جذور النظام العالمي الجديد

جذور النظام العالمي الجديد

د. البدر الشاطري - الجمعة 11 آذار 2022

العالم في خضمّ تحوّلات كبيرة، وما الحرب في أوكرانيا إلا أحد إفرازات هذه التحوّلات. ولا يمكننا أن نفهم ما يدور في أوروبا اليوم إلا إذا فهمنا السياق التاريخي الأوسع لتشكيلات النظام الدولي حيث تنافست القوى الكبرى على النفوذ في أوروبا والعالم، والحصول على المزيد من المستعمرات في دول العالم الثالث لأنّها مصدر للموادّ الأوّلية للصناعات في أوروبا.

شهد النظام السياسي الدولي عدّة تحوّلات خلال قرن. فقبل اندلاع الحرب العظمى في 1914 كان النظام العالمي تهيمن عليه عدّة دول هي بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، الولايات المتحدة، روسيا، ألمانيا، الإمبراطورية النمساوية-المجرية (هابسبورغ)، ورجل أوروبا المريض الدولة العثمانية. ويوصف تعدّد القوى العظمى هذا بـ"النظام الدوليّ المتعدّد الأقطاب".

على الرغم من العلاقات الأسرية بين بعض السلالات الحاكمة الأوروبية، إلا أنّ حسابات القوة والهيمنة كانت أقوى من روابط الدم. بل إنّ انعدام الثقة بين الدول الأوروبية أدّى إلى اندلاع حرب كونية دمّرت العالم وفَقَد فيها عشرات الملايين أرواحهم وممتلكاتهم. وأضحى النظام الدولي الجديد، بعد سقوط الإمبراطورية النمساوية-المجرية وهزيمة ألمانيا، واقعاً جيوسياسياً جديداً، وخاصة بعد نجاح الثورة البولشفية وبروز الاتحاد السوفياتي قوّةً عالميةً وازنةً وأيديولوجيّةً معاديةً للغرب الرأسمالي.

انعدام الثقة بين الدول الأوروبية أدّى إلى اندلاع حرب كونية دمّرت العالم وفَقَد فيها عشرات الملايين أرواحهم وممتلكاتهم

وأصبحت القوى المسيطرة على الساحة الدولية بعد الحرب العظمى هي الولايات المتحدة، التي تجاوزت القوة العالمية الأولى بريطانيا، وفرنسا التي خرجت من الحرب منتصرة، وإيطاليا. وقد فَقَدت الدولة العثمانية ممتلكاتها العربية للدولتين الاستعماريّتين بريطانيا وفرنسا اللتين تقاسمتا دول المشرق العربي، أو الهلال الخصيب، التي أصبحت مناطق انتداب تحت ذريعة تأهيل هذه الدول للاستقلال. وقد عُرف هذا التقاسم باتفاقيّة سايكس-بيكو.

لم تدرِ القوى العظمى التي فرضت اتفاقاً مجحفاً على ألمانيا في فيرساي أنّها تزرع بذور الحرب القادمة. وعلى الرغم من الاستقرار النسبي للنظام الدولي المتعدّد الأقطاب بين الحربين العظميين، إلا أنّ الجمر كانت تشتدّ جذوته تحت رماد معاهدة فرساي، التي حمّلت ألمانيا ودول المركز المسؤولية الكاملة عن اندلاع الحرب.

 

حروب أوروبا وكلفتها

كانت الحرب حتميّة بين الدول الأوروبية بسبب الوضع غير المتوازن في أوروبا. وقد حاولت ألمانيا استعادة مجدها بقيادة زعيم ديماغوجيّ وكاريزماتيّ استنفر الحميّة الألمانية، وعقد العزم على ردّ الصاع صاعين للديمقراطيات الأوروبية التي نالت من ألمانيا في الحرب الماضية. وكانت الحرب العالمية الثانية التي فَقَد فيها الكثيرون أرواحهم، ناهيك عن ممتلكاتهم وأوطانهم.

وقد كشفت الحرب عن وحشيّة لا حدود لها أزهقت أرواحاً لأنّها من جنس أو دين أو قومية معيّنة. فعلى سبيل المثال خسر نصف اليهود الأوروبيين أرواحهم في محارق نازية عُرِفت بالهولوكوست. وخسر الاتحاد السوفياتي 27 مليون نسمة من العسكريين والمدنيين في هذه الحرب، وخسر الكثيرون في العالم جرّاء هذه الحرب.

