مصر والعروبة العميقة (1/3): نزوح لبناني إلى القاهرة؟

مصر والعروبة العميقة (1/3): نزوح لبناني إلى القاهرة؟

محمد بركات - الجمعة 25 آذار 2022

في 2021، انتقلت 50 ألف عائلة لبنانية إلى مصر. 50 ألف إقامة عمل جديدة، للّبنانيين، أصدرتها الدوائر الحكومية في مصر، ليرتفع عدد اللبنانيين العاملين بشكل شرعي في مصر من 10 آلاف إلى 60 ألفاً. وهذا رقم مهول إذا ما قيس بأعداد اللبنانيين في الدول العربية الأخرى، وإذا ما قيس بعدد سكّان لبنان المسجّلين، الخمسة ملايين. وهذا يعني أنّ 1% من سكّان لبنان انتقلوا ووجدوا فرص عمل محدّدة رغم تعدّدها، ونقلوا مقرّات إقامتهم، إلى مصر، في عام واحد فقط.

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني أنّ مصر باتت وجهة عمل بالنسبة إلى اللبنانيين بعد الاستقرار غير المسبوق الذي أرساه نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، في حين تهتزّ الأرض تحت معظم الدول العربية، من أقصى الخليج، إلى آخر بلدان المغرب العربي، وما بينها سوريا ولبنان والعراق والأردن وغيرها.

تسعى مصر إلى إيجاد شبكة من الروابط المجتمعيّة العميقة، وإحياء روابط قديمة، بدرجة تستعصي على التقلّبات السياسية

يبحث اللبنانيون عن عمل في مصر، بعدما كان لبنان يستقبل مئات آلاف العمال المصريين قبل الربيع العربي. وانعكست الآية اليوم، حتّى بات اللبنانيون يفتّشون عن عمل في مدن مصر وشركاتها.

لكنّ للحكاية وجهاً آخر كلّيّاً.

 

من عبد الناصر إلى السيسي

لطالما كانت مصر حاضرة في لبنان، منذ الاستقلال إلى اليوم. لكنّها حضرت بقوّة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أخذ مصر إلى الجزائر والسودان والوحدة مع سوريا ووصل إلى حدود لبنان في "لقاء الخيمة" الشهير مع الرئيس فؤاد شهاب في العام 1959. وفي عام 1960 أنشأت مصر عبد الناصر الجامعة العربية في بيروت، بالطريق الجديدة، حيث كانت "تنغل" الثورة الفلسطينية. وكانت الجامعة مصنعاً للمتعلّمين من كلّ لبنان، وللقوميّة العربية، في أوج عزّتها وقوّتها وانتشارها، فخرّجت عشرات آلاف الطلاب خلال 62 عاماً.

بعد وفاة عبد الناصر في 1970 بدأ يتراجع دور مصر – أنور السادات، خصوصاً بعد توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، وتراجع أكثر مع حسني مبارك، إلى أن جاء الربيع العربي وانتشل مصر من انطوائها الإقليمي، وخرجت مع الرئيس السيسي إلى الإقليم، "خروج الفرعون من القلعة". كما أسلفنا في سلسلة مقالات نشرت في "أساس" في نيسان 2021.

 

العروبة العميقة

اليوم، ومع الانكفاء الخليجي عن لبنان، كان لمصر رأي آخر. وإذا كان لسان حال المصريين أنّه "لا توجد سياسة لبنانية لمصر، بل سياسة عربية لبنان له دور مركزي فيها"، فإنّ واقع الحال أنّ مصر بدأت ترسم لنفسها دوراً كبيراً في لبنان، قد يكون الأكبر عربياً في المرحلة المقبلة، إذا سار كلّ شيء كما هو مخطّط له.

تسعى مصر إلى إيجاد شبكة من الروابط المجتمعيّة العميقة، وإحياء روابط قديمة، بدرجة تستعصي على التقلّبات السياسية. تماماً كما هي حال جامعة بيروت العربية، التي باتت ركناً عضويّاً من أركان الاجتماع اللبناني، ولم تعد جامعة مصرية في لبنان، بل جامعة عربية لبنانية ذات جذور وأبعاد مصرية.

يحلو للمصريين القول إنّها "شبكة ناعمة تستعصي على التقلّبات". تنتمي هذه المصطلحات إلى قاموس "العروبة الناعمة"، أي "عروبة الناس من تحت"، التي تسعى إلى "توريط إيجابي" في العروبة، لكن مع الناس، لا بالأيديولوجيا، ولا في السياسة. بل من خارج السياسة. وأكثر من ذلك، صناعة محتوى غير قابل للخضوع لأمزجة السياسة والسياسيين.

إقرأ أيضاً: عودة مصر (2): تأسيس مشروع عربيّ.. بـ"الدولة الوطنيّة"

الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية المصرية الجديدة في لبنان، هو تعزيز "الرباط التحتيّ بين المجتمعات". فبدلاً من أن تكون العروبة صورة على حائط، أو حنيناً إلى زمن مضى، عليها أن تتحوّل إلى شبكة مصالح تُغرق البيوت: "عروبة نتنفّسها"، لا نتحدّث عنها. وهذه هي الرؤية التي صنعت جامعة بيروت العربية في الستينيّات.

 

في الحلقة الثانية غداً:

 ميناء طرابلس.. وشيعة صور