fb أنقرة - أبو ظبي: بصمات محمد بن زايد

أنقرة - أبو ظبي: بصمات محمد بن زايد

د. سمير صالحة - الخميس 19 أيار 2022

صعبة هي مهمّة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. ليس لأنّ قوى المعارضة السياسية والحزبية تتربّص به من كلّ صوب وتحاول رصد كلّ شاردة وواردة في مواقفه وتصريحاته لاقتناص الفرصة عند أوّل هفوة، بل لأنّ أصواتاً حزبية محسوبة على "العدالة والتنمية" تطلق أحياناً مواقف تتعارض مع ما يقول ويريد وتهدّد المسار السياسي الجديد الذي يعدّ له في الداخل والخارج.

يذهب إردوغان باتجاه مراجعة السياسات، ويبذل جهداً مضاعفاً لتليين المواقف والنقلات في التعامل مع ملفّات تتقدّمها مسائل تحسين العلاقات مع الدول العربية، لكنّ بعض أعوانه يبقون في أجواء قواعد اللعبة القديمة وما طُرِح وقيل قبل عامين وأكثر، ولا يلتحقون بركوب الموجة الجديدة للحزب والسلطة السياسية، وهو ما قد يتسبّب بالكثير من الإحراج في المواقف وإرباك في السياسات.

يذهب إردوغان باتجاه مراجعة السياسات، ويبذل جهداً مضاعفاً لتليين المواقف والنقلات في التعامل مع ملفّات تتقدّمها مسائل تحسين العلاقات مع الدول العربية

حاول نائب رئيس المجموعة البرلمانية في حزب العدالة والتنمية جيهان أوزكان أن يبرّر في برنامج تلفزيوني قبل أيام أسباب فتح صفحة جديدة من العلاقات بين تركيا والإمارات، معلناً أنّ التحوّل في الخيارات قد يكون سببه أيضاً المواقف الإماراتية في قراءة مسار ومستقبل العلاقات بين البلدين والتحوّلات الإقليمية الحاصلة في التعامل مع العديد من الملفّات والقضايا. خلال أقلّ من ساعة واحدة على هذا التصريح تدخّل الناطق الرسمي باسم الحزب الحاكم عمر شليك ليعلن أنّ ما تحدّث عنه أوزكان هو رأي شخصي يمثّله هو ولا يعبّر عن وجهة نظر الحزب.

ذنب جيهان أوزكان هو أنّه حاول الدفاع عن مواقف الحزب وسياساته في التعامل مع ملفّات خلافية تعرّضت لمرور الزمن، وأن يحمّل بعض العواصم العربية جزءاً من المسؤولية في رسالة إلى القواعد الشعبية والحزبية، فوجد نفسه في ورطة المطالبين برحيله أو عزله لأنّه خرج عن المسار الجديد في سياسات حزب العدالة العربية والإقليمية وسط هذه الأجواء الدقيقة والحذرة في مرحلة ترميم العلاقات مع العديد من العواصم العربية وفي مقدَّمها أبو ظبي.

لو كان القيادي الحزبي يتحدّث قبل عام واحد فقط لكانت المسألة عبارة عن تسجيل موقف سياسي عاديّ يتمّ تكراره انطلاقاً ممّا تقوله القيادات العليا. اليوم المسألة مختلفة تماماً، فعمر شليك يقول إنّ المسار الجديد في العلاقات التركية الإماراتية جاء نتيجة قناعة القيادات السياسية في البلدين، وهو يتقدّم على أساس الثقة والاحترام المتبادل.

من أين إلى أين؟

إنّ حادثة من هذا النوع تكفي اليوم لتوجز لنا حجم التحوّلات في المواقف والسياسات التركية حيال العديد من دول المنطقة. فسياسة التصعيد والتحدّي تراجعت تماماً من أجل انطلاقة مغايرة لم يعد حتى "العتاب البريء" فيها سهلاً بالنسبة للكثيرين في تركيا.

كان الرئيس الإماراتي في طليعة القيادات العربية التي أعطت إشارة الانطلاق باتجاه فتح صفحة جديدة من العلاقات مع تركيا وفق متطلّبات الأجواء والتوازنات الوطنية والإقليمية والدولية

قام الرئيس التركي إردوغان بزيارة قصيرة لأبوظبي، لتقديم التعازي عن وفاة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة السابق الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. ورافق إردوغان في زيارته هذه وزير الدفاع خلوصي أكار، ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية نعمان قورطولموش، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال بالرئاسة فخر الدين ألطون، والمتحدّث باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

إردوغان للمرّة الثانية في أبو ظبي خلال 3 أشهر للمصالحة والتعزية والتهنئة بانتخاب الشيخ محمد بن زايد رئيساً للدولة. يريد إردوغان أن يثبّت أسس المرحلة الجديدة التي انطلقت بين أنقرة وأبوظبي، لكنّ هناك حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي دور وجهود الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في الإعداد والتجهيز لرسم معالم المسار الجديد في العلاقات التركية الإماراتية.

كان الرئيس الإماراتي في طليعة القيادات العربية التي أعطت إشارة الانطلاق باتجاه فتح صفحة جديدة من العلاقات مع تركيا وفق متطلّبات الأجواء والتوازنات الوطنية والإقليمية والدولية، وذلك بسبب شعوره أنّ مواصلة التباعد والجفاء لن تخدم سوى أطراف ثالثة يهمّها اقتناص الفرص من التباعد التركي الإماراتي والتركي العربي.

