fb 6 أجنحة تنبت للدولار: هل سيحلّق مجدّداً؟

6 أجنحة تنبت للدولار: هل سيحلّق مجدّداً؟

عماد الشدياق - الخميس 27 كانون الثاني 2022

منذ بداية الأزمة الاقتصادية قبل أكثر من عامين بقليل، شهدت مسيرة سعر صرف الدولار انخفاضين كبيرين بلغا حدود 9 إلى 10 آلاف ليرة. الأوّل بعد ساعات من توقيع مرسوم تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والثاني قبل أسبوعين، يوم أعلن حاكم مصرف لبنان في بيان فتحَ سقف بيع الدولارات عبر منصّته "صيرفة".

لم تدُم موجة الهبوط الأولى إلاّ قرابة شهر. وكان ذلك نتيجة مفعول حقنة "البنج" التي ضخّها وقع تشكيل الحكومة في جسد البلد المريض. أمّا اليوم فيبقى السؤال معلّقاً: متى ينتهي مفعول الموجة الثانية "المصطنعة" التي أطلقها مصرف لبنان؟

تعليق عضوية لبنان أو مقاطعته قد تكون الشرارة التي ستطلق العنان للاضطرابات الاجتماعية والمالية، وستمهّد لعودة سعر الصرف إلى التحليق

الإجابة على هذا السؤال تحكمها عوامل عدّة، منها النقدي ومنها الاقتصادي، ومنها السياسي خاصّةً. وفي مجملها يكمن استنتاجٌ سهل وبسيط يقول إنّ انخفاض سعر الصرف لن يدوم طويلاً، وربّما سيبدأ بالصعود، مجدّداً وتباعاً، مع بداية الأسبوع المقبل، وذلك للأسباب التالية:

1- ثمّة شكوك في نيّة مصرف لبنان وفي قدرته أيضاً على الاستمرار في ضخّ الأموال في السوق. تقول الأرقام إنّ "المركزي" ضخّ حتى اللحظة ما يزيد على 250 مليون دولار بواسطة منصّة "صيرفة"، وهذا ما يظهره مجموع أرقام التداول التي ينشرها "المركزي" مع نهاية كلّ نهار (263.5 مليون دولار من 14 كانون الثاني حتّى 25 منه)، على الرغم من تنكّره لهذه الحقيقة من خلال قوله إنّ هذه الأرقام "لا تمثّل حجم تدخّله في السوق"، بحجّة أنّ المنصّة تتضمّن، إلى جانب عمليّاته، عمليّات البيع والشراء لدى الصرّافين. لكن كلّنا نعرف أنّ أغلب الصرّافين مسجّلون صُوَريّاً في "صيرفة"، ولا يسجّلون إلاّ الفتات من عمليّاتهم، وذلك من أجل إثبات الحضور فيها (معلومات "أساس" تفيد بأنّ الحاكم رياض سلامة وجّه كُتُباً إلى مجموعة كبيرة من الصرّافين قبل أسبوع يدعوهم فيها إلى تسجيل عمليّاتهم بالمنصّة تحت طائلة سحب التراخيص).

2- تقود هذه الوقائع إلى الاستنتاج أنّ مصرف لبنان هو خلف أغلب عمليّات التداول على "صيرفة"، وكلّ عمليّاته باتجاه واحد هو: بيع الدولارات. ولذلك سيكون صعباً عليه الاستمرار على هذا المنوال لوقت طويل، خصوصاً إن كان الهدف تهيئة الظروف أمام الانتخابات النيابية، التي عاد الحديث عن تأرجحها، إن لم نقُل تأجيلها، نتيجة تعليق الحريري لعمله السياسي وعمل تيّاره أيضاً.

يعني هذا الافتراض أنّ "المركزي" سيكون مضطرّاً إلى ضخّ ما لا يقلّ عن 200 مليون دولار كلّ أسبوعين، أي 2.2 مليار دولار حتّى منتصف أيار المقبل موعد الانتخابات. وهذا رقم أكبر من قدرة "المركزي" على تحمّله، وضخّ هذه المبالغ سيكون "إجراماً".

وهناك رأي يقول إنّ الهدف من الضخّ هو تمرير الموازنة بأقلّ أضرار ممكنة. أي تنزيل سعر صرف الدولار، كي يتقبّل اللبنانيون أرقام الضرائب الجديدة التي ستُبنى على سعر الصرف الرسمي الجديد. فإذا كان سعر السوق يدور حول 20 ألفاً، يمكن تقبّله أكثر مما لو كان يزيد عن 30 أو 35 ألفاً.

