العربُ بين عامَين: دول صعدت وأخرى نزلت

العربُ بين عامَين: دول صعدت وأخرى نزلت

د. البدر الشاطري - الجمعة 07 كانون الثاني 2022

بدأ "أساس"، منذ اليوم الأخير في 2021، بنشر سلسلة مقالات وتقارير تحاول قراءة أبرز أحداث العام الماضي، وما ستتركه من تداعيات على العام الجديد 2022.

اختتم عالمنا العربي سنته الماضية بعراك داخل البرلمان الأردني. وكان سبب الشجار أنّ بعض الأردنيّين اعترضوا على تعديل دستوري يساوي بين الرجال والنساء. وكانت العبارة المستفزّة لبعض البرلمانيين هي لفظة "الأردنيّون والأردنيّات". قد تكون مساواة لغوية في القرن الواحد والعشرين فحسب، واعترافاً بأنّ كلّ المجتمعات، بما فيها المجتمع الأردني، مكوّن من نساء ورجال.

والغريب في الأمر أنّ القرآن، الذي يجلّه ويحتكم إليه الجميع، يقول في سياقات متعدّدة: "المؤمنين والمؤمنات" و"المسلمين والمسلمات" و"الذكور والإناث". وعلى سبيل المثال، خذ الآية 35 من سورة الأحزاب، حيث يقول جلّ وعلا:

}إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً{.

اختتم عالمنا العربي سنته الماضية بعراك داخل البرلمان الأردني. وكان سبب الشجار أنّ بعض الأردنيّين اعترضوا على تعديل دستوري يساوي بين الرجال والنساء. وكانت العبارة المستفزّة لبعض البرلمانيين هي لفظة "الأردنيّون والأردنيّات"

بداية العُلا

لكنّ بداية السنة كانت بداية طيّبة، حيث اجتمع الأشقّاء الخليجيون، بالإضافة إلى مصر، في محافظة العلا في المملكة العربية السعودية، في قمّة عُرفت بـ"قمّة الراحلين السلطان قابوس والشيخ صباح"، لبحث الخلافات بين دول الخليج، والتوصّل إلى إجماع خليجي على قضايا المنطقة، والعمل الخليجي والعربي المشترك. وبهذه القمّة وإعلان العلا، تمّ طيّ صفحة أكبر أزمة واجهتها دول الخليج منذ غزو صدّام للكويت.

وقد خلقت هذه الأجواء الإيجابية، مع مجيء إدارة أميركية جديدة، انفراجاتٍ كبيرة في المنطقة. ومهما يقال عن الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، إلا أنّك أمام شخصية سياسية تستطيع أن تتنبّأ بتصرّفاتها، وما تحمله من أفكار. وقد زعم الكثيرون أنّ الإدارة الحالية عازمة على الخروج من الشرق الأوسط. والسبب أنّ الولايات المتحدة لها همّ أكبر يتعلّق بالتوازن مع الصين في منطقة الباسيفيك.

والفكرة قديمة منذ أن أعلن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما "التوجّه شرقاً". وقد صعّد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي خلف أوباما، من لهجته اتجاه بكين، وفرض رسوماً جمركية للحدّ من مكاسب الصين التجارية، وحرّض الحلفاء على عدم استخدام تكنولوجيا الجيل الخامس الصيني (هاواوي) لأنّ الصين تستخدمه للتجسّس على المستخدمين.

لكن ما عزّز وجهة النظر هذه هو الانسحاب المرتبك والمربك للولايات المتحدة من أفغانستان. والصحيح أنّ الولايات المتحدة لم تعُد كما كانت تتربّع على عرش الهيمنة العالمية بعد الحرب الباردة في تسعينيّات القرن المنصرم. وقد برز منافسون عالميون لتسيُّد واشنطن على النظام الدولي. ومن الصحيح أيضاً أنّ الولايات المتحدة هي القوة الأولى اقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً، ودبلوماسياً، على الرغم من المنافسين الكبار، سواء كانت الصين أو روسيا أو الهند في المستقبل.

