مجلس بلا أكثريّة وجمهوريّة بلا رئيس!

مجلس بلا أكثريّة وجمهوريّة بلا رئيس!

محمد زينب* - الأربعاء 18 أيار 2022

ستكون حصيلة ما جرى في 15 أيار 2022 مثاراً لبحث طويل ومعمق ستستدعيه الأحداث والمراحل الصعبة المقبلة على لبنان، والتي ستهبّ فيها عواصف شتّى واستحقاقات سيتمّ، على جري العادة، ترحيلها ورميها وراء ظهور النواب (القدامى والجدد) نظراً لاستحالة التوافق عليها بالتي هي أحسن..

أسوأ ما في الحالة اللبنانية هو عدم وجود تيار غالب في المجتمع أو أكثرية حقيقية يُستند إليها في عملية تغيير وتحوّل فعليّ نحو دولة تقوم بواجباتها في إنفاذ القانون وإرساء العدالة الاجتماعية وإطلاق مسار تنموي يؤسّس لمواطنين لديهم الحد الأدنى من سبل العيش وتأمين القوت اليومي، على اعتبار أنّ الإنسان غير المكتفي من هذه الأساسيّات لا يمكن أن يتّخذ القرارات الواعية بخصوص الحريّة الفردية والعمل الديمقراطي في الشأن العام أو التعامل السياسي في معترك البرامج والمشاريع المتقابلة، التي تحملها التيارات والأحزاب التي تطرح نفسها على أنّها تمثّل آمال الشعب، وأنّها القادرة على وضعها موضع التنفيذ، وبالتالي تمكين المواطنين من تحقيق طموحاتهم وأحلامهم.

يعود الحزب التقدمي الاشتراكي إلى تصدر المشهد الدرزي مع غياب الثنائية الإرسلانية بالخسارة لصالح قوى التغيير التي حققت أبرز نجاحاتها في جبل لبنان الجنوبي

إنّما يزداد العقل الجمعي اللبناني تشتّتاً وعدم يقين بالقدرة على التعايش مع اللبناني الآخر في حلّه وترحاله، مقيماً ومغترباً لا فرق.

تعقيدات ما مرّ ويمرّ به لبنان منذ انتفاضة 17 تشرين 2019 حتى اليوم مضافاً إلى النتائج الأوّلية لبرلمان 2022، تفضي إلى المزيد من التساؤلات عن التركيبة اللبنانية بتنوّعاتها الطائفية والمذهبية والعصبية، التي زاد عليها اليوم عنصرٌ جديد، متشابك بذاته ومتداخل بمكوّناته، وهو ما اُتُّفق على أنّه قوى التغيير.

النتائج برمزيّتها لا تزيد الأمور وضوحاً، بل تنقلها من حالة عدم الوضوح إلى حال أكثر ضبابية وصعوبة من حيث فهمها وتفكيك ألغاز أرقامها قبل التفكير في حلّها، ذلك أنّ جزءاً كبيراً من القديم (الأحزاب والطوائف) لم يختفِ بل بقي قائماً ومسيطراً على النسبة الكبرى من الناخبين، فيما تظهّرت "القوة التغييرية" بعدد من البرلمانيين الجدد غير المجرّبين بعد في الشأن العام إلى أوقات لم يحن أوانها.

 

خلاصات أوّليّة:                           

حتى الآن يُستفاد ممّا أفرزته الإرادة الشعبية اللبنانية من مقدّمات وليس خلاصات (من المبكر الحديث عنها) جملة مؤشّرات وعِبَر أكيدة لم يعد من الممكن لطرف من الأطراف غضّ النظر عنها بالتجاهل أو التستّر أو إزاحتها من الصورة الأوسع للمشهد اللبناني:

تزداد انقسامات الجماعات اللبنانية المتصارعة على هويّة لبنان وطبيعة دوره وما هو مطلوب منه في إقليمه وعالمه، بينما تدور رَحى الاستقطاب المستجدّ بين الشرق والغرب في حروبهما المتجدّدة.

تنتقل دفّة الرأي العام المسيحي بأكثريّة معتبرة من ضفة حزبية يمينية (تيار وطني حر) إلى ضفة حزبية يمينية (قوات لبنانية)، وهو تحوّل استوجبته، على ما يبدو، جملة من التحدّيات التي يواجهها مسيحيّو لبنان بخصوصيتهم ومسيحيو الشرق بعمومهم، مع ما حلّ فيه من الكوارث في العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين، مع تسجيل دخول شخصيات مدنية ومستقلّة إلى دائرة الصورة من دون اختراق القلب.