صحيح أنّ العلاقات الاقتصادية لم تتأثّر على الرغم من التوتّر السياسي في العلاقات، وصحيح أنّه كان هناك اتصالات بعيدة عن الأضواء بين أنقرة وأبو ظبي ورغبات مشتركة بضرورة تصحيح المسار، لكنّ الرئيس الإماراتي، بواقعيّته وعمليّته، شئنا أم أبينا، كان من بين أبرز صانعي هذا الاختراق والانتصار الجديدين، من خلال قرار إطلاق الخطوة الأولى عبر إرسال أحد أهمّ أعوانه الشيخ طحنون إلى أنقرة في آب 2021 للتفاهم حول خارطة الطريق الجديدة، ثمّ إتباعها بزيارة تاريخية قام بها هو للعاصمة التركية في تشرين الثاني 2021، سرّعت فتح أبواب أبو ظبي لمجيء الرئيس التركي في منتصف شباط المنصرم.

 

الأحفاد قبل الأبناء

قد تكون المتغيّرات الإقليمية والدولية ساهمت في هذا التحوّل ودفع العلاقات التركية الإماراتية نحو قراءة مغايرة، لكنّ القيادات السياسية في البلدين هي التي قرّرت فتح الطريق أمام هذه المراجعات. والجهد الذي بذله في هذا الإطار الرئيس الإماراتي الجديد لا يمكن سوى التوقّف عنده مطوّلاً بتقدير وإعجاب.

صحيح أنّ أنقرة أبدت الرغبة في صناعة سياسة إقليمية جديدة مع دول المنطقة لأكثر من سبب سياسي واقتصادي وأمني، لكنّ رصد الشيخ محمد بن زايد الدقيق لمجرى التحوّلات الإقليمية والدولية وارتداداتها على المنطقة حتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا بأشهر، هو الذي سهّل وضع أسس العلاقات الجديدة بين البلدين.

فهناك نظام عالمي آخر في طور التشكّل ولا بدّ أن يواكبه نظام إقليمي جديد تصنعه الدول الفاعلة في الإقليم كي لا يُفرَض عليها فرضاً. والتقارب الإماراتي التركي والانفتاح على بقية العواصم المؤثّرة في صميم التحرّك القيادي الإماراتي والرؤية الاستباقية منذ أعوام.

يطرح الشيخ محمد بن زايد رؤية بلاده الاستراتيجية لمنتصف عقد كامل في خططها ومشاريعها وأهدافها الداخلية والخارجية. من يريد التعاون والتنسيق سيجد الأبواب مشرّعة أمامه في ظلّ مرحلة إقليمية ودولية جديدة تتطلّب حماية المصالح المشتركة بواقعية وعمليّة ولغة توافقية تصالحية فيها الكثير من الاعتدال. ولا يمكن لهذه الرسائل سوى أن يكون للانفتاح باتجاه أنقرة حصّة كبيرة فيها.

يأخذ تحرُّك الشيخ محمد بن زايد بعين الاعتبار مقولته الشهيرة حول التفكير بالأحفاد قبل الأبناء، والتوازنات الإقليمية الحاصلة والمتغيّرات الواجب التعامل معها بواقعية وشفافية وعمليّة على أساس المصارحة قبل المصالحة. وهي معادلة في صلب السياسة الخارجية الإماراتية اليوم.

شبكة أمان إقليمية

لا بدّ أن تسبق استقرارَ المنطقة جلسات حوار وتفاعل عند مناقشة الهيكلية الإقليمية الجديدة ودور الإمارات وتركيا فيها. هناك طموح تركي إماراتي متزايد إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات تأخذ بعين الاعتبار طاقات وقدرات البلدين. لكنّ العقبة تبقى إنهاء خلافات تركيا مع بقية الدول العربية وإشراك هذه العواصم في خطط وبرامج التنمية والبناء والاستثمارات الإقليمية الواعدة.

شرح إردوغان مطوّلاً وعلى طريقته ما يجري بين أنقرة وأبوظبي، بعد ساعات على لقائه الشيخ طحنون بن زايد في العاصمة التركية العام المنصرم. ففصّل أسباب الانفتاح التركي الجديد على الإمارات بقوله: "نولي أهميّة لأن يُجري الفاعلون المؤثّرون في المنطقة محادثات مباشرة، وأن يتفاوضوا ويحلّوا مشكلاتهم معاً".

لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة عددُ من كان يعوّل على سرعة التحوّل في مسار العلاقات التركية الإماراتية بعد هذا الكمّ من التوتّر والتباعد. لذلك لا يكفي أن نقول إنّ المتغيّرات الإقليمية والدولية هي التي دفعت تركيا والإمارات إلى المصالحة والتقارب. لو لم يكن هناك قيادات سياسية تحسب بدقّة وكفاءة وحكمة ما يدور من حولها لَما كان حصل كلّ هذا التحوُّل في المواقف والسياسات.

إقرأ أيضاً: أنقرة – الرياض: سيناريوهات المصالحة تنتظر مصر؟

لا يمكن هنا طبعاً إغفال جهود الدكتور أنور قرقاش في إطار فريق عمل الرئيس الإماراتي، خصوصاً وهو يتحدّث عن أبعاد وأهميّة زيارة الشيخ طحنون لأنقرة بتعليمات من وليّ العهد وقتذاك: "الإمارات مستمرّة في بناء الجسور وتوطيد العلاقات. وأولويّات الازدهار والتنمية هي محرّك توجّهنا الداخلي، وهي أيضاً قاطرة سياستنا الخارجية".

مرّة أخرى ما ننتظره هو تسريع أبو ظبي لجهود التقريب بين أنقرة من جهة والقاهرة من جهة أخرى، فهو ليس مطلب الأتراك فقط، بل مطلب العديد من العواصم العربية أيضاً.