 

أمن إسرائيل والإمارات

للولايات المتحدة مصالح حيويّة في المنطقة لن تحيد عنها أيّة إدارة، سواء كانت ديموقراطية أو جمهورية. أمن إسرائيل من أهمّ المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بسبب العلاقات التاريخية، والتواصل الثقافي اليهومسيحي، وباعتبارها قاعدة عسكرية متقدّمة للولايات المتحدة. النفط عامل آخر يأتي في أولويّات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. والنفط ليس سلعة اقتصادية في حسابات واشنطن فحسب، بل أيضاً ذات قيمة استراتيجية. وتمارس الولايات المتحدة هيمنتها من خلال تحقيق استقرار الطاقة العالمية، وستكون قيادتها للعالم موضع شكّ إذا لم تحقّق هذا الاستقرار. وهذا مهمّ بالنسبة لواشنطن التي لن تسمح أن تقوم أطراف أخرى بهذه المهمّة. ومع تحقيق الولايات المتحدة الاكتفاء الذاتي من النفط، فإنّه يبقى مهمّاً لبقية حلفاء وشركاء الولايات المتحدة التجاريين والاقتصاديين.

لكنّ هذا الشعور والإدراك جعلا دول المنطقة تبحث عن حلول وبدائل لخلق ظروف مؤاتية لتعزيز استقرارها، وتجاوز عقدة الانسحاب الأميركي من المنطقة، على الرغم من ضعف الدليل على الانسحاب الموهوم. ومن نتائج ذلك ما رأيناه من تحرّكات إقليمية لتصفية النزاعات وتصفير الخلافات. وعلى الرغم من أنّه مبكر الحكم على نتائج التحرّكات النشطة، إلا أنّ اجتماع المملكة العربية السعودية مع إيران بوساطة عراقية يشكّل بادرة أمل بنزع فتيل الأزمة في المنطقة، وحلّ قضايا كثيرة في المنطقة، وعلى رأسها لبنان وسوريا واليمن والعراق.

الإمارات العربية تقاربت مع أنقرة بعد عقدٍ من التوتّر مع النظام التركي، الذي قدّم كثيراً من الدعم لحركة الإسلام السياسي. وكان الطرفان في مواجهة مباشرة في كثير من المواقع. وزار وليّ عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد تركيا في زيارة رسمية وتاريخية. ووعد باستثمارات كبيرة لتعزيز الاقتصاد التركي، الذي شهد تراجعاً كبيراً في الآونة الأخيرة. وقام مستشار الأمن القومي للإمارات طحنون بن زايد، المسؤول عن ملفّات سياسية وأمنيّة كبيرة، بزيارة طهران، وقابل نظيره الإيراني والرئيس المنتخب الجديد إبراهيم رئيسي.

بداية السنة كانت بداية طيّبة، حيث اجتمع الأشقّاء الخليجيون، بالإضافة إلى مصر، في محافظة العلا في المملكة العربية السعودية، في قمّة عُرفت بـ"قمّة الراحلين السلطان قابوس والشيخ صباح"

لبنان والسودان وتونس

في العام الفائت تراجعت الديموقراطية في العالم العربي. فلبنان الأبيّ، حيث أقدم ديموقراطية عربية، لا يزال يواجه تحدّياً كبيراً بسبب ساسة منتخبين تتقلّص شرعيّتهم مع مرور الوقت، وحزب مسلّح يفرض إرادته على الجميع، ولأنّ اللبنانيين لم يستطيعوا تشكيل حكومة مستقرّة، إذ بعدما شكّلوها بعد طول انتظار توقّفت عن الانعقاد. والشارع يغلي ويقف على شفير الهاوية. وممّا زاد الطين بلّةً تصريح وزير الإعلام السابق جورج قرداحي حول عبثيّة الحرب في اليمن، الذي سبق تعيينه في الحكومة الجديدة. وبعد ضغوط من الدول العربية المعنيّة، استقال الوزير بعد أسابيع من تعيينه.

