حبيبي الشهيد رفيق الحريري: "لا تحزن"

حبيبي الشهيد رفيق الحريري: "لا تحزن"

عماد الدين أديب - الإثنين 14 شباط 2022

هذا يوم رفيق الحريري، الذي ثبت بعد 17 من اغتياله جسدياً، استحالة إلغائه من متن صناعة السياسة في لبنان، ومن حضوره في الذاكرة العربية والدولية.

"أساس" ينشر اليوم وغداً مجموعة مقالات ومقابلات في محاولة لسرد بعضٍ سيرته التي نتعلّم منها جميعاً.

الشهيد الحبيب رفيق الحريري.

هذه رسالتي لكَ في ذكرى يوم استشهادك الذي أصبح علامة فارقة في لبنان بين الحقّ والباطل وبين الحرّية والاحتلال، وبين الدولة الوطنية ودولة الميليشيات.

أيّها الحبيب...

أنت الآن في معيّة أهل السماء ونحن في معيّة أهل الأرض.

أيّها الحبيب...

الآن أستطيع أن أقول لك إنّني مفتون بفكرك وعاشق لمواقفك من دون أن أكون منافقاً أو طامعاً.

التاريخ لا يرحم، والعدالة لها قانون لا يخطئ، والدم ينتصر على فوهة البندقية، والقاتل قتيل لا محالة، وسيف الحقّ بتّار لا محالة، ومن دفنك سوف يُدفن في التراب، وإرثك السياسي عائد عاجلاً أو آجلاً ولو حاولوا مرّة ثانية دفن المشروع بقتل جهود "سعد" لمدّة 17 عاماً

أنت مبدع فطريّ في قراراتك.

أنت عابر للمعتاد والتقليدي من تصرّفات وسلوك البشر.

أنت عابر للطوائف والأحزاب والديماغوجية والقولبة الجامدة في السياسة.

لا دم على يدك، فأنت لم تدخل لعبة الدم في لبنان أو أيّ مكان آخر.

أهل السماء بين يدي الله وأهل الأرض بين يدي بايدن وبوتين ورئيسي وبشار وداعش والقاعدة وأتباع الأتباع وعملاء العملاء.

أرجوك لا تحزن وأنت تتأمّل حالنا من أعلى.

أدرك أنّك حزين على ما آلت إليه البلاد والعباد بعد رحيلك.

سوليدير التي كانت قطعة من أحلامك أصبحت خرائب ينعق فيها البوم، والزيتونة لا تجد من يستمتع بالتنزّه فيها.

الليرة اللبنانية التي ثبّتّها على 1536 مقابل الدولار الأميركي تتأرجح عند 21 ألفاً وكسرت ذات يوم حاجز الـ30 ألفاً!

السيّاح العرب الذين اكتظّ بهم المطار في بيروت اختفوا، وأصبح المطار بالفعل مكتظّاً لكن بأبناء الوطن الراغبين في الهجرة النهائية.

لبنان الذي كنت تسمّيه دائماً بلد "النعم والخيرات" يصعب أن نجد فيه "ربطة خبز" أو "تنكة بنزين" أو "حبّة بانادول".

أيّها الحبيب...

الثقة بالاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي التي أعطيتها للّبنانيّين وللعالم مفقودة الآن، بعدما ضاعت ودائع ومدّخرات الناس وأصبحوا يتسوّلون القليل القليل من جنى عمرهم.

 

أيّها الحبيب...

الجنرال ميشال عون، الذي دعمتَ إقامته لسنوات في باريس، هو المتآمر الأوّل على إرثك السياسي وابنك سعد.

أيّها الحبيب...

لا تحزن ولا تشعر بالقهر حينما لا ترى شركاتك العملاقة ولا أرصدة بنوكك ولا أسهم شركاتك الدولية ولا جمعيّاتك الإنسانية، ولا ترى دعم المقاصد ولا دار العجزة ولا مستوصفات العلاج ولا منح التعليم.

