fb الفلسطينيّون بين مأساة الانقسام وملهاة المصالحة

الفلسطينيّون بين مأساة الانقسام وملهاة المصالحة

نبيل عمرو - السبت 14 أيار 2022

دخل الانقسام عامه الرابع عشر إذا ما أُرِّخ له بأوّل طلقة فلسطينية أُطلقت على فلسطيني آخر على أرض الوطن.

وصف الانقسام بـ"النكبة الثانية" وصفٌ موضوعيّ لا تهويل فيه. ذلك بفعل ما ألحق من أذى بالفلسطينيين شعباً وقضية، وما قوّض من آمال كانت تبدو كما لو أنّها صارت ممكنة التحقّق.

طول أمد الانقسام جعله يتجاوز حدود الاختلاف العميق بين القوّتين الرئيسيّتين في الساحة الفلسطينية، "فتح" و"حماس"، ليصل حدّ الانفصال بين مكوِّنَيْ الوطن الواحد، غزّة المحتلّة إسرائيلياً بالحصار، والضفّة المحتلّة بالقوّة العسكرية والاستيطان. في سماء غزّة تخفق رايات خضراء، وفي الضفّة رايات صفراء، وفي ظلال الرايات الفصائلية، يكاد علم الوطن لا يُرى. أمّا الرصيد الرئيس للكفاح الثوري الذي كان عنوانه الوحدة الوطنية فقد تبدّد.

في كلّ الحالات تصلح فلسطين لاستثمارات كثيرين فيها، وبفعل هذه البديهيّة تشكّلت شركة مفتوحة وغير محدودة للاستثمار في الانقسام


بفعل دوام الانقسام، ظهر مصطلح جديد تُنسب المرحلة الراهنة إليه، وهو "المصالحة". كأنّ ما حدث وما وُصف عن حقّ بـ"النكبة الثانية"، هو خلاف عابر بين قبيلتين فحسب، ينهيه مقاولو المصالحات العشائرية.

ظهر أنّ هنالك ما هو أخطر من الانقسام والانفصال، وأعني به طرق المعالجة، التي جسّدت خلال السنوات الطويلة من عمر الانقسام الوصفة الأكثر نجاعة لاستمراره، والابتعاد كثيراً عن احتوائه أو إنهائه. وفي تربته نشأت وقائع وحقائق أفرزت جيوشاً من المستفيدين من استمراره، حتّى صار استثماراً مريحاً لسدنة وأصحاب القرار فيه، وليس غير هذا ما جعل الانقسام يستمرّ، والمصالحة مفردة مفرغة من المعنى وحسب.

فشل الفلسطينيون فيما بينهم تماماً على الرغم من مئات ألوف ساعات الحوار، سواء على أرض الوطن أو في عواصم الوسطاء. كان سدنة الانقسام يجاملون مضيفيهم بإعلان إنهائه في احتفالات صاخبة، ومؤتمرات صحافية يظهر فيها الوئام بأوضح وأبهى صوره. وما إن يغادر القوم دور الضيافة حتى يتمّ الاستثمار بالحدّ الأقصى لكلّ ما من شأنه استئناف الانقسام، والدخول في تبادل اللوم، حول مَن نكث بالعهد وخيّب آمال الوسطاء وجهدهم، والذريعة المتبادلة إمّا أنّ إسرائيل هي من أوعزت بذلك، أو الأميركيّين أو أيّ طرف خارجي تتداوله تبريرات تواصل الانقسام.

 

المستثمرون والوسطاء

في كلّ الحالات تصلح فلسطين لاستثمارات كثيرين فيها، وبفعل هذه البديهيّة تشكّلت شركة مفتوحة وغير محدودة للاستثمار في الانقسام:

-بالنسبة إلى إسرائيل هو دجاجة تبيض ذهباً مع مواصلة الادّعاء بعدم وجود شريك.

- بالنسبة إلى الأميركيين هو ذريعة لتسويق فكرة اللاحلّ السياسي واستبدالها بالحلّ الاقتصادي المغطّى بشعار لفظي هو حلّ الدولتين.

- بالنسبة إلى الروس الذين يستقبلون الوفود هذه الأيام، لا يوجد ما يدعوهم إلى الابتهاج بانقسام الفلسطينيين وضعف حالتهم وهم حلفاؤهم التاريخيون في أمر التسوية، والاعتراف المبكر بالدولة.

- أمّا العرب فقد حاول الجزائريون، آخر المتدخّلين منهم، إنضاج المصالحة على نار هادئة وبفعّاليات متباعدة يحدوهم أمل بالنجاح، بفعل تراثهم التوحيدي الذي كان في زمن غير هذا الزمن يحرز نجاحات لا غبار عليها.

- المصريون هم الأكثر حضوراً في مشهد الانقسام وجهود المصالحة، ولم يتوقّفوا يوماً عن العمل، حتّى صار رجال المخابرات العامة، حَمَلة الملفّ، بمنزلة زوّار دائمين لغزّة، ومضيفين دائمين للوفود في القاهرة.

 

"التهدئة" بدل "المصالحة"

فوق ملفّ "المصالحة" الذي أُغلق حتى إشعار آخر نهض ملفّ "التهدئة" الذي كانت النجاحات فيه أوضح وأفعل بكثير من ملفّ المصالحة. وهل هنالك ما هو أكثر تأثيراً في الملفّين من أنّ كلّ حركة وسكنة في غزّة تتّصل بأمن مصر القومي كما هي فلسطين كذلك.

إقرأ أيضاً: موقعة الأقصى: عودة إلى فلسطين

الظاهرة المأساوية، التي اختزلتُها بعنوان هذه المقالة: "الفلسطينيون بين مأساة الانقسام وملهاة المصالحة"، ما تزال في واقعها السلبي والخطر. انقسام وانفصال في الواقع بالجملة والتفصيل ورحلات أقرب إلى السياحية تحت عنوان "المصالحة"، شملت حتى الآن العديد من عواصم المشرق والمغرب. أمّا موسكو، أحدث العواصم المعنيّة بالمصالحة الفلسطينية، فقد وجدت الوقت لإضافة منصّة جديدة لهذا الشأن من دون أن تثنيها عن الاهتمام به الحرب الكونية المشتعلة ضدّها وعنوانها المختزل: أوكرانيا. وليس من قبيل التندّر أن يُقال إنّه قد تنتهي الحرب في أوكرانيا من دون أن ينتهي الانقسام الفلسطيني.