سنكون أمام مكسب وحيد. فبدل أن يبدأ التحليق من "خطّ 33" ألفاً، سينطلق من "خطّ 23" ألفَ ليرة. ما سيكسبنا أشهراً إضافية قبل أن نذوق لوعة الـ30 مجدّداً

3- في هذه الحال سيكون مصرف لبنان مضطرّاً إلى التوقّف أيضاً عن ضخّ الدولارات مع انتهاء مدّة التعميم 161، الذي جدّد أمس حتّى نهاية شباط المقبل. ما يوحي بأنّه تعميم "مفتوح" حتى إقرار الموازنة، أو ربما حتّى إجراء الانتخابات النيابية. لأنّ أفق الموازنة لا يبدو معبّداً بالورود، نتيجة ضربها من بيت أبيها: "حزب الله" نَفَضَ يده منها بلسان النائب محمد رعد، والمكتب السياسي في "حركة أمل" أبدى اعتراضه على بنودها غير العادلة (!!)، ناهيك عن اعتراضات بقية القوى السياسية على البنود الضريبية قبيل الانتخابات. وهذا كلّه يُبيِّن أنّ بتّ الموازنة لن يكون سهلاً ولا قريباً، وأنّ عجز الـ30%، حسبما ذكرت مسوّدتها، قد يفوق هذا الرقم في حال شُطبت الضرائب أو خُفّض دولار الموازنة، ما سيقود إلى انخفاض الإيرادات وارتفاع العجز. وعندئذٍ سيكون "المركزي" مضطرّاً إلى طبع المزيد من الليرات في المقبل من الأيام والأشهر لسدّ الفجوة.

4- لماذا يهدر مصرف لبنان دولاراته من الآن على شأنٍ أفقُه مسدود؟ ومن أيّ دولارات سيقدّم هذا الهدر؟

لا أحد يملك إجابة واضحة على هذا السؤال. لكن تشير الترجيحات إلى أنّها ستكون من أموال السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي (1.1 مليار) التي حصل عليها لبنان أخيراً. وتتحدّث ترجيحات أخرى عن أرباح شركة "طيران الشرق الأوسط" التي صدّقت جمعيّتها العمومية مطلع الشهر الحالي على حساباتها للأعوام 2011 حتى 2020. وبدا لافتاً أنّ مجموع أرباحها الصافية تخطّى 700 مليون دولار. و"إجوا بوقتهم".

أمّا الاحتمال الأكثر رواجاً فهو اتّهام البعض سلامة بأنّه ينفق من الدولارات المحرّرة، من الفرق بين نسبة التوظيفات الإلزامية (14 % من حجم الودائع) وبين حجم الودائع، الآخذ بالضمور نتيجة التعميم 161 ومغرياته، والتعميم 158، الذي يسمح بسحب 800 دولار شهرياً (400 بالدولار الفريش و400 بالليرة اللبنانية على سعر 12 ألف ليرة)، وكذلك التعميم 601 الذي حفّز المودعين على المزيد من السحب بسعر 8 آلاف ليرة لكلّ "لولار". وبالتالي كلّما انخفض حجم الودائع بالسحب عبر التعاميم المذكور، فإنّ ما يعادل 14 % يصبح أقلّ. والفرق يصير بين يدي سلامة.

5- أما الثابت دون احتمالات، فهو ما أعلنه "البنك الدولي" يوم الثلاثاء الفائت: "الكساد الاقتصادي من تدبير القيادات اللبنانية" نفسها. واتّهم السلطة السياسية، ولمّح إلى مصرف لبنان من دون أن يسمّيه، وذلك حين تطرّق في بيانه إلى آليّة دعم السلع الرئيسية التي توقّفت الصيف الفائت. فقد قال البنك صراحة إنّ الدعم كان يتّسم بـ"الغموض وعدم التنسيق"، وقد "استنزف موارد العملات الأجنبية الثمينة والنادرة".

6- لم يأخذ بيان "البنك الدولي" حجمه اللازم في وسائل الإعلام، لكنّه شكّل صفعة جديدة للسلطة التي تسعى، بقوّة وبكلّ أطرافها وأحزابها، إلى تعويم نفسها في الانتخابات المنتظرة. وقد يُضاف إلى هذه الصفعة صفعةٌ أخرى منتظرةٌ يوم السبت المقبل من الكويت، وتحديداً من اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين ينتظرون ردّاً لبنانياً رسمياً على البنود الـ12 التي وردت في الورقة الكويتية. وحاولت الحكومة تحاشي الردّ حرصاً على تماسكها. فارتأى رئيسها نجيب ميقاتي صياغة ردّ بالشراكة بينه وبين قصر بعبدا، وذلك وسط معلومات عن احتمال تلويح العرب خلال الاجتماع المنتظر بسلاح "تعليق عضوية لبنان" على شاكلة ما حصل مع سوريا!

إقرأ أيضاً: انطلاقة متعثّرة للحكومة: مفاوضات الصندوق والموازنة

تعليق عضوية لبنان أو مقاطعته قد تكون الشرارة التي ستطلق العنان للاضطرابات الاجتماعية والمالية، وستمهّد لعودة سعر الصرف إلى التحليق. عندها سيكتشف مصرف لبنان أنّه دخل "لعبة استنزاف" لامتناهية، وسيكتشف أيضاً أنّ الأزمة أمست أعمق بكثير من لعبة تجفيف الليرات في السوق. وفي هذا تكرار لقرار الدعم بـ85 بالمئة الذي استهلك 6 مليارات دولار، ذهب نصفها إلى جيوب المهرّبين.

لكنّنا سنكون أمام مكسب وحيد. فبدل أن يبدأ التحليق من "خطّ 33" ألفاً، سينطلق من "خطّ 23" ألفَ ليرة. ما سيكسبنا أشهراً إضافية قبل أن نذوق لوعة الـ30 مجدّداً.