هكذا تحدّث شيخ الأزهر.. الإسلام في القرن الـ21

هكذا تحدّث شيخ الأزهر.. الإسلام في القرن الـ21

أحمد المسلماني - الأربعاء 13 نيسان 2022

تشرّفتُ بتحرير وتقديم كتاب "الإسلام في القرن الحادي والعشرين" لفضيلة الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر. عنوان الكتاب الذي أصدره مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع دار بتانة، وشهد إقبالاً كبيراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2022: "هكذا تحدّث الإمام الأكبر.. الإسلام في القرن الحادي والعشرين".

يضمّ الكتاب، الذي يقع في 26 فصلاً، توزّعت على 208 صفحات، العديد من الأطروحات البالغة الأهميّة في مسارات التجديد الإسلامي.

مسجد الأزهر في جاكارتا

التقيتُ فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب في مناسبات عديدة. زرتُ فضيلته في المشيخة، والتقيتُه خارجها. سعدتُ باستضافة فضيلته في برنامج "الطبعة الأولى" على قناة دريم في حلقاتٍ أربع، كانت واسعة الصدى، عظيمة الاستقبال. وحضرتُ، برئاسة فضيلتِه، بعضاً من جلسات تجديد الخطاب الديني، وشعرتُ بالفخر حين أبلغني أنّه قرأ أحد كُتبي، وأنّه يرغب في قراءة كُتبي الأخرى.

إنّ الدكتور الطيّب هو اسمٌ على مسمّى، وسيرته الصافية من المنبع إلى المصبِّ هي سيرة تليق بمقام الإمام الأكبر وبالمشيخة الجليلة أدامَ الله عِزَّها. ولقد كان من حظّي أنَّني تشرّفتُ بصحبة فضيلة الإمام الأكبر إلى إندونيسيا، ولقائه في فرنسا.

 

في إندونيسيا زرتُ مع الإمام الأكبر ثلاث جامعات في ثلاث مدن في العاصمة جاكرتا وفي جاوة الشرقية وجاوة الغربية. كان التقدير للمدرسة الأزهرية في العلوم الإسلامية ورسالتها في الاعتدال والوسطية هو عنوان جميع الفعّاليات، وهو خطاب الاستقبال والوداع في كلّ المعاهد والكليّات.

وحين ذهبنا مع فضيلته إلى "مسجد الأزهر" في جاكارتا، تبارى المتحدّثون في ذكر مناقب الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت الذي أطلق اسم "المسجد الأزهر" على ذلك المسجد الرائع في جاكارتا. وتباروا في ذكر مآثر الأزهر، شيخاً ومشيخةً وجامعةً، في كلّ العقود التي ربطت الأرخبيل الإندونيسي بالدولة المصرية.

لقد تأمّلتُ كثيراً ذلك النداء العظيم الذي أطلقه شيخ الأزهر بحتميّة إحياء "فقه السلام في الإسلام".

الوسطيّة وسط الأشواك

إنّ مَن يتأمّل جغرافيا الإسلام في العالم يُصاب بالذهول. فلقد ذبلت حضارة المسلمين في مدنٍ لطالما تألّقتْ عبر التاريخ. ولقد سالتْ دماء المسلمين بالآلاف، ثمّ بآلاف الآلاف.

أصبح الأزهر محاطاً باستقطاب حادّ بين فريقين كلاهما ضدّ الأزهر. فريقٌ يريد دفع الأزهر إلى "العلمانيّة"، والعمل كمؤسسة ناشطة بالمفهوم الغربي. وفريقٌ يريد جرّ الأزهر إلى قيادة حركات الإسلام السياسي، والصِّدام مع الدين والدنيا. وداخل الفريق الأخير هناك مَن يريد "الأخونة"، ومَن يريد "الدعشَنة"، ومنهم مَن يدفع إلى "التسلُّف".

يمضي الأزهر، شيخاً ومشيخة، جامعاً وجامعة، في طريق الوسطية، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. عادتْ دعوةُ العقل تجدُ مكاناً سامياً في الفكر الأزهري المعاصر. ولقد سمعتُ من الإمام الأكبر أنّ القرآن الكريم قد ذكر "العقل" ومرادفاته أكثر من 120 مرّة.

إنّ مَن يتأمّل جغرافيا الإسلام في العالم يُصاب بالذهول. فلقد ذبلت حضارة المسلمين في مدنٍ لطالما تألّقتْ عبر التاريخ. ولقد سالتْ دماء المسلمين بالآلاف، ثمّ بآلاف الآلاف

إنّ شيخ الأزهر صاحب الدراسة الشهيرة "ضرورة التجديد"، التي نشرها عام 2001، قال لي أكثر من مرّة إنّ التجديد هو جوهر التفكير الإسلامي، وإنّ مواكبة العصر بالفقه هو أساسٌ شرعيٌّ في الإسلام.

