مصر حاضرة دائماً في لبنان

مصر حاضرة دائماً في لبنان

خالد البوّاب - الأربعاء 12 كانون الثاني 2022

إنّها مصر التي لا تغيّب لبنان عن راداراتها. يبقى لبنان عنصراً مركزياً في الاهتمام المصري الإقليمي. وهذا موقف مصريّ ثابت تاريخي يعود إلى أيام الرئيس جمال عبد الناصر، ولقاء الخيمة الشهير، بينه وبين الرئيس فؤاد شهاب. وخلاله حَرِص الزعيم المصري على سيادة لبنان، فعقد اللقاء على الحدود اللبنانية السورية. وفي حينها كانت سوريا جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة، اتحاداً بين مصر وسوريا.

إلى اليوم لا يزال موقف مصر ثابتاً في الحفاظ على لبنان كياناً سياسياً مستقلّاً ومستقرّاً، له بعده العربي وامتداده الاستراتيجي التاريخي والثابت. تحت هذه العناوين الواضحة والثوابت تبقى مصر قبلة لبنانية وعربية، انطلاقاً من الحرص على المؤسسات والحفاظ عليها خوفاً من أن يؤدّي انهيارها وتلاشيها إلى فوضى شاملة.

حصل ميقاتي عمليّاً على تسهيلات مصرية لتزويد لبنان بالغاز، وكانت لدى الوفد اللبناني قناعة بأنّ مستقبل لبنان النفطي لا بدّ أن يكون مرتبطاً استراتيجياً بتعاون عربي عمقه الأساس مصر

من يعرف مصر، ويقتنع بهذه العناوين، تسهل عليه معرفة مضامين الكلمة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، إذ قال: "لبنان دائماً في قلبي، ونحن جاهزون لمساعدته".

إنّها الزيارة الثانية التي يجريها ميقاتي لمصر بعد تولّيه رئاسة الحكومة. وفي الزيارتين كان بحث أساسي في ضرورة مساعدة لبنان بعد مساعدة البلد لنفسه من خلال سلسلة قرارات وتشريعات تحفظه وتحفظ مؤسساته. وأوحت الزيارة وكأنّ ميقاتي قد حصل على دعم مصري يعكس دعماً عربياً له، لكنّه في الحقيقة هو دعم لعنصر المؤسسات، وتحديداً لمركزية الحكومة من خلال رئيسها، في إطار تعاون مصر مع لبنان انطلاقاً من مبدأ التعاون بين دولتين.

إنّ تعاطي مصر مع موقع رئاسة الحكومة لا علاقة له بالحسابات الطائفية أو المذهبية، ولا لأنّ الموقع يعود إلى الطائفة السنّيّة، وبالطبع لا علاقة له بشخص الرئيس ميقاتي. إنّما السياسة المصرية العميقة هدفها الحفاظ على المجتمع بكلّ تنوّعاته لحمايته من الدخول في صراعات ذات طابع مذهبي أو طائفي تقود إلى التحلّل. وهذا موقف ثابت للسياسة المصرية اتجاه لبنان في عهد الرئيس السيسي. وينطلق من التعامل مع المؤسسات، أيّاً كان شاغلها. والدليل على هذا المشاعدات الصحيّة الكبيرة التي قدّمتها مصر إلى وزارة الصحة، حين كان الوزير حمد حسن يمثّل حزب الله في الوزارة، واستمرت لأشهر طويلة إلى جميع المستشقايات.

حصلت الزيارة تلبيةً لدعوة وُجِّهت إلى ميقاتي لحضور "ملتقى شباب العالم". وهو تركيز مصري استراتيجي يحرص على الاستثمار بعنصر الشباب. ليس بسيطاً أن تُوجَّه دعوة إلى رئيس حكومة لبنان من بين 6 آلاف دعوة وُجِّهت لرؤساء ومسؤولين وعناصر شبابية متنوّعة. إذ يؤشّر هذا على استمرار الاهتمام المصري بلبنان، وفق التعاطي مع "المؤسسة"، ومن يكون على رأس هذه المؤسسة، كما كان الحال سابقاً بالنسبة إلى العلاقة مع الرئيس سعد الحريري أو مع غيره، وهذا سيستمرّ أيضاً بعد ميقاتي.