لا تحزن سيّدي، فهذا هو الاغتيال الثاني للحريريّة: كان الأوّل أمام السان جورج، وكان الثاني لشركاتك، والثالث كان لسعد وتيّارك ونهجك السياسي.

أيّها الحبيب...

انقسم كلّ من تنعّموا بخيرك وقبضوا أموالك وكبروا وصعدوا بدعمك، بين وفيّ للإرث السياسي، وبين خائن يمارس الدعارة السياسية على فراش من يدفع بصرف النظر عن شخصه أو فكره أو جسده!

أيّها الحبيب...

لبنانك لم يعد لبنانك، وطائفتك لم تعد طائفتك، واقتصادك لم يعد اقتصادك، وأصدقاؤك لم يعودوا أصدقاءك.

الآن طائفتك الكريمة تحت ضغوط العثماني التركي الذي يدعم أحد أبنائك، وتحت ضغط الأصولية من جماعات تكفيرية في طرابلس، وتحت محاولات الشراء في بيروت من بعض المغامرين الجدد في لعبة السياسة.

أيّها الحبيب...

 ها هو ابنك الغالي سعد يصارع الأخ والغريب، والشقيق والبعيد والعدوّ والحليف، حتى يبقى إرثك السياسي، ويجادل في صيغة دولة وطنيّة مدنية تقوم على الانفتاح السياسي والحريّة الاقتصادية والتضامن المتسامح بين كلّ الطوائف والمذاهب والأحزاب.

أيّها الحبيب...

اتُخذ القرار في طهران ودمشق والضاحية وعدّة عواصم أخرى، بإيقاف الحريريّة السياسية وإعادة تأهيل معادلة جديدة تقوم على تفتيت السُنّة إلى أجزاء وأشلاء.    

أرجوك لا تحزن على حال لبنان ولا على حال السُنّة ولا حال تيار المستقبل ولا على حال الأبناء والأسرة.

أنت الآن يا سيدي في دار الحق ونحن في دار الباطل والزهوّ والغرور والبيع والشراء للأمم والضمائر.

تأكّد أيّها الحبيب أنّ ما ألمّ بسعد وتيار المستقبل والأسرة والطائفة السنّيّة الكريمة، وما ألمّ بالاعتدال السياسي في لبنان، هو مؤقّت في ممرّ الزمن، وطارئ في حسابات التاريخ.

أيّها الحبيب، هل تذكر حينما قلت لي قبيل اغتيالك بأربعة أشهر في السعودية: "أنا خطّ أحمر سعودي وفرنسي وأميركي ومصري وسنّيّ، ومن سوف يدفنني سوف يُدفن عاجلاً أو آجلاً في حفرة بجانبي".

التاريخ لا يرحم، والعدالة لها قانون لا يخطئ، والدم ينتصر على فوهة البندقية، والقاتل قتيل لا محالة، وسيف الحقّ بتّار لا محالة، ومن دفنك سوف يُدفن في التراب، وإرثك السياسي عائد عاجلاً أو آجلاً ولو حاولوا مرّة ثانية دفن المشروع بقتل جهود "سعد" لمدّة 17 عاماً.

الآن دعهم يجرّبون لبنان، من دون مشروعك، من دون وجود سعد، من دون تيار المستقبل، من دون سُنّيّة سياسية.

لا تحزن أيّها الحبيب...

مشروعك باقٍ، طال الزمن أو قصر، لأنّه الحقّ.

إقرأ أيضاً: رؤية 1992

تأكّد يا سيدي وأنت بين يدي الرحمن الرحيم أنّ الله يسمع ويرى وهو القائل في حديثه القدسي: "يا عبادي إنّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا".

 وقال خير القائلين: "الظلم في الدنيا ظلمات يوم القيامة".

أيّها الحبيب وداعاً... حتّى نلتقي. وليتَ ذلك يكون لي قريباً أو لعلّه الآن، لأنّني كرهتُ كذب الساسة وظلم أهل الأرض.