ينتقد الإمام الأكبر برامج الفتاوى الفوضوية، ويقول إنّ "توافه الأمور حوّلها الإعلام إلى دينٍ وشريعة". ثمّ انتقد الحركات المتطرّفة التي أعطت صورةً نقيضةً للتاريخ، ذلك أنّ الحضارة الإسلامية الماجدة كانتْ تضعُ مكانة كبرى لحُرمةِ الدماء، بينما كانت الحضارات الأخرى تقوم بإبادة شعوب بكاملها.

وعلى الرغم من اطمئنان الإمام الأكبر إلى أنّ القاعدة العريضة من المسلمين تقف ضدّ فكر التكفير، إلا أنّه يرى الخطر قائماً في الجيل الجديد، فطلاب المرحلة الثانوية والجامعة ممّن هم هدفٌ أساسيٌّ للمتطرّفين إنّما يأخذون الإسلام من وسائل الاتصال الإلكتروني، وهي وسائل تقع تحت سطْوة الجماعات المتطرّفة.

هنا تجيء أهميّة ما أطلقه الإمام الأكبر بشأن "فقه السلام" في الإسلام، ذلك أنّ الخروج من فوضى حركات الإسلام السياسي إلى طريق "الإسلام الحضاري" لن يتأتّى إلاّ بإحياء فقه السلام، وما لم يتمكَّن ذلك الفقه سينجح أعداء الإسلام في تدمير الحضارة بالسياسة وهزيمة الإسلام بالمسلمين.



فلاسفة الإسلام الجدد

لقد دعوتُ، قبل سنوات، إلى تأسيس موجة من "الفلاسفة الجُدد". وأقول اليوم إنّنا نحتاج بالتوازي إلى موجة من "فلاسفة الإسلام الجُدد".

إنّ العالم الإسلامي الذي غاب فيه العقل، وساد فيه الجهل، لن يمكنه أن يمضي إلا بـ:"العلم والسلام". إنّهما ثنائيّة حضارتنا، وثنائيّة أيّة حضارة.

حين احتاجَ العالم الإسلامي القديم إلى الفلاسفة المسلمين، جاءت اجتهادات "الكندي" المعلّم الأوّل عند العرب، ثمّ الفارابي، ثمّ ابن رشد وغيرهم. وحين احتاج العالم الإسلامي الحديث إلى الفلاسفة المسلمين، جاء محمد إقبال ومحمد عبده ومالك بن نبي وغيرهم.

والآن يحتاج العالم الإسلامي المعاصر إلى الفلاسفة المسلمين لإعادة "ترتيب العقل الإسلامي" من أجل إعادة "ترتيب البيت الإسلامي". وإذا كان الإمام الأكبر هو ذلك الفيلسوف الإسلامي، صاحب "بحوث في الفلسفة الإسلامية" و"أسس علم الجدل" و"مدخل لدراسة المنطق القديم" و"مفهوم الحركة بين الفلسفة الإسلامية والماركسية" و"التراث والتجديد"، وهو أيضاً صاحب البحوث الضَافية في فلسفة ابن عربي وأبي البركات البغدادي، وعضو الجمعية الفلسفية المصرية، فإنّ العالم الإسلامي اليوم شديد الاحتياج إلى موجة واسعة من "الفلاسفة المسلمين الجدد"، أولئك الذين يرتفعون بمكانة "العقل" و"الأخلاق" عند المسلمين.

إنّ "الحرب الأهليّة الإسلامية" إذا ما تمكنّت فستهدم الدول والمجتمعات، وستمتدّ جغرافيا الإسلام من داعش إلى داعش، وتغربُ شمسُ المسلمين، وهو ما يجب أن لا يكون.

هكذا تحدّث الإمام الأكبر

تمثِّل فصول كتاب "الإسلام والعالم في القرن الحادي والعشرين.. هكذا تحدّث الإمام الأكبر" السياق الرئيسي للمشروع الفكري للإمام الطيّب، وهي خلاصة مسيرته الفلسفية الإسلامية، في ضرورة أن يواكب المسلم عصره وعالمه من دون أن يفقد دينه أو يهدم عقيدته.

إقرأ أيضاً: انشغل العالم بأوكرانيا.. فذهبت الصين إلى أفغانستان

لا يمثِّل هذا الكتاب استثناءً في مشروع الإمام، بل هو تأكيد على كلّ مراحل المشروع، الذي لطالما كان يعمل لأجل التوفيق بين الإسلام وحضارته العظيمة، وبين العالم وحضارته المعاصرة. كيف يمكن أن تكون مسلماً وعصريّاً في آن، وكيف يمكن أنْ تجمع بين التديّن والعلم، وبين امتلاك حضارة سابقة والمشاركة في حضارة قائمة.

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور..

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.

عضو مجلس جامعة طنطا، وعضو مجلس كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.