تبقى القوة الضاربة لحزب الله ومعه حركة أمل المؤثّر الأكبر في المكوّن الشيعي، وإن ظهر اعتراض من هنا وهناك إلّا أنّ الأكثرية العامّة لأبناء هذه الطائفة ما تزال ترى دوراً حامياً لها وامتيازات خاصة بها ما كانت لتكون لولا وجود الحزب أساساً والحركة رديفاً (مع حيّز واسع للبحث في نهائية هذا الولاء فيما لو طُرح منه شبكة الأمان المادية والصحية والتعليمية التي يوفّرها الحزب عبر إيران لعدد كبير من أبناء الطائفة).

يغيب التأثير والأثر الأوسع للمرحلة الحريرية بفصلَيْها (رفيق الحريري 1992-2005 / سعد الحريري 2005-2022) على المكوّن السنّيّ، وإن كان الأب قد أُقصيَ قسراً بالاغتيال، فيما الابن قد أَقصَى نفسه مختاراً (أقلّه في ما هو معلن من تعليق العمل السياسي حتى إشعار آخر نتيجة تنافر الأضداد المقرّرة في لبنان و اليأس من الوصول إلى حلول فيما بينها).

تبقى القوة الضاربة لحزب الله ومعه حركة أمل المؤثر الأكبر في المكوّن الشيعي، وإن ظهر اعتراض من هنا وهناك إلاّ أنّ الأكثرية العامة لأبناء هذه الطائفة ما تزال ترى دورًا حاميًا لها

يتأتّى عن خروج الحريري الابن فراغٌ محسوس لم تنجح شخصية أخرى في ملئه، مع قياس لافت للمشاركة السنّيّة في إيصال كوادر مختلفة لا تبدو متّسقة في توجّهاتها حتى الساعة من مدنية تغييرية اخترقت المشهد البيروتي إلى مواجِهة صدامية حلّت في المشهد الطرابلسي.

يعود الحزب التقدّمي الاشتراكي إلى تصدّر المشهد الدرزيّ مع غياب أحد قطبَيْ الثنائية طلال أرسلان بالخسارة أمام قوى التغيير التي حقّقت أبرز نجاحاتها في جبل لبنان الجنوبي (الشوف-عاليه).

يطرح ذلك عودة لدور تقليدي يلعبه التقدمي الاشتراكي في صياغة شكل الأكثرية تبعاً لكلّ ملفّ على حدة، وهذا ستمليه التكتيكات والاستراتيجية الحزبية والمذهبية بحسب الزمان والمكان والمصلحة.

 

فترةٌ للتصرّف

إنّ الكلام عن أكثرية موصوفة معروفة واضحة المعالم في هذا المجلس لأيّ طرف أو قوة أو محور أو توجّه لا يصحّ حتى إشعار آخر، وهو بحاجة إلى التجربة العملية على أرض الواقع وفي ساحة مجلس النواب قبل الكلام النظري العام غير المسند بالقرائن والأدلّة.

يبقى أنّ لبنان عبَر فعلاً مرحلة الانتخابات النيابية إلى استحقاق انتخاب مزمع لرئاسة الجمهورية في موعد أقصاه 31-10-22 مع نهاية ولاية الرئيس الحالي، فيما تُبيّن تعقيدات الصورة منذ الآن أنّ فراغاً طويلاً قد يتمادى في هذا المنصب مفسحاً المجال أمام أسباب ومآلات ستُضطرّ لبنان مجدّداً لإعادة النظر في طبيعة الدولة ودستورها وحتى وجودها، وهذا سينقل لبنان مرّةً أخرى إلى السير تكراراً وبلا استحياء على دروب الخارج مع لازمة دخول العرب والغرب على ترتيبات إعادة التعديل والتفسير والتيسير للإبقاء على الجمهورية في مكانها، حتى لا تتزحزح وتهتزّ وتنفلق على جغرافيا الـ 10452 كلم2.

إقرأ أيضاً: الفشل اللبنانيّ فشل عراقيّ وسوريّ أيضاً

من هنا ومنذ الآن، تُسيّر الحكومة الحالية، التي ستصير حكومة تصريف أعمال خلال أيام، شؤون البلاد والعباد إلى أمد غير منظور وبموافقة ضمنية من جميع المعنيين وإلى ما بعد حلول الفراغ الرئاسي المقرّ به سلفاً. بينما يُكَلف على الأرجح رئيسُ التصريف تأليفَ حكومة لا تُؤلَّف بل تعمل على سدّ الثغرات والفجوات والانتكاسات.. حتى يخلق الله أمراً كان مفعولاً.

وللحديث أكثر من صلة وصلة.



* إعلاميّ لبنانيّ