بايدن في اليابان وكوريا: سائحٌ... وليس امبراطوراً

بايدن في اليابان وكوريا: سائحٌ... وليس امبراطوراً

د. محيي الدين الشحيمي - الجمعة 03 حزيران 2022

يبدو الرئيس الأميركي جو بايدن "سائحاً" سياسياً، أكثر مما هو رئيس الدولة الأكثر عظمة في تاريخ البشرية. الدولة التي تحكم العالم وحيدةً منذ عقود. على الأقلّ في زيارته المزدوجة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، في 20 أيار الماضي.

هذا على الرغم من أنّ بايدن بدأ ولايته الرئاسية بـ"الانسحاب" من الشرق الأوسط، باعتبار أنّ المواجهة الأهمّ هي في المحيط الهادىء، بمواجهة الصين. وهو يسعى لاحتوائها، من خلال توطيد علاقته بهاتين الدولتين بوجه كوريا الشمالية والصين. 

لكنّ المشكلة أنّ إدارة بايدن لم تعلن رسمياً عن استراتيجيّتها في المحيطين الهندي والهادئ. إلا أنّ الخطوط العريضة لرؤيتها ونهجها اتجاه المنطقة هي جدّ واضحة، و"دعم الأصدقاء" مظلّتها الكاذبة. وتريد أميركا أن تُبقي الهند في التجمّع كهدف استراتيجي أكثر إلحاحاً لواشنطن.

تزامنت جولة بايدن مع مناقشة الحكومة اليابانية سياستها الأمنية والدفاعية المستقبلية، وتحضيرها خططاً لإصدار استراتيجية جديدة للأمن القومي

سياسة اليابان الأمنية

تزامنت جولة بايدن مع مناقشة الحكومة اليابانية سياستها الأمنية والدفاعية المستقبلية، وتحضيرها خططاً لإصدار استراتيجية جديدة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومع ترتيبات بين دول المنطقة لمكافحة "الشحن المظلم"، أي تسهيل كشف وضبط الأنشطة البحرية غير القانونية.

كلّ هذا يصبّ في صالح الولايات المتحدة. لكنّ المشكلة أنّ الدول النامية في آسيا متردّدة ومتخوّفة من إدانة العدوان الروسي. فهي لا تثق بأميركا وبايدن، وتركّز بشكل أكبر على مشاكلها الملحّة كالأمن الغذائي وارتفاع أسعار النفط والتعافي من الأوبئة.

وعلى الرغم من توسيع اليابان وكوريا الجنوبية طموحاتهما في السياسة الخارجية، إلا أنّهما لم تُظهرا بعد الإرادة السياسية والاقتناع بإصلاح العلاقات والتنسيق بشأن المصالح المشتركة على الصعيد الثنائي أو الثلاثي مع الولايات المتحدة.

إدارة بايدن التي تكرّر دوماً أنّها لا تسعى إلى حرب باردة جديدة مع الصين، ولا تطلب من دول المنطقة الانحياز إلى بكين أو واشنطن، تريد من هذه الرحلة إرساء توازن فقدته السياسة الخارجية الأميركية أخيراً، على وقع ازدياد النفوذ الصيني وتمدّده وصعود نجم المناورات والتجارب الصاروخية الباليستية والنووية غير البريئة التي تساهم في تسخين منطقة شرق آسيا.

 

الاستقبال الصاروخي لبايدن

فقد فصلت ساعات قليلة بين اختتام بايدن أوّل محطة في زيارته وبين مجموعة أحداث، أبرزها الإطلاق التجريبيّ الأوّل للصواريخ الباليستية من كوريا الشمالية، والحديث عن استعدادها لتجربة نووية في المستقبل القريب، بالإضافة إلى تنفيذ الصين مناوراتها القريبة من تايوان، وكأنّها ردّ واقعي على "السياحة" البايدنيّة.