 

استبعاد "شباب المستقبل"

استثمر رئيس الحكومة هذه الزيارة واللقاءات التي عقدها باعتبارها نوعاً من الدعم العربي الذي يتلقّاه، فيما اللافت كان عدم توجيه دعوات لشباب من تيار المستقبل مثلاً، في إطار الدعوات التي وُجِّهت إلى الشباب العربي. وهذا الأمر رأى فيه البعض من اللبنانيين أنّه يصبّ في مصلحة ميقاتي وتيّاره "العزم". لكنّ الجانب الأساسي والأهمّ في هذه الزيارة كان البحث في ملفّات النفط والغاز، الذي حضر في لقاء ميقاتي مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومع رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي.

إلى اليوم لا يزال موقف مصر ثابتاً في الحفاظ على لبنان كياناً سياسياً مستقلّاً ومستقرّاً، له بعده العربي وامتداده الاستراتيجي التاريخي والثابت

خلال كلمته أكّد السيسي "التضامن الكلّيّ مع لبنان، خصوصاً في الضائقة التي يمرّ بها"، مبدياً "استعداد مصر للإسهام في إيصال الغاز المصري وفق المعاهدات الموقّعة"، وأعطى توجيهاته "لتسهيل الموضوع والإسراع في تنفيذه".

أمّا اللقاء مع رئيس الحكومة المصرية فحضره من الجانب المصري وزير الكهرباء والطاقة المتجدّدة الدكتور محمد شاكر، ووزير البترول والثروة المعدنية المهندس طارق الملا، ومن الجانب اللبناني وزير الشباب والرياضة الدكتور جورج كلاس، وسفير لبنان لدى القاهرة علي الحلبي. وتطرّق مدبولي، خلال لقائه مع ميقاتي، إلى الملفّات الخاصّة بتعزيز التعاون في مجال تصدير الغاز، وسبل تحقيق الربط الكهربائي بين البلدين ليتسنّى إمداد لبنان بالكهرباء، فضلاً عن تسهيل حركة التبادل التجاري لمختلف السلع، ولا سيّما المنتجات الزراعية اللبنانية، وتزويد لبنان بالمساعدات الغذائية والإنسانية.

 

نفط مصر والأردن والعراق

حصل ميقاتي عمليّاً على تسهيلات مصرية لتزويد لبنان بالغاز، وكانت لدى الوفد اللبناني قناعة بأنّ مستقبل لبنان النفطي لا بدّ أن يكون مرتبطاً استراتيجياً بتعاون عربي عمقه الأساس مصر. ولا يمكن للأردن أن يكون غائباً عن هذه المشاريع في ظلّ حصول لبنان على الكهرباء الأردنية أيضاً.

إقرأ أيضاً: عودة مصر (4): "انهيار لبنان ليس حلّاً... وسنحاربه"

عندما تلقّى ميقاتي الدعوة المصرية للمشاركة في ملتقى شباب العالم، تواصل الجانبان المصري والأردني معه وبحثا مسألة التشاور مع العراق أيضاً من أجل تعزيز التعاون النفطي في البلدان الأربعة. وهذا البحث أتى استكمالاً للاتفاقات التي عُقِدت سابقاً بين الأردن والعراق ومصر في مجالات النفط، والتي لا بدّ للبنان أن ينضمّ إليها تجنّباً لصراع الخطوط الذي تشهده المنطقة بعدما أقامت بعض الدول الخليجية علاقات مع إسرائيل. صراعٌ يضمّ الخطّ الإيراني المنبوذ عربياً، والخط الرباعي الذي تقوده مصر، وهي تسعى في واشنطن من خلال مكتب محامين إلى الحصول على إعفاءات واستثناءات من قانون قيصر ومندرجاته للتمكّن من استجرار الغاز والكهرباء إلى لبنان.