fb أيّ استراتيجية دفاعيّة بعد "خراب البصرة"؟

أيّ استراتيجية دفاعيّة بعد "خراب البصرة"؟

هشام عليوان - الثلاثاء 25 كانون الثاني 2022

 في منتصف القرن الثالث الهجريّ (القرن التاسع الميلاديّ) تعرّضت الدولة العبّاسيّة لأخطر تهديد لها عندما اندلعت "ثورة العبيد الزنج" في البصرة وحواليها، بقيادة علي بن محمّد. استغرقت جهود القضاء على هذه الثورة زهاء 14 عاماً (255-270هـ/869-883م)، بعدما هلك الحَرْث والنَّسْل. فقيل: "نصرٌ بعد خراب البصرة". أي جاء النصر متأخّراً جدّاً، ففَقَد الناس طعمَه وريحَه.

لقد كان طبيعيّاً أن يُثار مصير سلاح الحزب بعد الانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب عام 2000. وكانت فُسحة مناسبة آنذاك لبحث العلاقة جدّيّاً بين الدولة والمقاومة في الجنوب، لولا الثغرة المقصودة في مزارع شبعا وعدم حسم تابعيّتها لسوريا أو لبنان، وهي التي لم تكن ذريعة كافية، على أيّ حال، لنسف استراتيجية دفاعيّة محتملة تقضي غالباً بضمّ مقاتلي الحزب إلى الجيش، أو إبقائهم وحدات مقاتلة شعبية تعمل تحت توجيهات القيادة السياسيّة والعسكريّة، كما يحدث عادة في مرحلة التحرّر من أيّ احتلال، ولا سيّما بعد انحسار النزاع الجغرافي في بقعة محدّدة.

لم يعد الحديث التقليديّ عن استراتيجية دفاعيّة، يكون الحزب جزءاً منها وخاضعاً بموجبها للسلطة السياسيّة وتوجّهاتها في الحرب والسلم، والعداوة والصداقة، ذا جدوى حقيقيّة

لكنّ الطبيعة الأيديولوجيّة للحزب، وإسقاط ذلك على الصراع مع إسرائيل، تجاوزا الجغرافيا وأيّ مفهوم متعارف عليه للسيادة الوطنيّة. ثمّ البُعد الخارجيّ لهذا التنظيم، وارتباطه الديني أو الاستراتيجي بطهران ودمشق، وحسابات ذاك المحور في الإقليم، وتحدّيات العلاقة مع الغرب خاصّة، منعت جميعها صياغة استراتيجية معقولة. ولربّما تساوقت هذه الاستراتيجية، لو صيغت توافقيّاً، مع إصلاح النظام السياسيّ، وتطبيق بقيّة بنود اتفاق الطائف، بمعنى بناء دولة مختلفة. لكن كلّ هذا لم يحدث، فجرى ما جرى ممّا يصعب استعادته في هذا المقام لتشعّب الصراع وتدحرجه في غضون 22 سنة إلى درجات متفاوتة من العنف والفوضى في كلّ مستوى ومجال. لم تُبنَ دولة حقيقيّة طال انتظارها. وفي نهاية المطاف، انهار الهيكل على الجميع. وعاد الحديث إلى مرحلة إعادة النظر بالكيان نفسه، وطبيعة العلاقة بين مكوّناته المؤسِّسة له، وأيّ نظام مناسب لهذه الجملة المعقّدة من العوامل والتناقضات.


حوارات بالجملة

1- انعقد حوار وطنيّ أوّل مرّة في العام 2006، بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، بعد التداعيات الخطيرة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما تبع ذلك من استقطاب سياسيّ ومذهبيّ حادّ أوصل لبنان إلى حافّة الاقتتال الأهلي في الشوارع والميادين العامّة، ليكون بديلاً من الحوار الاعتياديّ تحت قبّة البرلمان بين ممثّلي الشعب، وفي جلسات مجلس الوزراء، لأنّ الأكثريّة كانت مع قوى 14 آذار، وهذه الأكثريّة معطّلة فعلاً. وتناول الحوار موضوع الساعة، وهو التحقيق الدوليّ، والمحكمة الدوليّة، إلى جانب "سلاح المقاومة".

