عزلة الميليشيا.. مع وقف التنفيذ
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

عزلة الميليشيا.. مع وقف التنفيذ

نديم قطيش - الإثنين 10 كانون الثاني 2022

لنترك تصريحات خصوم حزب الله جانباً بعض الشيء. ما يقوله هؤلاء معروف سلفاً، وهو تعبير عن جزء من الانقسام السياسي والاجتماعي والأهلي الذي يعصف بلبنان.

‏ما يهمّ الآن هي تصريحات حلفاء حزب الله أو أنصاف حلفائه، أو من لا يزالون يتوهّمون أنّ المحادثات المنطقية مع حزب الله ستقوده إلى تغيير وجهة نظره في مسألة السلاح ودور السلاح.

تصريحات هذه الفئة من السياسيين اللبنانيين والقوى السياسية اللبنانية باتت تتطابق مع أعتى التصريحات التي تصدر عن أكثر خصوم حزب الله راديكاليّةً وتشكيكاً في الأدوار العسكرية التي يلعبها في الإقليم.

يحتاج لبنان إلى حدث كبير يكسر نمطية تشكيل الحكومات وإنتاج السلطة فيه كما حصل في العراق بوصول مصطفى الكاظمي بعد اغتيال قاسم سليماني

‏لقد ذهب رئيس الجمهورية ميشال عون بعيداً، في أول انتقاد علنيّ له للأدوار العسكرية لحزب الله خارج لبنان، ‏حيث لم يكتفِ بالحديث عن الآثار المدمّرة لهذه الأدوار على لبنان واللبنانيين ومصالح الاثنين، بل لامس جوهر ما يقوم به حزب الله متسائلاً: "ما الفائدة من القتال خلف البحور واستعداء الدول العربية؟".

‏أهميّة هذا السؤال أنّ حزب الله، ومنذ زمن، لم يعد يقاتل إلّا خلف البحور وإلّا استعداءً للدول العربية التي يستعديها ‏نظام ولاية الفقيه في إيران. وعليه ‏فإنّ سؤال عون للحزب هو دعوة مضمرة له لأن يغيّر هويّته ووظيفته التي صارها أخيراً. ‏وهي تأكيد على أنّ من كانوا يذهبون هذا المذهب قبل عون لم يفعلوا ذلك بدافع التآمر ولا بدافع خدمة أجندات خارجية، بل هم تعبير بسيط عن السويّة المنطقية لأيّ خطاب عاقل يريد أن يرى بلداً قادراً على إتمام وظائفه تجاه أبنائه، وقادرةٌ دولتُه على أن تكون دولة بالحدّ الأدنى لمعاني ووظائف الدولة.

لا أريد أن أقفز من خلال تصريح واحد إلى الاستنتاج أنّ عون بات في مقلب آخر للمقلب الذي فيه حزب الله، أو أنّ ما قاله ليس مدفوعاً بالمناكفة السياسية أو الأجندة الشخصية له ولصهره في سنة انتخابات نيابية ورئاسية. فأيّاً تكن الأسباب، يبقى أنّ ما قاله الرجل إدانة مهمّة في مفاعيلها السياسية وليس التقاء عابراً مع خطاب خصومه.

أمّا رئيس حكومة الحزب نجيب ميقاتي، فردّ على نفسه قبل أن يردّ على الحزب حين قال:

"فيما نحن ننادي بأن يكون حزب الله جزءاً من الحالة اللبنانية المتنوّعة ولبنانيّ الانتماء، تخالف قيادته هذا التوجّه بمواقف تسيء إلى اللبنانيين أوّلاً وإلى علاقات لبنان مع أشقّائه ثانياً".

‏لا يشكّك نجيب ميقاتي بخيارات الحزب ومفاعيلها بل يشكّك أصلاً في انتماء الحزب إلى لبنان عندما يطرح علامات استفهام علنيّة وغير مسبوقة، بشأن كون حزب الله جزءاً من الحالة اللبنانية أم لا. بل هو يجيب بأنّ قيادة الحزب ترفض عبر أفعالها وتصريحاتها أن تكون جزءاً من الحالة اللبنانية على حدّ تعبيره.

