الحروب الجيوإقتصادية تتقدّم على الجيوسياسية

الحروب الجيوإقتصادية تتقدّم على الجيوسياسية

د. البدر الشاطري - الجمعة 18 شباط 2022

يهتمّ كثير من الكتّاب والباحثين والصحافيين بالتنافس الجيوسياسي أكثر من اهتمامهم بالتنافس الجيو-اقتصادي. أصبحت اليوم الجيو-اقتصادية عاملاً مهمّاً في التنافس الجيوسياسي، بل تُستخدم الجيو-اقتصاديّة في كثير من الأحيان لتحقيق مآرب جيوسياسية. وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً.

لكنّ أهميّة الجيو-اقتصاديّة تنبع من تراجع الحروب بين الدول. على الأقلّ إذا ما قيس بعدد الوفيات في الحروب. وعلى الرغم من أنّ هذه المقولة لها وجاهة، إلا أنّ البعض يراها خلافيّة لجهة القياس. لا يهمّنا الولوج في أدبيّات الموضوع بقدر ما يهمّنا بروز العامل الجيو-اقتصادي في العلاقات الدولية.

أهميّة الجيو-اقتصاديّة تنبع من تراجع الحروب بين الدول. على الأقلّ إذا ما قيس بعدد الوفيات في الحروب

كتاب "الحرب بوسائل أخرى: الجيو-اقتصاديّة وفنّ الحكم"، يُعرِّف الجيو-اقتصاديّة بأنّها "استخدام الأدوات الاقتصادية لتعزيز المصالح الوطنية والدفاع عنها، وتحقيق فوائد جيوسياسية، والتأثير على الأهداف الجيوسياسية للدول الأخرى من خلال الإجراءات الاقتصادية".

ترى بعض الدول الكبرى أنّ الجيو-اقتصادية أقلّ كلفة من الوسائل العسكرية، على الأقلّ في المدى المتوسّط. ولا يسقط ضحايا من الدولة التي تفرض عقوبات اقتصادية بغية الوصول إلى مكتسبات جيوسياسية. ويبدو أنّ استخدام الأدوات الاقتصادية قد يكون باهظاً من الناحيتين الاقتصادية والمالية، إلا أنّ تكلفة وقوع ضحايا في الحروب لها مردودات سياسية سلبية أكبر على القادة السياسيين.  

يذكر البعض أنّ مصطلح الجيو-اقتصاديّة وُلد من رحم نهاية الحرب الباردة التي أدّت إلى استخدام الأدوات الاقتصادية بدلاً من القوة العسكرية. وأصبح الاقتصاد هو المحرّك الأول للعلاقات الدولية والصراعات على المصادر الاقتصادية والأسواق التجارية. وعلى الرغم ممّا نرى من صراعات على مستوى متدنٍّ، مثل الإرهاب والحروب الميليشياوية، وبعض الحروب على الحدود بين الدول أو الحركات المسلّحة كما يحصل في إثيوبيا أو بين أذربيجان وأرمينيا، إلا أنّ التنافس الاقتصادي المحتدم بين الدول الكبرى والمتوسطة والصغيرة يشغل حيّزاً أكبر.

الرقائق الإلكترونية بدل السيوف

قال الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، في كتابه "أغتنم الفرصة"، الذي نُشر في عام 1992، أي بُعيد الحرب الباردة، إنّه مع انتهاء الحرب الباردة أصبحت القوة الاقتصادية والجيو-اقتصادية أكثر أهميّة من القوة العسكرية والجيوسياسية: و"على أميركا ألا تضرب السيوف إلى محاريث [كما يقول الكتاب المقدّس]، بل إلى رقائق إلكترونية".

ترى بعض الدول الكبرى أنّ الجيو-اقتصادية أقلّ كلفة من الوسائل العسكرية، على الأقلّ في المدى المتوسّط. ولا يسقط ضحايا من الدولة التي تفرض عقوبات اقتصادية بغية الوصول إلى مكتسبات جيوسياسية

لم يكن الاقتصاد يوماً غائباً عن الصراعات والتنافس الدولي، إلا أنّ القضايا الأمنيّة طغت على مجمل العلاقات الدولية. وفي فترة الحرب الباردة كان الصراع على كلّ المحاور السياسية والدبلوماسية والثقافية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية، لأنّ الاتحاد السوفياتي كان يمثّل تحدّياً في كلّ المجالات، بل إنّ السوفيات يقدّمون أنفسهم كنموذج بديل للولايات المتحدة والغرب عموماً.

يُعتبر صعود الصين كقوة جيو-اقتصادية وازنة على مستوى العالم أحد أسباب تزايد الاهتمام بالجيو-اقتصاديّة. وتتخوّف الدول الغربية من أن يؤدّي التمدّد الاقتصادي الصيني، من خلال التجارة والاستثمار والمديونيّة والمساعدات الاقتصادية، إلى نفوذ جيوسياسي واسع في أطراف المعمورة. ولا تقدّم الصين نموذجاً أيديولوجيّاً بديلاً للتجارة الحرّة والانتقال السلس للرساميل، اللذين طالما تغنّت بهما الولايات المتحدة. بل إنّ الصين تستخدم الاقتصاد الحرّ للتوسّع الجيوسياسي. وقد تكون الصين بديلاً مهمّاً للغرب لأنّها لا تسعى إلى أن تفرض أجندتها السياسية أو أنماطها الثقافية. فهي شريك اقتصادي مريح لكثير من الدول التي تخشى تدخّل الدول الغربية، خاصة في ما يتعلّق بحقوق الإنسان من وجهة نظر غربية.

المواد الطبيعية كسلاح

شهدت المنطقة استخدام الموارد الطبيعية كسلاح في الصراعات الجيوسياسية في المنطقة. ولعلّ أشهرها يوم أعلن تاعتهل السعودي الراحل الملك فيصل وزعيمنا الراحل الشيخ زايد بن سلطان فرض حظر نفطي على الدول الداعمة لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973. وقد كانت لتلك الخطوة آثارها الكبيرة في المفاوضات الدبلوماسية بين مصر والوسيط الأميركي هنري كيسنجر في فكّ الاشتباك بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية في سيناء.

على المنوال نفسه استطاعت الولايات المتحدة والدول الغربية جلب إيران إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازل في القضية النووية عبر سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي تمّ فرضها على إيران. وقد مارس الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ما سُمّي بـ"الضغوط القصوى"، لإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر لتعديل الاتفاق النووي المبرم مع الإدارة السابقة في عام 2015.

إقرأ أيضاً: العربُ بين عامَين: دول صعدت وأخرى نزلت

وفي الوضع الحالي نرى كيف تهدّد الدول الغربية باستخدام الاقتصاد في ردع روسيا عن غزو محتمل لأوكرانيا. وتخشى الدول الغربية من ردّة فعل روسيا بأن تحظر تصدير الغاز الطبيعي إلى الدول الأوروبية المعتمِدة على الغاز الروسي. وقد سعت واشنطن إلى تغطية الانكشاف الأوروبي أمام الضغوط الروسية بوقف تصدير الغاز، محاولةً التعويض من خلال إيجاد مصادر أخرى مثل قطر.

وإذا ما نجحت الدول الغربية في منع اندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا، فإنّ الكثيرين سيدعون إلى استخدام السلاح الاقتصادي بشكل متزايد بدلاً من القوة العسكرية. ولكن مهما يكن الأمر فإنّ الجيو-اقتصاديّة سلاح ذو حدّين قد تقطع مستخدِمها مثلما تقطع خصومه!