تغيّرت الموازين العالمية بعد الحرب، وظهر تحوّل جيوسياسي أكبر وأوسع في العالم. وتحوّل النظام العالمي من نظام متعدّد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطب للمرّة الأولى في التاريخ الحديث. وبرزت الولايات المتحدة بوصفها أقوى دول في العالم، إذ امتلكت تقريباً نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي، وقوة عسكرية هي الكبرى في التاريخ البشري، إضافة إلى القدرات النووية التي اُستُخدمت للمرّة الأولى ضدّ مدينتيْ هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتين.

وظهر الاتحاد السوفياتي قوّةً دوليةً موازيةً للولايات المتحدة تسيطر على شرق أوروبا من خلال أنظمة شيوعية مماثلة لنظامه. وللمرّة الأولى في تاريخ الصراع بين القوى الكبرى لعبت الأيديولوجيا دوراً مهمّاً في الصراع والتنافس. وللمرّة الأولى أيضاً برزت كتلة العالم الثالث بعد تصفية الاستعمار في كثير من البلدان الآسيوية والإفريقية. أُسِّست الأمم المتحدة لفضّ النزاعات بين دول العالم ومنع تكرار كوارث الحرب العالمية السابقة. 

تغيّرت الموازين العالمية بعد الحرب، وظهر تحوّل جيوسياسي أكبر وأوسع في العالم. وتحوّل النظام العالمي من نظام متعدّد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطب للمرّة الأولى في التاريخ الحديث

وتأجّجت الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية بقيادة الولايات المتحدة والشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من بعض المواجهات الخطيرة بين القطبين الكبيرين، إلا أنّ معظم المواجهات كانت في دول العالم الثالث حيث دعمت إحدى القوّتين طرفاً ضدّ طرف موالٍ للقوّة الثانية. وتعقّد كثير من الأمور في الدول النامية بسبب استعار التنافس بين القطبين العالميّين.

 

النظام الجديد

في النهاية كان السقوط الكبير تحت وطأة التنافس. وكان واضحاً للزعماء السوفييت أنّ الاتحاد السوفياتي لن يستطيع اللحاق بالولايات المتحدة ما لم يقُم بإصلاحات جذرية ويخفّف من حدّة النزاع والتوتّر العالميّين. لكنّ كلّ ذلك أدّى إلى خروج الجنّيّ من القمقم، وأطاحت الإصلاحات بأعمدة الحكم السوفياتي وتبعثرت جمهوريّاته إلى دول مستقلّة. وتسيّدت أميركا النظام الدولي ذا القطب الأوحد. واستطاعت أن تدير العالم من دون منافس. فعلى سبيل المثال استطاعت الولايات المتحدة تمرير القرارات الأممية ضدّ العراق بعد غزوه الكويت وتجييش العالم من أجل معركة كسبتها واشنطن سياسياً ودبلوماسياً قبل أن تحقّق النصر على الأرض. وهاجمت الصرب في البوسنة والهرسك، وكذلك فعلت في كوسوفو. وبدأت تتمدّد شرقاً إلى حدود الاتحاد السوفياتي، فضمّت كتلة وارسو إلى حلف الناتو. وقامت إداراة بوش الابن بغزو العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل من دون أن تستطيع أن تجدها في العراق بعد الغزو. كلّ ذلك وروسيا تلعق جروحها وتقف مشاهدةً أكبر إذلال تاريخي لقوة عظمى سابقة.

إقرأ أيضاً: أوكرانيا الخطوة الأولى إلى نظام عالميّ جديد

ما كان لنظام القطب الواحد أن يستمرّ إلى الأبد، فالأزمة الماليّة في 2008 وبروز روسيا مرّة أخرى لاعباً مهمّاً، حين قامت بغزو جورجيا على مرأى ومسمع الدول الغربية وانتزاع جمهوريّتين من حضنها، دشّنا واقعاً جديداً في قطبيّة النظام العالمي. فقد عادت آسيا إلى قوّتها التاريخية وأصبحت الصين قوّة عالمية تضاهي الولايات المتحدة.

يبشّر كلّ ذلك بنظام عالمي متعدّد الأقطاب، إلا أنّ الاختلاف هنا يتّسم بالتنوّع الحضاري والديني للقوى العظمى. فما عادت الدول المتنافسة دولاً أوروبية ومسيحية فحسب، بل انضمّت إليها دول آسيوية وكونفوشيوسية، وقريباً هندوسية.