إنّه الميقاتي نفسه الذي قبل هذا التصريح بأيّام قال:

حزب الله حزبٌ سياسي لبناني ولا سطوة لأيّ دولة خارجية على البلاد.

لم يصمد الكلام الأخير المحمّل بكلّ ألوان الاسترضاء والممالأة سوى أيام قليلة قبل أن يضطرّ الميقاتي إلى تسمية الأشياء بأسمائها. كأنّما هي شجاعة سياسية أملت نفسها عليه لا شجاعة أرادها بقرار ذاتي.

‏الأخطر في كلام نجيب ميقاتي النقدي لحزب الله قوله إنّ موقف حسن نصرالله من السعودية "لا يمثّل موقف الحكومة اللبنانية والشريحة الأوسع من اللبنانيين".

‏وهنا بيت القصيد. إذا كان حزب الله لا يمثّل في موقفه الشريحة الأوسع من اللبنانيين، فكيف لهذا الحزب أن يحكم بمنطقه وأفعاله الشريحة الأوسع من اللبنانيين، بل يتحكّم بالحياة الوطنية والسياسية التي يعيش في كنفها كلّ اللبنانيين؟

‏والحال لا بدّ من التأمّل مليّاً بتوسّع رقعة الاعتراض على ‏الدور الميداني الوحيد الذي يلعبه حزب الله اليوم في الحروب المندلعة في الإقليم بعد أن كفّ عن لعب دور ما يسمّى المقاومة ضدّ إسرائيل. إذ يعيد هذا التوسّع في رقعة الاعتراض السياسي إلى الأذهان الحوادث الميدانية الأهلية التي واجهها حزب الله في ثلاث بيئات: السنّيّة في منطقة خلدة والدرزية في منطقة شويّا والمسيحية في منطقة عين الرمّانة، ليقودنا إلى الاستنتاج أنّ حال الرفض السياسي (ولو المهذّب) والشعبي (ولو على حوافّ الحرب الأهليّة)، يعني أنّ ‏حزب الله بات حالة مرفوضة على المستوى الأكثري اللبناني.

المؤسف أنّ حال الرفض هذه لن تُتَرجم في الانتخابات المقبلة نتائج سياسية ودستورية ومؤسساتية تؤدّي إمّا إلى تظهير العزلة الفعلية لحزب الله عن بقية خيارات اللبنانيين، وإمّا أن تُلزم الحزب بإدخال تغييرات جذرية على موضوع سلاحه ودوره الإقليمي.

‏من هنا تبدو لي الانتخابات المقبلة، ومجمل العملية الديمقراطية في لبنان كفخّ سيُحسن حزب الله استثماره بغية تجديد التوازن السياسي في لبنان، في حين أنّ المطلوب كان ولا يزال في رأيي، هو تعليق الحياة الديمقراطية وتعميق الأزمة السياسية فيه، كمدخل اضطراريّ للوصول إلى معالجة قسرية لحال الشذوذ الوطني التي يمثّلها حزب الله.

إقرأ أيضاً: 2022: سنة الانتصار النهائيّ للحزب على لبنان؟

يحتاج لبنان إلى حدث كبير يكسر نمطية تشكيل الحكومات وإنتاج السلطة فيه كما حصل في العراق بوصول مصطفى الكاظمي بعد اغتيال قاسم سليماني. ليس بالضرورة أن يكون هذا الحدث في لبنان أمنيّاً، بل يمكن أن يكون في نقل الاعتراض السياسي من حالته الراهنة، المفعمة بالرومانسية السياسية، والتي ترى أنّ الانتخابات مدخل لتعديلات جدّيّة على مستوى إنتاج السلطة، إلى حال من العصيان السياسي والدستوري والوطني يكون عنوانها السلاح أوّلاً..