هل يُصلح السنيورة ما أفسده الدهر اللئيم؟

هل يُصلح السنيورة ما أفسده الدهر اللئيم؟

قاسم يوسف - الجمعة 11 آذار 2022

ليس مجرّد ارتباك. بل أزمة لا فوق فوقها. بين أن ينتخب السُنّة وبين أن يقاطعوا. وهم في الحالتين سواء. المقاطعة تعني الاضمحلال والتصحّر وقلّة الحيلة والهوان على الناس، وهي سلاحٌ لا يُؤتي أُكله في لبنان، وقد جرّبه مَن ضاق ذرعاً وضيماً، لكنّه ما نفذ به إلا إلى ضيم مضاعف. أمّا الانتخاب، وهنا الطامة الكبرى، فهو بلا هدف ولا إطار ولا مشروع ولا فكرة ولا ضابط إيقاع. حال مَن يُمارسونه كحال ذاك الذي يمشي هائماً على وجهه. بل يكاد العارف المدرِك أن يجزم أنّ الاختلاط المرعب بين الضياع والعوز سينطوي على ما لا تُحمد عقباه. وهو أن يستحيل القوم بقضّهم وقضيضهم برسم البيع أو الإيجار.

ثمّة رأي ما بين البينيْن. يختصره الزميل زياد عيتاني على طريقته: "دع العشب ينبت".

لا أخفيكم سرّاً أنّني لا زلت أبحث مذّاك عن العشب. بل عن أيّ ورقة خضراء واحدة في خضمّ هذا اليباس. ولست أجد إلّا عبثيّة العابثين أو انكفاء المنكفئين. ثمّ حين أراد أحدهم أن يتحرّك، بعد طول سبات وغيبوبة وانتظار، أطلّ علينا بخطاب قديم جديد، وبأدبيّات مملّة ومستهلَكة، ما عادت تجد وقعها في نفوس الناس وفي قلوبهم، وباتصالات دولية وعربية مع بعض عواصم القرار التي أشاحت بوجهها تماماً عن لبنان، وراحت تهتمّ بما يُفيد حاضرها ومستقبلها.

لماذا لم يعلن السنيورة منذ أشهر دعمه على الأقل مبادرة "نحو الاستقلال الثالث في وجه الإحتلال الإيران"، بوجود سعد الحريري في لبنان؟ لأسباب شخصية

ما يبعث على الريبة والقلق أنّ المشهد برمّته صار مشابهاً لحفلة ردح أو جنون. ولا عاقل يُذكَر في كومة صار يغمرها الرويبضة والركام. وكأنّ أصحاب الحلّ والعقد قد ارتضوا لأنفسهم أن يخلدوا إلى مخادعهم وردهات بيوتهم، وأن يتركوا الشرفات للعشب الذي يظنّونه سينبت، وإذ بها طحالبٌ وعشوائيّات لن تُضيف إلى الهزيمة إلا فجيعة تتجاوزها إثماً وهمّاً وكبوات.

 

صحوة السنيورة

الآن تذكّر فؤاد السنيورة أنّ الساحة متروكة. وأنّ الاستنزاف الشامل بلغ غايته القصوى، وهو لا يزال يقضم ويحفر عميقاً في جسد منهك. وتذكّر أيضاً أنّ الاحتلال الإيراني بلغ بيروت وبلعها وصار يُباهي بسيطرته ونفوذه وكلمة الفصل في كلّ شأن وكلّ تفصيل.

أين كان الرجل من ضبط مسارات الاستنزاف السياسي على مدى أشهر طويلة. منذ ما قبل تكليف حسان دياب إلى ما بعد تشكيل حكومة نجيب ميقاتي. بل منذ التسوية المشؤومة التي رفضها وحتّى يومنا هذا. أين كان من إرهاصات ميشال عون وصهره وحاشيته؟ ومن إطباق حزب الله الكامل على مفاصل البلاد؟ ومن الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الرهيبة؟ أين دوره في رسم خارطة الطريق وفي إعادة إنتاج خطاب سياسي وفي تعزيز الصلابة والمناعة الوطنية؟ وأين دوره في حتميّة إنتاج جبهة سياسية وسيادية عريضة لمواجهة الاحتلال الإيراني وامتداد أذرعه وسيطرة مشروعه؟

لماذا لم يعلن السنيورة منذ أشهر دعمه على الأقل مبادرة "نحو الاستقلال الثالث في وجه الإحتلال الإيران"، بوجود سعد الحريري في لبنان؟ لأسباب شخصية. الأرجح غير ذلك. هل انتظر اعتكاف سعد الحريري الطويل في الإمارات، ليعرفأنّ هناك فراغاً وطنياً يجب ملؤه، بدلاً من الغرق في خلافات اللوائح الانتخابية التي لن تحقق إلاّ المزيد من الانشقاقات في الجسم السياسي السنيّ.

    ثمّ أين كان الدور المركزي والمحوري في مواكبة تلك اللحظات التاريخية، التي تستدعي رصّ الصفوف، وتصويب البوصلة، واستعادة التوازن المفقود، والذهاب نحو وصْل ما انقطع مع الحاضنة العربية، والتوثّب نحو حضور قويّ وفاعل في صميم المعادلة الداخلية؟ أين كان من كلّ ذلك؟ وهل يكفي أن يمارس الحدّ الأدنى من فعّاليّته القصوى على سجيّة رفع العتب السرّي، فيما المطلوب أن يحضر في خضمّ هذه المتحرّكات التي تستهدف نسف المرتكزات البنيويّة والأساسات العميقة لهذا البلد الجريح، تمهيداً لتغيير دوره وتمزيق صورته وتطويع إرادته وبعثرة وجهه الذي أُريد له أن يظلّ بهيّاً ومشرقاً في قلب هذا الشرق الحزين؟

    كان يكتفي الرجل ببيانات ومطوّلات ومواقف مستعادة، وهي لم تفتقر إلى جانبها الإبداعي والخلّاق وحسب، بل تجاوزت كلّ ذلك إلى مضمون سياسي خجول ومرتبك وحمّال أوجه، وهذا لا يستقيم على الإطلاق، لا مع دقّة المرحلة وخطورتها، ولا مع فؤاد السنيورة، الذي لا يليق به أن يحمل كيس الفوشار ويجلس كضيف مكتئب في مقاعد المتفرّجين.

    إقرأ أيضاً: يا قاسم دع العشب "السنّي" ينبت كما يشاء

    استفاقة اليوم متأخّرة، بل ومتأخّرة جدّاً، وحصولها على هذا النحو الخجول لا يقلّ هولاً عن عدمها، لأنّ شيئاً لن يتغيّر، وما أفسده دهرٌ من العبثيّة والتراكمات والانحدارات لسعد الحريري، لن يُصلحه عطّارٌ يخشى أن ينفث حتى الرذاذ من عطره وماله.