كان المقصد من هذه الزيارة الرئاسية طمأنة المنطقة الصفراء إلى أنّ الولايات المتحدة ستظلّ ملتزمة على الدوام بحماية المحيطين الهندي والهادئ، حتّى في ظلّ أسوأ أزمة دولية عانت منها أوروبا منذ أكثر من نصف قرن في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وذلك بهدف طمأنة اليابان وكوريا الجنوبية بشكل إضافي، وهما اللتان شاركتا بشكل استباقي في حملة العقوبات الاقتصادية لردع ومعاقبة العدوان الروسي، بخلاف دول آسيوية أخرى.

 

رسائل بايدن

يحاول بايدن بشكل متواتر بثّ رسائل بليغة حول عدم قابليّة تجزئة النظام القائم على قواعد محدّدة وثابتة. وهو يقصد من ذلك أنّ العدوان العسكري غير المنضبط والإكراه الاقتصادي، في أوروبا كما في آسيا، لا يؤدّيان إلا "إلى إضعاف السلام والاستقرار في كلّ مكان"، وأنّ الولايات المتحدة، على حدّ زعمه، في وضع فريد يمكّنها من حشد الحلفاء في جميع أنحاء أوروبا وآسيا لمواجهة التحدّي.

يحاول بايدن بشكل متواتر بثّ رسائل بليغة حول عدم قابليّة تجزئة النظام القائم على قواعد محدّدة وثابتة

وهو يستند إلى توافق جمهورية وديمقراطي في الداخل الأميركي، يعطي هذه المنطقة المزيد من المكانة، باعتبارها مفتاحاً للازدهار والأمن الأميركيَّين. فلا بديل أميركياً عن المشاركة في إدارة المنطقة مع الحلفاء، وهذا أمر حاسم لحيثيّتها، على الرغم من البهتان في السياسة البايدنيّة الخارجية وعدم نجاعتها.

انطلاقاً ممّا سبق يمكننا تلخيص أهداف بايدن بالنقاط التالية:

- مواجهة التقدّم الروسي صوب أوكرانيا.

- تعميق العلاقات الاستراتيجية مع اليابان وكوريا الجنوبية، في سبيل بناء فريق إقليمي وزيادة إجراء التدريبات العسكرية المشتركة.

 - زيادة كميّة الحصص الآسيوية من "جرعات الأسلحة النووية"، أي التمكين والمساعدة أكثر في إنشاء البنية التحتية النووية اللازمة لتجهيز وتصنيع وزيادة الترسانة النووية وتحويلها من سلمية إلى عسكرية.

- إطلاق المسار الاقتصادي لاستراتيجية الإدارة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال التفاوض على اتفاقيات تجارية جديدة.

تفيدنا هذه الزيارة بأنّ الولايات المتحدة لن تتخلّى عن عباءة القيادة للصين، وأنّ لديها القدرة على تقديم حلول عمليّة للمشاكل الحرجة الآنيّة كاختناقات سلسلة التوريد العالمية التي بدأت مع جائحة كورونا واستمرّت مع حرب أوكرانيا وغيرها من الأزمات الاقتصادية، ونشر التقنيات الرقمية.

تتزامن هذه الزيارة مع إعلان القادة عن تحالف استراتيجي شامل يعزّز الشراكة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية خارج شبه الجزيرة الكورية، والوعد بدور إقليمي وعالمي أوسع لكوريا الجنوبية على مستوى التكنولوجيا وسلاسل التوريد والمناخ والأمن الصحي وغيرها من المجالات.

تتزامن أيضاً مع إقرار البرلمان الياباني قانون الأمن الاقتصادي الهادف إلى تطوير وحراسة التقنيات الناشئة وزيادة مرونة البنية التحتية الحيوية والابتكارية لسلاسل التوريد، وذللك نتيجة ارتفاع معيار القلق والتوجّس بشأن الصين مجدّداً، الذي زاد من منسوب الحكم الاقتصادي الدفاعي في اليابان.

إقرأ أيضاً: حرب أوكرانيا.. صوت آخر مقبل من الغرب

هي زيارة ترى فيها أميركا – بايدن جدران دعم لأمنها القومي بمواجهة الصين، في حين تريدها اليابان وكوريا الجنوبية دعامات لبنيتها التحتية الاقتصادية والأمنية في وقت واحد. وبين هذين الحدّين بدا بايدن سائحاً أو طالباً للجوء السياسي، وليس إمبراطوراً.