وأمّا السودان فدخل في معترك بين مكوِّنيْه العسكري والمدني. إذ أقدم العسكر في 25 تشرين الأول بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على إعلان حالة الطوارئ، وحلّ حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. إلا أنّ الضغوط من الشارع، إضافة إلى التدخّلات الخارجية، أوعزت إلى العسكر بالرجوع عن الخطوات التي اعتبرها الشارع السوداني انقلابية. وعلى الرغم من رجوع حكومة حمدوك بعد شهر من الخطوات الأخيرة، إلا أنّ الأخير استقال في مستهلّ العام الجديد، الأمر الذي وضع السودان على صفيح ساخن.

تونس كانت متقدّمة على شقيقاتها العربيّات في التطوّر الديموقراطي ومتانة المجتمع المدني، فكان التحوّل الديمقراطي فيها أكثر سلاسةً بعد إسقاط حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وكان انتخاب الرئيس قيس سعيّد خلفاً للراحل الباجي قائد السبسي محلّ اعتزاز وفخر للتونسيين والعرب جميعاً لأنّه بادرة في التداول السلمي للسلطة.

لكنّ المشاحنات الحزبية والفئوية الضيّقة أبت إلا أن تفعل فعلها. وقام الرئيس سعيّد بإعلان، في شهر تموز، حالة الطوارئ استناداً إلى مادة دستورية تخوّله فعل ذلك. وشرع الرئيس بالحكم عبر المراسيم بعدما عطّل عمل البرلمان، وشكّل حكومة تخدم المرحلة الراهنة. وانقسم التونسيون بين مؤيّد ومعارض لاستفراد سعيّد بالسلطة، فيما رأى آخرون أنّ خطوته تلك تنقذ البلاد والعباد من هاوية محقّقة.

فلسطين أم القضايا

أمّا أمّ القضايا العربية فلسطين، المغتصبة، فلا تزال تراوح مكانها. بل إنّها في تراجع مستمرّ. إذ لم تكن 2021 بأفضل حال من السنين الماضية. فقد زاد الاحتلال عتوّاً ونفوراً، وقامت القوات الإسرائيلية في أيار الماضي بهجومها الموسمي على غزة ولمدة 11 يوماً، فقتلت من قتلت، وهدمت ما هدمت، ولم يستطع بايدن وإدارته، كما أسلافه، إلا التصريح عن حقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها. والظاهر أنّ الإدارة الأميركية في موقع لا يسمح لها باتّخاذ مبادرة جديدة لحلّ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

إقرأ أيضاً: الخليج: ما بعد الجائحة والأمن الإقليميّ

في السنة الماضية احتلّت أزمة المناخ العالمي موقع الصدارة. ففي الفاتح من تشرين الثاني، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً للتغيّر المناخي في اسكتلندا، المعروف اختصاراً بـ"COP26". واتفق الجميع على أنّ كوكبنا في خطر، وأنّ مستقبل الأجيال القادمة محفوف بالمخاطر بسبب التلوّث المتزايد للبيئة. ولكنّ المؤتمرين لم يتّفقوا على الحلول. فكلٌّ منهم يريد أن يجيّر القضية لمصلحته. ومبادرة السعودية الخضراء التي أُعلِن عنها العام الماضي نقطة مضيئة في هذا المجال، إذ تسعى إلى زرع عشرة مليارات من الشجر، وزيادة المساحة الخضراء في المملكة.

هذا غيض من فيض، ونحن من العام في أوّله، ولا أحد يستطيع التنبّؤ بأيامه. وكما قال الشاعر:

الليالي من الزمانِ حُبالى        مثقلاتٌ يلدن كلّ عجيبِ.