حكومة "إسرائيليّة" في لبنان؟

حكومة "إسرائيليّة" في لبنان؟

محمد زينب* - الجمعة 03 حزيران 2022

جاءت ليلة رأس السنة الانتخابية بالكثير من الفرح والإسعاد للّبنانيين الذين يتوقون منذ سنوات إلى شيء ما ينعش القلوب ويفرح الخواطر، عشيّة إعلان النتائج والتهليل بالسلاح، مع السلاح وضدّ السلاح.

لكن بعد كلّ ليلة رأس سنة تأتي السنة الجديدة ويبدأ دوران الرؤوس وتردّي التركيز وصداع ما بعد السعادة المفرطة.

هي عوارض الحقيقة تحلّ بعد نشوة الاحتفاليّة وما تلبث أن تنقضي، لتعود الأمور إلى سَرْي عادتها ورتابتها، وبشكل أكثر فداحةً ومأساوية في بلد مأزوم كلبنان.

فلا حلول في الأفق سوى كلام نظريّ يُريد أصحابه تعظيم فوزهم، وآخر يريد مطلقوه تشريح زيف ادّعاءات خصومهم.

يتّجه البلد المقاوم لنفسه قبل مقاومة إسرائيل إلى فرض مزيد من التشكيك في فرص تشكيل حكومة، حتى على شكل حكومة الاحتيال والفخاخ القائمة حتى الساعة في إسرائيل

فلنراجع النموذج الإسرائيلي:

في إسرائيل، يتناحر رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت ووزير خارجيّته يائير لابيد في لعبة حلول الثاني مكان الأوّل كما كان متّفقاً عليه بينهما منذ تشكيل حكومتهما، وهي خليط غريب مجهول الأنساب، من أحزاب وحركات لا تتّفق على قضية، وهي لم تنَل ثقة الكنيست في مفارقة غير مسبوقة، لولا دعم القائمة العربية برئاسة منصور عباس.

منصور عباس رئيس "القائمة العربية الموحّدة" هو السابقة. إذ يشارك فلسطينيّو العام 48 (عرب إسرائيل مجازاً) في اتفاقٍ ائتلافي حكومي للمرّة الأولى منذ قيام إسرائيل، ويشكّلون (4 نوّاب) حائط الصدّ ضدّ إسقاط الحكومة الإسرائيلية المجهولة النَسَب.

تَمثَّل الهدف الأوحد من هذه التوليفة حينذاك في التخلّص من بنيامين نتانياهو، رئيس حزب الليكود ورئيس حكومة إسرائيل الأطول مكوثاً في منصب رئيس الوزراء.

لكنّ الحكومة العرجاء ما لبثت أن راحت سكرة تأليفها وحلّت فكرة انفراط عقدها منذ انعقاد جلساتها الأولى، نظراً لاختلافها على جنس الملائكة والشياطين.

قام تحالف الكراهية هذا منذ حوالى العام على حبر من ورق، لم يَأمَن فيه جانبٌ إلى الآخر، فبقيت الحكومة تتأرجح بين البقاء والزوال، في الطريق إلى سقوط محتّم صار مسألة أسابيع تنقضي أيامها، بقول أبرز المراقبين والمتابعين.

لا تستقيم حكومة، أيّ حكومة، تحتوي هذا القدر من التناقضات والنيّات المبيّتة والعقائد المتباينة بين إسرائيليين لا يجمعهم سوى مقرّ مجلس الوزراء، وبدعةٍ مستحدثة تدّعي أنّ سلطة الدولة العليا في إسرائيل تقوم بسَندِ صوتٍ عربي.

 

لبنان "الإسرائيلي"

في لبنان تنبئك مراكز البحث والدراسات بعد استقصاء متقن عن نواب برلمان 2022 (128 نائباً) بأنّه كما في إسرائيل كذلك في لبنان، فإنّ معسكرات الأحزاب والتيارات على اختلافها لا تعرف سبيلاً للوصول إلى حكومة أكثريّة، أيّ أكثرية، تقف على أرض ويعلوها سقف.

