رؤية 1992

رؤية 1992

نديم قطيش - الإثنين 14 شباط 2022

هذا يوم رفيق الحريري، الذي ثبت بعد 17 من اغتياله جسدياً، استحالة إلغائه من متن صناعة السياسة في لبنان، ومن حضوره في الذاكرة العربية والدولية.

"أساس" ينشر اليوم وغداً مجموعة مقالات ومقابلات في محاولة لسرد بعضٍ سيرته التي نتعلّم منها جميعاً.

19 عاماً على سقوط نظام صدّام حسين. 17 عاماً على اغتيال رفيق الحريري. الرابط بين الحدثين أنّهما لحظتان في سياق اندفاع المشروع الإيراني التوسّعي في الإقليم. لا شيء آخر يجمع بين الرجلين، الآتي كلٌّ منهما من مدرسة شديدة الاختلاف عن الأخرى. فوارق بيّنة غنيّة عن التعداد.

تحمّس رفيق الحريري كثيراً لسقوط نظام صدام حسين. تحمّس أكثر لإياد علاوي، رئيس الوزراء آنذاك، وللتجسير معه بين العراق ولبنان، بغية إنتاج مشرق جديد، براغماتي، بعيد عن عصبيّات الأيديولوجيا

بين التفسيرات الكثيرة لاغتيال الحريري في 14 شباط 2005، أنّه سقط ضحيّة شهوات سنّيّة في سوريا. راوده عبد الحليم خدام، بلا أدنى شك، عن أحلام تغييرية في دمشق، ما بعد حافظ الأسد. كان صدى أسطورته اللبنانية يداعب مخيّلة سُنّة سوريا، منذ البدء، لكنّه علا أكثر مع أطماع بعض الحرس القديم، ممّن رأوا أنّهم أكبر من بشار الأسد. تقاطع ذلك مع صراع يوميّ يخوضه الحريري للتأقلم مع بدلة تضيق عليه وعلى أحلامه.

حين قال "ما حدا أكبر من بلدو"، كان يعرف أنّه يحاول إبعاد الشبهة لا أكثر. لا يقول هذه العبارة إلا رجل موقن أنّه "أكبر من بلدو".

ولكن هل قتلته سوريا أم قتله العراق؟ الأصحّ، هل سقط ضحيّة شهوات سنّيّة في سوريا أم شهوات شيعيّة في العراق؟

تحمّس رفيق الحريري كثيراً لسقوط نظام صدام حسين. تحمّس أكثر لإياد علاوي، رئيس الوزراء آنذاك، وللتجسير معه بين العراق ولبنان، بغية إنتاج مشرق جديد، براغماتي، بعيد عن عصبيّات الأيديولوجيا.

سقوط "أوّل البعثَيْن"، بحسب العبارة البتّارة للراحل سمير قصير، فعَل فِعل السحر في مخيّلة الحريري. فرصة عراق مستقرّ ناهض، غربيّ التوجّه، محميّ أميركيّاً، هي أفضل ما يمكن الفوز به للتوازن مع سوريا التي كانت تكشّر عن أسمِّ أنيابها منذ الاجتياح الأميركي. يومها، عام 2003، فرضت دمشق على رفيق الحريري أكثر حكومة "متسورنة" منذ اتفاق الطائف. بموازاة ذلك كانت علاقته الممتازة مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، تشجّعه على دور لرأب الصدع بين واشنطن وباريس، المختلفتين حينها على حرب العراق. في هذا السياق كان اللقاء بين باريس وواشنطن في النورماندي، وبعدها القرار الأممي 1559، الذي كان جزءاً من محاولة هندسة شرق أوسط جديد.

"سقوط أوّل البَعثيْن"، فتح أيضاً باباً واسعاً لشيعيّة عربية جديدة في العراق، خارج قاموس المقاومة وإيران ومنظومة ولاية الفقيه، التي يصدر عنها حزب الله ويمارس باسمها الشغب على مشروع الحريري.

 

نادراً ما يحضر هذا التفصيل العراقي في رواية الحلقات الأخيرة من سيرة رفيق الحريري.

بعد 17 عاماً على "أطول اغتيال" في تاريخ الاغتيالات السياسية، يعود العراق إلى الواجهة، شرطاً موضوعيّاً، لبنية استقرار جديد في المشرق، وفق ما سبق الحريري الجميع إلى رؤيته. في العراق تخوض إيران اليوم أشرس معاركها، بعدما خسرت ميليشياتها الانتخابات لمصلحة كتلة سياسية تضمّ مقتدى الصدر، والكرد، وبعض السُنّة، والمجتمع المدني، والحالة الشعبية التي يمثّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

ذكرى 14 شباط هذا العام، وإن تكن الأولى بلا حريري في الحكم أو في السياسة، مع تعليق رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري حياته السياسية، هي مناسبة لإعادة الاعتبار لرفيق الحريري ورؤيته الشرق أوسطية، التي تنهض على مرتكزين:

1- لا مكان للبنان خارج تعبيرات العروبة الحديثة، ما اكتمل منها، في مصر والخليج، وما هو قيد الإنجاز، ولا سيّما في العراق.

2- لا مستقبل للبنان خارج منطق السلام في المنطقة، الذي يسمح للبنان بتفعيل كلّ إمكاناته الكامنة وينزع فتائل سياسات الهويّات الفرعية التي مزّقت، باسم المقاومة، النسيج الاجتماعي وتكاد تُجهز على الكيان نفسه.

بعد 17 عاماً لا يزال رفيق الحريري هو مستقبل اللبنانيين، كأنّه مادّة غير قابلة للاشتعال مهما بلغت زنة العبوة وقدرتها الحارقة.

يحتاج اللبنانيون، بلا شكّ، إلى إعادة تعريف علاقتهم بالحريري بالتأكيد، خارج مفردات العدالة والحقيقة.

لكنّ الثابت أنّ رفيق الحريري ثابت في مستقبلهم أكثر من ثباته في ماضيهم.

المنطقة تعجّ بالرؤى. في السعودية رؤية 2030 التي يقودها الأمير محمد بن سلمان. وفي مصر رؤية 2030 أيضاً التي يقودها الرئيس عبد الفتّاح السيسي. في الإمارات رؤية 2071، التي تبني للخمسين سنة المقبلة على نجاحات نصف قرن من الإنجاز منذ ولادة الإمارات.

في لبنان رؤية 1992.

إقرأ أيضاً: حبيبي الشهيد رفيق الحريري: "لا تحزن"

ماضي البلد هو مستقبله الأفضل. نكاد نكون البلد الوحيد في العالم الذي يحتاج إلى العودة للوراء بغية حيازة غدٍ أفضل.

بعد 17 عاماً لا يزال رفيق الحريري هو المستقبل الوحيد المتاح للّبنانيين، في الاعتدال والإنماء والإعمار وفي الرهان على الإنسان أوّلاً وفي التعريف البسيط للكرامة الإنسانية.

بعد 17 عاماً، هو الشهيد، وهو الشاهد، وهو الشهادة أنّ لبنان ممكن، وأنّ أحلاماً بحجم أحلامه، لا تتّسع لردمها حفرة، مهما بلغ قطرها.