إسرائيل واجباتها في الوقت الأصلي من المباراة، وتسجّل هدف إنهاء مرحلة التنقيب لتنتقل إلى صناعة الهدف التالي

كانت هذه المدرسة ترى أنّ التفاوض يجب أن يقود إلى أقصى ما يمكن تحقيقُه من مكاسب، حتى لو تهيّأ للطرف الآخر أنّ الاستعداد للحرب جارٍ على قدمٍ وساق إلى أن يستطيع المفاوض نَيْلَ أكبر قدرٍ من المنافع حتى لو اُضطرَّه الأمر إلى بلوغ حافة الهاوية، لكن من دون أن يقع فيها، وكانت هذه سياسة تعزّز المكاسب، إلّا أنّها انطوت في طيّاتها على درجة عالية من المخاطر.

2- حلّت بعدها سياسة حزب البعث العربي الذي ما لبث أن انشقّ إلى بعث عراقي وآخر سوري. إلّا أنّ أبرز معالم هذه المدرسة كان بلوغ حافة الهاوية حتى لو تطلّب الأمر الوقوع فيها (خاصة بعث العراق زمن الرئيس صدام حسين)، مع ما عناه ذلك من مسارِ توالد الحروب وشقاق الأخوَة (اجتياح الكويت عام 1990) وتكاثر الخسائر بشراً وحجراً.

3- ثمّ أتت مدرسة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، التي سُمِّيت لاحقاً بمدرسة الواقعية المتّزنة، وتتّبع نظرية "خُذ وطالِب"، وقد تبنّتها منظمة التحرير الفلسطينية عندما ذهب ياسر عرفات إلى مؤتمر أوسلو عام 1993.

لماذا العودة الآن إلى كلّ هذا التاريخ بسنينه؟

لأنّ الوعيَ يُفترض أن يُستدعى من مخزون الذاكرة تبعاً للحاجة وعند اللزوم.

ولأنّه خلافاً لكلّ أصول التفاوض ومذاهبه ومراميه، يبدو لبنان الرسمي والمقاوم والثائر على السواء، كغريقٍ تتلاطمه أمواجُ مياهِه البحرية غير المرسّمة.

 

ما الذي استجدّ؟

في جولة جديدة من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة الأميركية التي توقّفت في أيار من العام الماضي نظراً إلى صعوبة الوصول إلى حلول، الذي استجدّ وألزم لبنان بتحريك مياه الترسيم الراكدة هو التحرّك الإسرائيلي باتّجاه إبحار إنيرجن باور (الحفّارة التجارية اليونانية) ووصولها إلى المنطقة الحدودية البحرية مع لبنان.

ليس غريباً أن تُتمَّ إسرائيل واجباتها في الوقت الأصلي من المباراة، وتسجّل هدف إنهاء مرحلة التنقيب لتنتقل إلى صناعة الهدف التالي متمثّلاً ببدء مرحلة الاستخراج من شمال حقل كاريش المختلَف عليه (يُعتبر متنازَعاً عليه مع لبنان إذا ما اتُّخِذَ لبنان الخط 29* قاعدة للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل).

تشير المعلومات إلى عودة هوكشتاين إلى لبنان خلال مهلة أسبوعين، إذ من المفترض أن يقدّم في الأسبوع الأوّل المقترح اللبناني لإسرائيل بعد التشاور مع الإدارة الأميركية

وبينما ترسي هي قواعد اللعبة وتوقيتها في زمن الحاجة الأوروبية الماسّة إلى الغاز والنفط، يُستدرج لبنان إلى أن يتفاعل مع ما تُخطّطُ له إسرائيل، لاعباً في خطّ الدفاع في أحسن الأحوال، إذا لم يكن متلقّياً للأهداف.

هكذا عاد آموس هوكشتاين كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية إلى لبنان (الإثنين 13-6)، وغادر وهو يعرف ما تريده إسرائيل وما كلّفته به إدارتُه الأميركية المشرفة على عمليّة تسهيل المفاوضات بين الجانبين.