قد ترى حكومة القدس المحتلّة ماثلة أمامك هنا في بيروت الحرّية والتحرير

يعتقد حزب الله أنّه وحركة أمل والتيار الوطني الحرّ وما تبقّى من حلفاء لهم، وعلى الرغم من كلّ شيء، يشكّلون كتلة أكثر تماسكاً (قوامها 60 نائباً) ممّا تظهَّر حتى الآن من تكتّلات قوى التغيير والمعارضة المتصدّية له، وهي بنظرِه تجمّعات تتخطّى حاجز الأكثرية (65 نائباً) بالعدّ الحسابي فقط، وليست جبهةً فعليّة، ويستحيل عليها من منظار حزب الله وَضْع رؤيةٍ أو تصوّر مشترك لحلف مركزيّ حقيقي في الشكل والمضمون.

هكذا يتّجه البلد المقاوم لنفسه قبل مقاومة إسرائيل إلى فرض مزيد من التشكيك في فرص تشكيل حكومة، حتى على شكل حكومة الاحتيال والفخاخ القائمة حتى الساعة في إسرائيل.

تضحي أقصى الآمال في حال كهذه أن تتشكّل حكومة على الطريقة الإسرائيلية مع تعديل بسيط..

.. أن تبلغ حكومة كهذه حافة الثقة بصوت عربي مقاوم، مسنودةًّ إلى قائمة عربية كقائمة منصور عباس، كي تتخطّى حاجز الثقة، على أن يكون الأمر معكوساً في لبنان، فالحكومة اللبنانية المقاومة ستحتاج، لتتخطّى حاجز الـ65 نائباً، إلى صوتٍ، كثيراً ما تطلق عليه منصّات المقاومة أنّه صوتٌ إسرائيلي، بالتلميح حيناً وبالتصريح أحياناً.

وعليه فإنّ ائتلافاً حكومياً على هذه الشاكلة يصير وارداً في لبنان بعد انقضاء المهل وفترات السماح ووساطات الحلّ، إذ يتمّ التسويق له حينها على أنّه أهون الشرور.

والشرور على أشكالها أضحت تقع في لبنان كلّ يوم وفي كلّ ساعة.

 

ميقاتي الفرنسي؟

أمضى نجيب ميقاتي رئيس حكومة تصريف الأعمال آخر جلسات حكومته يوم الجمعة 20/5/2022 كرئيس أصيل للحكومة، بينما تراوده الشكوك وتساوره نفسه عن الأيام المقبلة بكلّ مآزقها ومعضلاتها، ما ظهر منها وما بطَن.

ها هو قد تخلّى عن النيابة والبرلمان، فهل تؤهّله عدم الرغبة النيابية بأمنية البقاء كرئيس مكلّف تشكيل الحكومة المقبلة من قبل البرلمان الجديد؟

يُعلّل نفسه بأمل أن لا خيار بديلاً عنه في هذه الأوقات الحرجة، مع جرعة دعم فرنسية سبقت الانتخابات النيابية برغبة في بقائه لأكثر من سبب.

ونظراً للتردّي وانعدام العملة الصعبة وقلّة الفيول واختفاء رغيف الخبز وأساسيّات الغذاء ونُدرة الكهرباء والماء واستعصاء الدواء المزمن..

إقرأ أيضاً: المجلس سيّدُ نفسه.. وبرّي سيّدُ المجلس

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما

         يظنّان كلَّ الظنّ أن لا تلاقيا

هكذا قد ترى حكومة القدس المحتلّة ماثلة أمامك هنا في بيروت الحرّية والتحرير.

وقد تبيح الضرورات كلّ المحظورات أحياناً في أزمنة يُستشار فيها العرّافون بدل أن يُستفتى فيها العارفون.

* إعلاميّ لبنانيّ