ضمّت الجلسات لاحقاً على مراحل متقطّعة، وعلى نحوٍ إجماليّ، رؤساء الكتل النيابيّة وزعماء الأحزاب والتيّارات والشخصيّات المستقلّة، وآخِرتها دعا إليها الرئيس ميشال عون في الأيام الأخيرة من عام 2021 ولم تنجح، وكانت هيئة الحوار وسيلة معنويّة من وسائل الخروج من المآزق الاعتياديّة في نظام سياسيّ مقفل.

أمّا أهمّ عناوين الحوار وأكثرها حساسيّة خلال تلك الجلسات كلّها، فهو مصير "سلاح المقاومة"، أو "الاستراتيجية الدفاعيّة". وتأتي خلف هذا البند عناوينُ ظرفيّة مثل تهدئة الشارع وتطبيع العلاقات بين الأطراف السياسيّة، عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري والتحقيق الدوليّ في الجريمة.

2- بين عاميْ 2008 و2010، إثر أحداث 7 أيّار واتفاق الدوحة، وانتخاب رئيس توافقيّ هو الرئيس ميشال سليمان، أصبح هذا الأخير هو الداعي إلى تلك الجلسات.

3- بين عاميْ 2012 و2014، اندلعت الثورة السوريّة وانقسم اللبنانيون حولها، واندفع الحزب نحو سوريا تحت عنوان غير سياسيّ هو "حماية المقامات الدينيّة"، ثمّ دفاعاً عن نظام بشار الأسد من دون مواربة.

4- بين عاميْ 2015 و2016، سعياً لإنهاء الفراغ الدستوري وانتخاب رئيس جديد، وسنّ قانون جديد للانتخاب، استعاد الرئيس برّي دوره في الدعوة إلى الحوار، فأعاقها جبران باسيل بطرحه في جلسة 5 أيلول عام 2016 مبدأ الميثاقيّة في النظام، بوصفه المطلب الأسمى، الذي يقوم على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في السلطة والتعيينات الإداريّة.

وفي 20 تشرين الأول من العام نفسه، أعلن الرئيس سعد الحريري دعم ترشيح العماد ميشال عون رئيساً للجمهوريّة، وهو ما يعني أنّ التسوية الرئاسيّة خرجت من الباب الخلفيّ لهيئة الحوار، فتوقّفت عن العمل.

5- لكن في السنة الرابعة من ولاية عون، ومع انفجار فقّاعة التضخّم المالي عام 2020، انعقدت جلسة حواريّة في قصر بعبدا بدعوة من الرئيس ميشال عون، للمصادقة على خطّة التعافي الاقتصادي التي قدّمتها حكومة الرئيس حسان دياب إلى صندوق النقد الدوليّ، فسقطت الخطة، واستمرّ السقوط الحرّ من دون كوابح.

6- في الدعوة الأخيرة إلى جلسة جديدة للحوار، اقترح الرئيس عون "اللامركزية الإدارية والماليّة الموسّعة"، "الاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان"، و"خطّة التعافي المالي والاقتصادي". ومع بروز عناوين منافسة بحسب الظروف والأولويّات السياسيّة للداعين إلى الحوار، إلا أنّ الاستراتيجية الدفاعيّة ظلّت هي العنوان الرئيسيّ والأكثر تداولاً، علماً أنّ مُخرجات جلسات الحوار، التي تتعدّى العشرين، لم يُنفّذ منها شيء سوى تنفيس الاحتقان وشراء الوقت.

