لا تقلقوا: سُنّة لبنان أمّة لن تضيع

لا تقلقوا: سُنّة لبنان أمّة لن تضيع

زياد عيتاني - الثلاثاء 01 شباط 2022

سعد الحريري وقبله تمّام سلام، وربّما سيلحق بهما آخرون إلى إعلان انسحابهم من المعركة الانتخابية النيابية المقرّر إجراؤها في 15 أيار المقبل. قد يفعلها نجيب ميقاتي، ونهاد المشنوق، وأسامة سعد، كما سيفعلها طوعاً عبد الرحيم مراد تاركاً المعركة لنجله حسن.

كثيرون هم الكتبة والمحلّلون، الذين وقفوا ليتحدّثوا عن هول ما يحصل. البعض يصفه بـ"الزلزال"، والبعض الآخر بـ"الخطر الكبير". فيما ذهب آخرون إلى القول إنّ الطائفة السنّيّة في لبنان تتّجه إلى المجهول.

إنّ ما حدث وسيحدث، بفعل هذه الانسحابات، أو الانسحابات التي ستليها، ليس بالحدث الصغير أو العابر. لكنّه في الوقت نفسه ليس بالحدث الكبير المزلزل. من المؤكّد أنّه أكبر من خبر تسرده يوميّاً وكالات الأنباء وتذيعه نشرات الأخبار، لكن من المؤكّد أيضاً أنّه ليس بمؤشّر إلى يوم القيامة وقيام الساعة وظهور الأعور الدجّال الذي يليه ظهور السيّد المسيح مُخلّصاً عند مئذنة المسجد الأموي، معاصراً ظهور المحرّر الإمام المهدي.

إنّ ما حدث وسيحدث، بفعل هذه الانسحابات، أو الانسحابات التي ستليها، ليس بالحدث الصغير أو العابر. لكنّه في الوقت نفسه ليس بالحدث الكبير المزلزل

لم يكن السُنّة في لبنان، كما في أيّ بقعة من أصقاع هذه المعمورة، طائفةً أو عصبةً أو مذهباً فحسب. لطالما كانوا أمّةً، وهو ما يعني أنّ نشأتهم بدأت مع انطلاقة دعوة النبي محمد (ص) وصحبه الأبرار رضوان الله عليهم من السرّ إلى العلن ومن دار الأرقم في مكّة المكرّمة لإعلان دعوتهم إلى نشر الدين.

 

تاريخ السنّة

لم يولد السُنّة في 13 حزيران 1853 تاريخ ولادة مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، كما لم يندثروا بموته في 31 كانون الثاني 1932. وهم لم يولدوا عام 1894 عندما خرج زعيم الاستقلال رياض الصلح إلى الحياة في مدينة صيدا، ولم تذهب ريحهم عندما اغتيل في 17 تموز 1951 في العاصمة الأردنيّة عمّان. ولم يرتبط وجود السُنّة في لبنان بصفات وصلابة الرئيس رشيد عبد الحميد كرامي، فنشأتهم لا تعود إلى تاريخ ولادته في 30 تشرين الأول عام 1921، ولم يستسلموا إلى أعدائهم عندما اغتيل في 1 حزيران عام 1987.

لطالما افتخر الرئيس صائب سلام بكونه سنّيّاً، لكن لم يحصل أن تحدّث أنصاره أنفسهم أنّه يعود الفضل بوجودهم كسُنّة إلى زعيمهم ابن المصيطبة، فلا ولادته عام 1905 هي تاريخ مولدهم، ولا وفاته عام 2000 بعد 95 سنة هي تاريخ نهايتهم.

رأى السُنّة في ذروة الحرب الأهليّة ومآسيها، وعندما اشتدّت الويلات عليهم، في مفتيهم الشيخ حسن خالد الملجأ والمرتجى والأمل. إلا أنّهم لم يولدوا عندما وُلد عام 1921، ولا اغتيلوا في ذلك التفجير المجرم الذي أودى بحياة المفتي عام 1989. مع رفيق الحريري عاش السُنّة أحلامهم وذروة أفراحهم، لكنّهم كانوا على هذه الأرض لسنوات كثيرة وكثيرة جدّاً قبل ولادة الرئيس الشهيد في 1 تشرين الثاني عام 1944. استمرّوا وسيستمرّون على هذه الأرض بعد اغتياله الكبير في 14 شباط 2005.

سنحزن على انسحاب مَن سينسحب، وسنأسف على غياب مَن سيغيب، لكنّنا نحن معشر السُنّة قدرنا الذي وضعه ربّ العالمين أن لا نغيب

ماذا سيحدث للسُنّة بعد اعتذار تمّام سلام وسعد الحريري وغيرهما؟ ماذا سيحصل للطائفة السنّيّة؟ الجواب بسيط ويُختصَر بكلمة واحدة: "لا شيء"، سواء كَثُر المعتذرون أم قلّوا، كباراً كانوا أم صغاراً، مؤثّرين أم غير مؤثّرين، وزراء سابقين أم حاليّين، أبناء بيوت سياسية أم نجوم شوارع وأزقّة.

 

لا يمكن اختزالهم

لا يمكن لرجل أو لحزب أو تيّار أو لعمامة أن يختصر أمّة. ألم نسمع جميعاً ونقرأ ماذا قال خليفة النبي وثاني اثنين في الغار أبو بكر الصدّيق والد عائشة أمّ المؤمنين عندما عاد إلى المدينة، بعدما وصله خبر وفاة النبيّ الكريم، فاعتلى مرتفَعاً ووقف خطيباً وقال: "من كان يعبد محمّداً فقد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت". وعندما بويع بالخلافة خطب فقال: "يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم. ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".

إقرأ أيضاً: ارتباك سُنّة لبنان: حكاية مئة عام

سنحزن على انسحاب مَن سينسحب، وسنأسف على غياب مَن سيغيب، لكنّنا نحن معشر السُنّة قدرنا الذي وضعه ربّ العالمين أن لا نغيب. نحن الذين لطالما عاشوا في الحواضر والمدن على شواطئ البحر مدافعين عن الثغور بوجه كلّ معتدٍ أثيم. منّا الإمام الأوزاعي حامي النصارى المسيحيين. ومنّا معروف سعد حبيب الصيّادين. ومنّا صبحي الصالح الشيخ العالِم الوسيم. ومنّا ابن الصلح تقي الدين، ومحمد شطح، ووسام الحسن، ووليد عيدو، وهم ثلّة من المقاومين. ومنّا رفيق الحريري الذي من المؤكّد أنّه باقٍ في ضريحه في وسط بيروت، ميزاناً لحركة الجميع...