كيف آن أوان التسهيل؟

تدرك أميركا كما يدرك العالمُ كلّه أنّ لبنان وصل اليوم إلى الحضيض والبؤس في حياة أهله وناسه اليومية، فيما لبنانيّو السلطة ما يزالون يركضون في اتجاهات متعاكسة، دونما الوصول إلى منطق واحد وسَوِيّ في أصول المفاوضات والتفاوض.

فما الذي عدا ممّا بدا؟

ما بين الحدود اللبنانية البرّية التي لم تُرسَّم إلا بالخط الأممي الأزرق إلى أن تُحَلّ مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلّة (لبنانية أم سورية)، والحدود الجوّية المستباحة من إسرائيل على اتّساع المدى، يذهب لبنان إلى ترسيم الحدود البحرية، فيما يغطس تحت ماء التناقضات في المواقف المعلنة والنيّات المخفيّة لأطراف الداخل اللبنانيين.

خرقٌ في جدار الأزمة؟

حدث قبل أيام خرقٌ في جدار الأزمة تمثّل في تلقّي هوكشتاين في نهاية جولته على أركان السلطة السياسية والعسكرية في لبنان ردّاً رسميّاً (شفهيّاً) بقبول الخط 23 معدّلاً (يضمّ حقل قانا كاملاً) بدل الخط 29.

أخيراً جاء بشقِّ الأنفس الجواب على المقترح الأميركي المرفوع قبل أشهر (شباط 2022) من خلال ردٍّ متوافَق عليه لبنانياً، وذلك قبل لفظ النفس الأخير في رحلة الألف ميل! فقد انقضت أكثر من عشر سنوات منذ عام 2011 ولبنان يفاوض للوصول إلى اتفاق إطار في العام 2020، فيما كان على وشك الانقلاب على نفسه وحقوقه بطرح خطٍّ جديد لا يعلم أحد لماذا لم نتوصّل إليه سابقاً؟!

إلى أين من هنا؟

تشير المعلومات إلى عودة هوكشتاين إلى لبنان خلال مهلة أسبوعين، إذ من المفترض أن يقدّم في الأسبوع الأوّل المقترح اللبناني لإسرائيل بعد التشاور مع الإدارة الأميركية، ليأخذ جواباً واضحاً سلبياً أو إيجابياً عليه، ويعود بعدها حاملاً الردّ إلى لبنان في الأسبوع الذي يليه. فكيف يعود من إسرائيل، التي فقدت حكومتها قبل أيام الأكثرية في الكنيست؟

طبقاً لهذه الرواية وفي انتظار الخبر اليقين فإنّ مرحلةً شديدة الدقّة والخطورة في خيارات مفاوضات الترسيم ترتسمُ معالمُها!

هل نصل إلى التسوية؟

هل يصل لبنان إلى تسوية عمليّة تحفظ الحقّ من دون زَيْف في الادّعاء أو مزايدة في القدرة على تحصيل المزيد؟ هذا سؤال آخر ينتظر جواباً أخيراً؟!

خاطر عبد الناصر وقضى باكراً، وقاتل صدام حسين حتى قُتل، واستعان بورقيبة بالإقرار بالواقع بدل حال النكران، اجتهد كلٌّ منهم فأخطأ، وقد يكون أصاب، فيما دفع العرب، شعوباً، الأثمان تلو الأثمان.. لكنّ الفعل أو ردّ الفعل كان واضحاً في الحالات الثلاث!

إقرأ أيضاً: حكومة "إسرائيليّة" في لبنان؟

أمّا ما كان حاصلاً لسنوات في لبنان من اللافعل والجمود في ملفٍّ مصيري، فجديدٌ في مدارس السياسة والتفاوض!

وإذا سلّمنا أنّ المطلوب هو التوافق قبل التكلّم بمنطق واحد، فإنّ ما جرى لم يكن بالضرورة واقعاً ضمن مساعي التوفيق أكثر من كونه غارقاً في تكريس كلّ أنواع التلفيق.

يتبع..

 

*إعلامي لبناني