لطبيعة الأيديولوجيّة للحزب، وإسقاط ذلك على الصراع مع إسرائيل، تجاوزا الجغرافيا وأيّ مفهوم متعارف عليه للسيادة الوطنيّة

مفارقة 2006 – 2012

المفارقة أنّ ما بدأ عام 2006 بدرس مآل سلاح الحزب والقرار 1559، واستؤنف عام 2008 بطرح استراتيجيات دفاعيّة من أطراف الحوار، أشهرها تلك التي طرحها رئيس التيار الوطنيّ الحرّ آنذاك العماد ميشال عون تحت عنوان "ثنائيّة الجيش والمقاومة"، ثمّ في عام 2012 بطرح الرئيس ميشال سليمان أن يكون "سلاح المقاومة بإمرة الجيش"، انتهى إلى إصدار "إعلان بعبدا" في الجلسة الشهيرة في 11 حزيران من عام 2012، وقد بدا الإعلان وكأنّه بداية لمبادئ عامّة تحكم أيّ استراتيجية دفاعيّة قيد النقاش، ولا سيّما ما جاء في البندين 12 و13:

- البند 12: "تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلّق بواجب التزام قرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، بما في ذلك حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم".

- البند 13: "الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممرّاً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلّحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولاً تحت سقف الدستور والقانون".

لكنّ تجاوز الثورة السوريّة كلّ التوقّعات بإمكانيّة النظام وحلفائه حسم الأمر أمنيّاً وعسكريّاً في وقت وجيز، أجهض "إعلان بعبدا"، أو مبدأ "النأي بالنفس" الذي اشتهر به الرئيس نجيب ميقاتي. فبدأ تورُّط حزب الله في المستنقع السوريّ يتعمّق مع الوقت. ثمّ اندلعت حرب أخرى في اليمن، بعد انقلاب الحوثيين في صنعاء على الرئيس عبد ربّه منصور هادي عام 2015. فتوسّعت اهتمامات الحزب إلى منطقة بالغة الحساسيّة للمملكة العربية السعوديّة، على حدودها المباشرة. فأطلقت "عاصفة الحزم" لمنع الحوثيين من الهيمنة على اليمن كلّه، ووقف اندفاعتهم للسيطرة على المضائق البحريّة.

على هذا، لم يعد الحديث التقليديّ عن استراتيجية دفاعيّة، يكون الحزب جزءاً منها وخاضعاً بموجبها للسلطة السياسيّة وتوجّهاتها في الحرب والسلم، والعداوة والصداقة، ذا جدوى حقيقيّة، ولا سيّما مع الحملات الإعلاميّة المنسّقة المؤيّدة للحوثيين، والمندّدة بدول التحالف العربي، وعلى رأسه السعوديّة. أصبح الحزب عدوّاً صريحاً للمملكة، فيما لبنان الرسميّ على النقيض مع بعض الاختراقات البرتقاليّة بين الحين والآخر.

في قلب العاصفة

من ناحية أخرى، تقضي الاستراتيجية الدفاعيّة المفترضة حماية لبنان من الأخطار بإزاء إسرائيل على وجه الخصوص. ثمّ أُضيف إلى خانة الأعداء، الإرهاب الآتي من سوريا. فما هو تبرير التدخّل في شؤون اليمن؟

وإذا كان الحزب لا يرى أمامه دولة قويّة وقادرة يمكن الركون إليها لمواجهة الأخطار، أو حتى اتّخاذ قرار الحرب والسلام، فيرفض تبعاً لذلك تسليم السلاح، فكيف تصمد الدولة اللبنانية أو أشباحها وظلالها في حرب غير معلنة رسميّاً ضدّ السعوديّة؟

إقرأ أيضاً: العراق بين إيران والحزب: لسنا مجبرين على تحمّل الخسارة

الرئيس ميشال عون، في خطاب القسم الذي ألقاه في مجلس النواب في 31 تشرين الأول من عام 2016، قال إنّ "لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة. ويبقى في طليعة أولويّاتنا منع انتقال أيّ شرارة إليه. من هنا ضرورة ابتعاده عن الصراعات الخارجية، والتزامنا احترام ميثاق جامعة الدول العربية، وبشكل خاص المادّة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلّة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ".

في السنة الأخيرة من ولايته، أضحى لبنان في قلب العاصفة، وفي جحيم الانهيار. فأيّ استراتيجية دفاعيّة كان الرئيس عون سيتحدّث عنها في دعوته الأخيرة؟ هل كان سيدعو الحزب إلى النأي بنفسه عن لبنان قبل النأي عن حرب اليمن؟